الرئيسية / مقالات / كواليس لقاء عون وجنبلاط: لا مطالب.. فقط أوقفوا الشرّ

كواليس لقاء عون وجنبلاط: لا مطالب.. فقط أوقفوا الشرّ

منير الربيع|الإثنين04/05/2020
Almodon.com

حقبة جديدة من العلاقة العونية الجنبلاطية المثقلة بحسابات التاريخ؟ (دالاتي ونهرا)

الحدث اليوم في بعبدا: وليد جنبلاط يزور رئيس الجمهورية ميشال عون. للقاء مسار طويل من المشاورات والاتصالات التي قادها وسطاء.

بلا مطالبأولاً، لم يطلب جنبلاط موعداً للقاء عون. ولم يحمل معه مطالب أو ورقة، على خلاف ما أطلقته بعض الشخصيات ووسمت الزيارة بالمطلبية، ولترتيب بعض الأمور. فعون هو من أبدى رغبته بلقاء جنبلاط، عبر وساطة من شخصيات مسيحية لها وزنها وتمثيلها في الجبل.

ثانياً، عندما فُوتح جنبلاط بالأمر، قال إنه ليس على قطيعة مع أحد، ولا مشكلة لديه بعقد أي لقاء، طالما الهدف تخفيف التوتر في الشوف، الناجم عن إثارة النعرات المذهبية والطائفية ونبش القبور.

عندما رفع جنبلاط صوته معترضاً على أداء العهد والحكومة، بدأت جوقة سياسية وإعلامية بشائعة أن لديه مطالب في التعيينات. غاية الشائعات تتفيه موقف جنبلاط، وإفراغه من أبعاده السياسية. بعث جنبلاط رسالة واضحة إلى الجميع: لا أريد شيئاً من أحد. موقفي معروف ومعلن، ومعركتنا نعلم كيف ولماذا نخوضها. واستمر التوتر. واختار جنبلاط المواجهة على طريقته، مدركاً أن حلف المعارضة المفترض غير قائم، لأن كل طرف من أطرافه لديه حساباته المختلفة عن الآخر، على الرغم من تقاطع المواقف في مراحل معينة.

لقاء عدرا – جنبلاط
قبل حوالى ثلاثة أسابيع طلبت وزيرة الدفاع ونائبة رئيس الحكومة زينة عدرا، موعداً للقاء جنبلاط. لم يُحدد الموعد سريعاً. كانت عدرا قد التقت رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي تواصل مع جنبلاط لتحديد موعد لوزيرة الدفاع. 

حصل اللقاء قبل أسبوعين، فسألت نائبة رئيس الحكومة جنبلاط عن الأحوال والأوضاع، وماذا يريد. “لا أريد شيئاً وليس لدي أي مطلب”، أجابها، فردت سريعاً: “نعرف أنك لم تطلب شيئاً، ولكن كيف ترى أحوال البلد؟”. قدم جنبلاط مطالعته، فقال إن الحكومة والعهد يزرعان الألغام في طريقهما، ويصرّان على السير فوقها. وفي كل خطوة قد ينفجر لغم. والنهج المتبع لا يبشر بخير أو حلول.

توتر في الجبل
وكرّت الاتصالات بجنبلاط، مستشرفةً ما لديه، وماذا يحضر؟ تدخل وسطاء على خط التهدئة مستطلعين مطالب “البيك”، فكان جوابه: لا مطالب لديّ. هناك معركة أعرف كيف أخوضها. أحترم نفسي وكرامتي، وهما ليستا للمساومة. وساد التوتر العلاقات السياسية والشعبية بين التيار العوني والحزب التقدمي الاشتراكي، وخصوصاً في الجبل. شدد جنبلاط على كوادر حزبه ومناصريه: لا انفعال ولا انجرار إلى ردّ الفعل الذي قد يؤدي إلى انفجار. أما العونيون فانقسموا إلى قسمين: قسم المتحمسين المتوترين يقوده الوزير السابق غسان عطالله وآخرون، يصرّون على استمرار الاستفزازات والمجابهة. وقسم آخر تقوده شخصيات قريبة من عون، ترفض التوتير وعمليات الشحن التي تبثها صفحة الكترونية باسم “إذاعة الشوف المسيحية”. لذا بدأ التحرك إلى جانب المطرانين مارون العمار وإيلي الحداد، لضرورة وقف هذا “الجنون” الذي قد يؤدي إلى كارثة.

