الرئيسية / home slide / “كنيسة المختارة بين الكرسيّ والدّارة”: صراع بين صوت العقل ونداء الدّم

“كنيسة المختارة بين الكرسيّ والدّارة”: صراع بين صوت العقل ونداء الدّم

27-09-2021 | 00:00 المصدر: “النهار”يوسف طراد

غلاف كنيسة المختارة بين الكرسيّ والدّارة.

عندما أُغلق باب العقل، عمّ الفرح الجهلة الذين أصغوا إلى نداء الدّم… ولتغليب صوت العقل على هذا النّداء المشؤوم، كان قلمُ الكاهن عيد بو راشد سلاحَ السلام، الذي خطّ به كتابه “كنيسة المختارة بين الكرسيّ والدّارة”، الصادر حديثًا عن دار سائر المشرق.

كتابٌ بحثيٌّ بامتياز، جمع أربع مراحل من حياة الجبل، مستندًا إلى 133 مرجعًا ومصدرًا وكتابًا، عدا 28 مرجعًا أجنبيًا، و14 دوريّة صدرت في لبنان. امتدت هذه المراحل على مدى مئتي سنة، اعتبارًا من العام 1820م – تاريخ تشييد كنسية سيدة الدّر في بلدة المختارة، بمبادرة من الشيخ بشير جنبلاط، إلى العام 2020 عندما قام الأستاذ وليد جنبلاط برفقة عقيلته السّيدة نورا، بتاريخ 12 كانون الأول، بزيارة الكنيسة، لمناسبة اليوبيل المئوي الثاني على بنائها وبدء الخدمة الراعويّة فيها.امتاز الكتاب بالسرد المسهب لأحوال الجبل الاجتماعيّة والرعويّة والسياسيّة، بعدما عرض المؤلّف الأسباب التي فرضت نفسها وأدّت إلى ما شهدته سياسة الجبل من فصول مشبعة بالغرضيّة الحادّة؛ فقد جاء في الصّفحة 25 منه: “لا يمكن فهم بدايات العلاقات بين الأسرتين الجنبلاطية والخازنية إلّا انطلاقًا من الغرضية العائلية السياسية الحادة التي كانت تحكم المسارات السياسية لزعامات جبل لبنان على مدى القرن الثامن عشر…”. ويتابع البحث عرض العلاقات المميّزة بين زعماء طائفة الموحدين الدروز الكريمة، ورجال الإكليروس المسيحيين وخاصّة الموارنة منهم. وكان للمطران أغوسطين البستاني – مطران أبرشية صيدا المارونية، الذي رعى السلام مقابلَ حماية المسيحيين وإكرام زعماء المختارة لهم، الحيّزَ الأكبر من الكتاب.

في ما سيأتي أدرج نماذجَ عن العلاقة الوديّة التي كانت قائمة بين الطرفين، والتي استقاها الباحث من عدّة مراجع. جاء في الصّفحة 31: “ارتكزت زعامة الشيخ علي على دعامتين أساسيتين، تقومان على ولاء درزي كبير، وولاء فلاحي مسيحي مطلق. فعرف عنه عطفه الكبير على الرهبان البلديين الموارنة…”؛ وورد في الصّفحة 32: “بعد وفاة الشيخ علي سنة 1778 ورث أولاده وأحفاده عنه هذه الصفات، واستمرت العائلة الجنبلاطية بالاهتمام بالمسيحيين مع الشيخ قاسم جنبلاط، ابن الشيخ علي، فسلك درب والده وعمل على تقريب المسيحيين إليه واحتضانهم، وأحسن إلى الكهنة والرهبان…”؛ ويخبرنا في الصّفحة 37 أنّه “… بعد أن توفي الشيخ فرنسيس أبي جبر الخازن، جُعل الشيخ بشير وصيًّا على أولاده، وهذا دليلٌ إضافي على العلاقة الطيبة بين العائلتين”؛ كما ذكر في الصّفحة 189 أنّه: “رغم العقبات والمصاعب الجمّة، بقيت الستّ نظيرة رسولة السّلام في قلب الجبل، وحاولت التدخّل الدائم من أجل حلّ النزاعات بين الدروز والمسيحيين، مدركة أنّ الجبل لا يمكنه أن يستمر حيًّا إلا بوجودهما معًا”. واستمر عرض هذه العلاقات الجيّدة على مدى صفحات الكتاب، حتى في أقسى الظروف والخلافات الدموية التي حصلت في الجبل.

كما امتاز الكتاب، بعرض كمٍّ كبير من الرسائل، بين رجال الدين المسيحيين وزعماء العائلة الجنبلاطية التي كان في يدها الحل والربط في الجبل؛ وقد بيّن الخوري بو راشد، فلسفة هذه الرسائل التي استطاعت أن تحقق متطلبات العيش المشترك، وتعبّر عن قضايا الجبل بواقعية وأصالة مستمَدّة من صفات الذين أرسلوها، كما أظهرت العلاقات الوديّة بين الكرسي الرسولي في روما وآل جنبلاط. وكانت أول رسالة ذُكرت في الكتاب بهذا المنحى، قد وردت من البابا اكليمنضوس الثالث عشر إلى الشيخ علي جنبلاط بتاريخ 11 أيلول سنة 1765، وقد أوضح الباحث أنّه: “لم تكن رسالة البابا أكليمنضوس الثالث عشر التي تلقاها الشيخ علي رباح جنبلاط عام 1765، الرسالة الأولى التي تتلقاها العائلة الجنبلاطية، فكان أن سبق وأرسل البابا بولس الخامس العام 1608 رسالة شكر إلى الشيخ علي جنبلاط يشكره فيها على حمايته للمسيحيين من اضطهاد العثمانيين في سوريا”.

