الرئيسية / أضواء على / كنيسة مار جرجس شاهد على الفن الكنسي الوسيط

كنيسة مار جرجس شاهد على الفن الكنسي الوسيط

رولا حميّد – طرابلس
النهار
22082018


كاتدرائية القديس جورجيوس طرابلس

 

كاتدرائية القديس جاورجيوس، المعروفة من الطرابلسيين بكنيسة مار جرجس، هي الصرح التاريخي والمعماري والديني الأرثوذكسي الأول في لبنان، وربما الثاني في الشرق الأوسط ككل بعد الكنيسة المريمية في دمشق، وينظر إليه كابنٍ للصرح الدمشقي حيث أخذت الكثير من هندسته، وفنه المعماري وطبقت على المبنى الطرابلسي.

 

أما كيف ولماذا جيء بفن الكنيسة الدمشقية إلى طرابلس، فلأن المقر البطريركي الأرثوذكسي يقع في دمشق تاريخياً، وفي فترة طويلة من الزمن، احتل مطارنة طرابلسيون متتالون منصب البطريرك، وانتقلوا للإقامة في المقر البطريركي في دمشق، فكانت المدينتان أشبه بالتوأمين على المستوى الديني الأرثوذكسي.

 

تقع الكنيسة في نقطة وصل بين طرابلس القديمة، وطرابلس الحديثة، في حارة النصارى الذي تمدد منه شارع الكنائس باتجاه الزاهرية، في نقطة سكنتها عائلات جلها مسيحي أرثوذكسي مثل آل خلاط، وغُرَيِب، ونحاس، ومسعد، ولاذقاني، وعبد النور وأخرى عديدة ولذلك عرفت بـ “حارة النصارى”.

 

الكنيسة بناء ضخم يغطي ما يزيد على الثمانمئة متر مربع، وهي شبه مربعة الشكل على صورة الصليب الأرثوذكسي المربع، والمتقاطع في الوسط. ترتفع ما بين العشرة أمتار عند سقفها، والخمسة عشر متراً عند قبتها، ولها بوابة فخمة ممتدة على طول الواجهة من أعلى المبنى، حتى أسفله.

يستهلك مدخلها كل منتصف الواجهة من أعلى السطح، تعلوه قبة الجرس، وتحته فتحات ونوافذ، وصولا إلى الباب الضخم، وفيها كلها فنون متنوعة من الزخارف والنقوش والرموز، كما يختلط في بناء الواجهة الرخام مع الحجر الكلسي الصلب الذي اختير بسبب قابليته للتفنن بالنحت.

 

 

جدرانها الخارجية، وجوانبها مبنية من الحجارة الرملية الطرابلسية الهوية، تحيط بها سلسلة من القناطر القائمة على عضاضات مربعة ضخمة تراوح سماكتها بين الستين سنتيمتراً والمتر، وتشكل سلسلة متواصلة، وتحتها ممر يحف بالكنيسة بعرض ثلاثة أمتار تقريباً، يسهل الوقوف والعبور في ظروف الطقس المختلفة، ويستخدم مدخلان جانبيان عند زاويتي الكنيسة مدخلاً للنساء للوصول، عبر سلمين داخليين، إلى متخت واسع يقع فوق القناطر، وبمتخت كهذا مرتفع عن صالة الصلاة الواسعة، ومفصول عنها، كانت الكنيسة تفصل بين الجنسين خلال الصلاة.

 

فوق مدخلها الرئيسي، لوحتان تشيران إلى البدء ببناء الكنيسة، 17 كانون الثاني 1863، وبالانتهاء من ذلك 30 تشرين الثاني 1873، أي إن بناءها استغرق عشر سنوات.

داخلا الكنيسة، يطالع الزائر “الأيقونسطاس” الرخامي الذي جيء ببلاطه من إيطاليا، بحسب حديث لكاهن الرعية الأب سمير ياكومي، وينقل عن عبدالله غريب، أحد أركان الطائفة في طرابلس، أن شبان الطائفة اصطفوا من مرفأ طرابلس، وحتى موقع الكنيسة، صفا واحدا، مسافة تناهز على الأربعة كيلومترات، لينقلوا تباعاً من شاب إلى آخر القطع الرخامية الدقيقة المخصصة للأيقونسطاس”.

والأيقونسطاس، عبارة يونانية تشير إلى جدار يحمل الأيقونات في الكنائس، وخلفه يقع الهيكل، وبني في كنيسة مار جرجس من الخشب بداية، لكن في العام 1900، شكلت جمعية أخوية برئاسة البطريرك غريغوريوس حداد، ونائبه حنا غريب، تولت تجديد الأيقونسطاس، وأوصت عليه من إيطاليا.