وزارت شخصيات شوفية رئيس الجمهورية، وتربطها به علاقة تاريخية، فنصحت الرئيس بضرورة ضرب يده على الطاولة ووقف كل محاولات استفزاز جنبلاط وتطويقه وحصاره، قائلين: لا يمكن تجاوز جنبلاط في الجبل. هو الزعيم الحقيقي لطائفته وفي الشوف. لكن ما يجري يخالف ذلك، ويتجاوز العقل والمنطق. وناشدت الشخصيات رئيس الجمهورية التحرك سريعاً. وتوالت اتصالاتها بعون. ثم تحركوا على خطّ المختارة.

فليكِفّوا شرورهم
خلال لقائهم جنبلاط، كرر مطالعته، فقابلوها بقراءة نقدية لتصرفات التيار العوني، منذ القداس الذي لا لزوم له في دير القمر، حين نكأ فيه جبران باسيل جراح الماضي. ثم قدروا موقف جنبلاط آنذاك، ومشاركته في القداس وتمسكه بالمصالحة، فيما كانت حسابات رئيس التيار مختلفة.

واستمرت مراجعة المواقف، وصولاً إلى التوتر الذي ساد الأجواء اللبنانية كلها، والشوفية على وجه الخصوص. قدّر جنبلاط موقف زائريه، وكرر قائلاً: لا أريد شيئاً. لكن، فليكفوا شرورهم عنّا وعن الجبل. الوضع لا يحتمل توتراً، ولدى الناس ما يكفيها من هموم ومشاكل.

وسأل الوفدُ جنبلاط إن كان مستعداً للقاء عون. “أنا لست على قطيعة مع أحد” – أجاب – و”لكن ليس لدي شيئاً لأقوله. أنا لا أجابه أحد، ولا أريد أن يجابهني أحد”.

لوقف التوتر اقترح الوفد عقد لقاء بين الرجلين، في بعبدا أو بيت الدين، حيث يرتئي جنبلاط، الذي لم يمانع بعقد اللقاء، مستجيباً لمبادرة الوفد الذي كان التقى عون أكثر من مرة. وهذا يعني أن ليس جنبلاط من طلب اللقاء. وسأل الوفد جنبلاط: أتريد اللقاء بعيداً من الإعلام، وفي الجناح الخاص برئيس الجمهورية، وليس في مكتبه حيث يستقبل الضيوف؟ فأجاب: ليس لدي أي شيء لأبقيه في السرّ. إذا اقتضت الحاجة أزور الرئيس علناً، كما في العلن أخاصم.. بالعلن أهادن. وتذكر جنبلاط مقولة للشيخ وحيد البلعوس: “يا فوق الأرض بكرامة، يا تحت الأرض بكرامة”. أي أخاصم بكرامة وأهادن بكرامة.

تجارب مريرة
قبيل تحديد الموعد، تواصل جنبلاط مع القوى التي ينسق معها، فوضعها في صورة التطورات. أبلغ ما جرى للرئيسين نبيه بري وسعد الحريري، وبعث للقوات اللبنانية رسالة بترتيب لقائه مع عون، لتخفيف التوتر في الجبل. فالقوات ترفض المنطق العوني الذي يوتر الأجواء في الشوف منذ مدة. بكركي بدورها كانت على خطّ هذه المساعي وتعمل على إنضاج اللقاء.

في اللقاء لم يطلب جنبلاط أي مطلب سياسي. قدّم قراءته لما يجري، مفضلاً الكف عن سياسة الماضي، لأن الزمن قد تغير وتحول، ولبنان على شفير الانهيار، ولا مجال للدخول في مناكفات قروية. وشدد جنبلاط على رفض التوتر والحفاظ على المصالحة. في المقابل أبدى عون حرصه على التواصل مع جنبلاط ومع الجميع.

في نهاية اللقاء، أقرّ جنبلاط بـ”وجود خلاف مع ​التيار الوطني الحر​. ولكن نطالب بتنظيم هذا الخلاف وتحسين العلاقة”، وأضاف: “لست ساعياً لتغيير حكومة أو غير الحكومة. وقد شهدنا في التجارب الماضية الوقت الهائل الضائع في عملية تشكيل الحكومة. واليوم، الوضع ليس مناسباً”.

ولفت جنبلاط إلى أن “الأمر الإيجابي أننا سنتوجه إلى صندوق النقد الدولي، على أن نتفاوض بجدية، وأن نخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية الاجتماعية”.

إنها حقبة جديدة من العلاقة العونية الجنبلاطية المثقلة بحسابات التاريخ؟ مرحلة جديدة على طريق تهدئة التوتر بين الجانبين؟ فهذه ليست المرة الأولى من نوعها في هذا العهد. التجربة مريرة، وآخرها مصالحة قبرشمون ولقاء بيت الدين، اللذان لم يتأخر بعدهما اندلاع المناكفات لتتوتر العلاقة مجدداً. فإلى لقاء جديد.

اضف رد