لم يكن للأحداث الأليمة التي جرت في أزمنة معيّنة (بين سنة 1840 وسنة 1983)، مساحة وافية من السرد، ولم تُعرَض تفاصيلها بالكامل، فقد تكلّم عنها الباحث باختصار، باستثناء بعض التفاصيل، ومنها حادثة الحجل المشهورة التي كانت السبب المباشر لأحداث عام 1860. وقد يكون الكاتب تعمّد ألا يُظهر إلّا الأمور الحسنة بهدف رأب الصدع وعدم نكء الجراح وإذكاء نار الفتنة من جديد.

نجد لعائلة مرهج وكهنتها الذين خدموا رعية المختارة المارونية فسحة كبيرة مشرّفة ضمن الكتاب، فقد كانوا رسل سلام بين زعماء المختارة ورجال الدين المسيحيين، كما كان منزلهم محطّة لمعظم زوار قصر المختارة. أمّا قصّة كنيسة سيدة الدّر في المختارة، فجاءت شبيهة بقصّة الجبل في مراحلها السعيدة والتعيسة، بدءًا بزمن بنائها، مرورًا بتصدّعها عندما حصل زلزال عام 1956، وصولًا إلى ترميمها. فهذه المراحل تشبه المراحل التي مرّ بها الجبل، حين كان الصراع بين صوت العقل ونداء الدّم مسيطرًا. وقد ورد في الكتاب، أنّ الكنيسة شُيِّدت، ثم هدمها الزلزال، وأعاد بناءها زعماء المختارة من آل جنبلاط، باستثناء قبّتها، فقد تبرع ببنائها أحد مشايخ آل الدويهي.

لا شك في أنّ هذا العمل المتقن الذي يَظهر فيه الجهد المبذول والقائم على خطّة بحثيّة، قد عرض الواقع الذي مرّ به الجبل على مدى قرنين من الزمن، بروحانيّة عالية وبأسلوب #أدبيّ وفكر وطنيّ واعٍ، انبثق من تجارب مؤلمة صهرتها الحقيقة التي رواها بو راشد بتجرّد، ناقلًا لنا الظروف والأوضاع السياسيّة والطائفيّة والديمغرافيّة، ليخلصَ في خاتمة الكتاب إلى أنّ الوعي الوطني هو المقياس المطلق لصمود الوطن.

لم يصف الباحث التهجير الأخير الّذي حصل في ثمانينيّات القرن المنصرم، وتداعياته على الرعايا المسيحيّين، والتدّخلات الخارجيّة التي أدّت إليه، ليكون عبرة للمستقبل، حيث أدرج المُصالحة التاريخية التي حصلت، في القسم الأخير من الكتاب؛ ربّما لأن البحث يتعلّق بكنيسة ورعيّة المختارة، أو لأن بو راشد أراد أن يبرزالعلاقات الجيّدة، أو لأنّه أراد الابتعاد عن تحميل المسؤوليّة لطرف من أطراف النزاع، لم يخصّص للتهجير سوى حيّز بسيط من الكتاب، علمًا أنّ التهجير لم يكن ليتمَّ لولا التدخلات الخارجية التي أذكت نيران الحقد وعملت على كسر التوازنات الدقيقة؛ فالمعروف أنّ أحداث عام 1860 لم تكن لتحصل لولا التدخّل العثماني، كما جاء في الصفحة 19 من كتاب “بقاء المسيحيين في الشرق خيار إسلامي” للباحث السياسي أنطوان سعد: “فمجازر 1860، التي لم تكن القوات التركية بعيدة عن تشجيعها والمشاركة فيها، ذهب ضحيتها في لبنان وسوريا ما يتجاوز العشرين ألف قتيلّ”.!هذا التدّخل الخارجيّ الذي يحصل في غفلة عن زعماء الوطن الصالحين، يرسّخ اليأس والضياع والتشرذم بين أبناء الوطن الواحد؛ كتدخل إبراهيم باشا أو العثمانيين أو الفرنسيين أو الإنكليز، الذي أذكى الحقد بين أبناء الجبل، من أجل الحفاظ على مصالحهم.

وكي لا تسقي دموع أحزاننا شجرة اليأس الباسقة، ولإيقاف الفواجع التي ملأت حياتنا بالدموع، يلزمنا زعماء صادقون، أمثال الشيخ بشير جنبلاط “الذي عُرف بـ (عمود السما)”، والمطران أغوسطين البستاني الذي لُقّب بمطران الدروز، والسيدة نظيرة جنبلاط التي وُصفت بـ “كوكب البلاد الوضّاء”، والزعيم كمال جنبلاط الذي وضع عقد اللؤلؤ العائد لوالدته حول عنق تمثال العذراء مريم أثناء تطواف “أم النور” في البلدات اللبنانيّة ومرورها بالمختارة، والأستاذ وليد جنبلاط، واضع مقدّمة هذا البحث والذي صرّح علانية بأنّ أحداث عام 1860م لن تعود، وعقد الصلح التاريخي بعد التّهجير الأخير من الجبل، مع بطريرك الاستقلال الثاني مار نصرالله بطرس صفير.