 

 

ويفيد الأب ياكومي، كما يذكر الدكتور فاروق حبلص في كتابه “طرابلس: المساجد والكنائس” نقلا عن عبد الله غريب، أن أصل الكنيسة بيت تابع لجرجس ابن حنا مسعد، وتذكر مخطوطة لدى غريب أن “بناء الكنيسة كلف الطائفة ما يقرب من خمسة عشر ألف ليرة فرنساوية ذهب”.

وتفيد مختلف المراجع أن “الطائفة فوضت عبد الله غريب (الجد) بمشروع بناء الكنيسة الضخم، فتهافت أبناء الطائفة ببذل الإعانات بسخاء، وأرباب الصنعة تتبرع بالشغل مجانا لعدة أيام… وهكذا حتى انتهى بناؤها الفخيم”.

والأيقونسطاس من طبقتين، سفلية تحمل أيقونات كبيرة نسبيا، تبرعت بكل منها عائلة من العائلات الطرابلسية، ورسمها فنان سوري متخصص في هذا الفن هو مخائيل مهنا، وعلى كل منها اسم العائلة التي وهبتها للكنيسة في حينه، ويعود غالبها إلى الأعوام بين 1860 و1870، بحسب ياكومي.

وهناك طبقة علوية للأيقونسطاس مزروعة بأيقونات أصغر حجماً، في صف واحد، تبرعت بها الكنيسة الروسية، بينما يحجب الأيقونسطاس ثلاثة هياكل تشير إلى ضخامة البناء، فقلة هي الكنائس التي تحتوي ثلاثة هياكل.

 

قبالة الهيكل الأوسط، الرئيسي، عضاضتان ضخمتان، عند أسفل كل منهما تشكيل فني خشبي مرتفع عن أرض الكنيسة، على الجهة اليمنى مخصص للوالي زمن البيزنطيين، وبعد زوال بيزنطية، احتل الموقع بطريرك الطائفة، وقبالته تشكيل ثانٍ أقل أهمية، يعتمده مطران يعاون البطريرك في الصلاة.

تلفت النظر كرسي قرب كل من هذين التشكيلين الخشبيين المزخرفين، والمنقوشين بدقة بالغة، واحدة لجهة اليمين مخصصة للقنصل اليوناني، والثانية للقنصل الروسي. وفي ذلك إشارة إلى صلات الكنيسة الأرثوذكسية مع الكنيستين اليونانية والروسية في ذلك الحين.

ولقبة الكنيسة رواية خاصة، فقد أريد لها ان تكون ضخمة في بداية الطريق، مما أدى إلى تصدعها وسقوطها مرارا، إلى أن انتهى الأمر إلى تصغيرها إلى الحجم الحالي، وذلك أوائل القرن العشرين.

وإلى اليسار عند الدخول من الباب، سلم خشبي ملتف حول عمود ضخم، يفضي إلى موقع مرتفع تتلى منه الصلاة، واعتمد زمن لم يتوافر فيه مكبر للصوت.

وعلى الجدران الداخلية للكنيسة، ثبتت مقاعد أكثر ارتفاعاً عن مثيلاتها في الصالة، تتيح سعة أكبر للمصلين الذين كانت تضيق بهم الكنيسة سابقا، بحسب ياكومي الذي افاد أن “كنيسة مار جرجس بنيت في ظل التنظيمات العثمانية التي فتحت المجال لبناء كنيسة إضافية للطائفة، بينما لم تكن تسمح إلا ببناء كنيسة واحدة لكل طائفة”.

ويضيف ياكومي أنه “بعد تكاثر أبناء الرعية، لم تعد الكنيسة السابقة (مار نقولا) تتسع لهم، فطلبوا من الخليفة العثماني السماح لهم بأخرى أكبر حجما، وكان لهم ذلك بعد صدور قانون التنظيمات”.

تزخر الكنيسة بالنقوش، والرموز، إن في الأيقونات، أم في التشكيلات الفنية، خصوصاً عند أبواب الهياكل، استخدم فيها مختلف أصناف العمارة الكنسية من الباروك الغربي، إلى الكنسي الشرقي، وتسرب إليها الفن العربي الاسلامي عبر المقرنصات والتجاويف. وفي النقوش والحفريات، الكثير من الرموز الحيوانية، كالأفعى والإيل واليمامة والنسر، أو زهور ونباتات وأوراق شجر خاصة، منها الأفنثية – الورقة في النقش الكورنثي، والعليقة، والورديات، والكرمة، مع ما تعنيه، وترمز إليه بحسب ورودها في أمكنة مختلفة، وروايات متنوعة في الكتاب المقدس.

كل هذه العناصر الغزيرة الرمزية توزعت بانسجام، فأتت زينتها وتشكيلاتها آية في التآلف الفني، يساعد في ذلك بياض الرخام، وزخرفاته المتفننة، بما يمكن وصفه إن كنيسة مار جرجس هي أحد الشواهد الفريدة للفن المعماري الكنسي في المنطقة في عصرها، وعودة له في العصور الوسيطة قبلها.

اضف رد