اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / “كنيسة المختارة بين الكرسيّ والدارة” للخوري عيد بو راشد… صفحات من تاريخ الدروز والموارنة في الجبل

“كنيسة المختارة بين الكرسيّ والدارة” للخوري عيد بو راشد… صفحات من تاريخ الدروز والموارنة في الجبل

20-01-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

“كنيسة المختارة بين الكرسيّ والدارة”.

جان م. صدقه

هو كتاب مرجعيٍّ شامل يوثّق لحقبة حافلة بالأحداث والتحوّلات، فيروي تاريخ تشييد كنيسة سيّدة الدرّ في المختارة بمبادرة من بشير جنبلاط في 1820، وصولًا إلى 12 كانون الأوّل 2020 عندما زارها وليد جنبلاط لمناسبة اليوبيل المئويّ الثاني على بنائها. الخوري #عيد بو راشد، المؤلّف، متخصّص في اللاهوت والفلسفة والعلوم الإسلاميّة وباحث في العلاقات المارونيّة – الدرزيّة. تمّ تقسيم الكتاب أربع مراحل تاريخيّة، الأولى 1730-1860، الثانية 1920-1948، الثالثة 1949-1999 والرابعة 2000-2020: تروي المرحلة الأولى توطّن الموارنة في المختارة والأحداث الدمويّة التي حصلت بين 1840 و1860؛ وتعالج الثانية طبيعة العلاقة بين الكنيسة المارونيّة وآل جنبلاط، لا سيّما ما بين الستّ نظيرة جنبلاط والمطران أغوسطين البستاني، صديق العائلة الجنبلاطيَّة وراعيها بعد اغتيال فؤاد جنبلاط؛ واتّسمت المرحلة الثالثة بعودة الفتنة، ولا سيّما مع اغتيال كمال جنبلاط في 1977، فتحوّلت حربًا بين 1983 و1985 أدَّت إلى تهجير المسيحيّين. برز في تلك المرحلة المطران ابراهيم الحلو، ومعه الخور أسقف يوحنّا الحلو، في تفعيل مساعي العودة، التي كان وليد جنبلاط قد دعا إليها في “مؤتمر بيت الدين لعودة المهجَّرين” في 1989. أمّا المرحلة الرابعة فاتّسمت بالمصالحة التاريخيَّة في 2001 مع زيارة البطريرك نصر الله صفير للمختارة. وينتهي الكاتب بالتنويه بأبرشيّة صيدا المارونيَّة مستعرضًا أحبارها وكهنتها الذين ربطتهم علاقات مميّزة بدارة آل جنبلاط في المختارة ودورهم في تثبيت وحدة الجبل وتحصين الوفاق بين أهله.

ما بين الكنيسة والجبل
 تبدو قصّة كنيسة سيّدة المختارة شبيهة بقصّة الجبل في مراحلها السعيدة والتعيسة، بدءًا بتاريخ بنائها، مرورًا بتصدّعها إثر الزلزال في 1956، فأعاد بناءها آل جنبلاط، باستثناء قبّتها التي تبرّع ببنائها أحد مشايخ آل الدويهي. وهي مراحل تشبه المراحل التي مرّ بها الجبل، حين سيطر الصراع بين صوت العقل ونداء الدم. وقد خصّص الباحث لعائلة مرهج وكهنتها الذين خدموا رعيّة المختارة المارونيّة فسحة مشرّفة، وهم كانوا رسل سلام بين زعماء المختارة ورجال الدين المسيحيّين، كما كان منزلهم محطّة لمعظم زوّار قصر المختارة. يمتاز الكتاب بالسرد المسهب لأحوال الجبل الاجتماعيّة والرعويّة والسياسيّة، ويعرض العلاقات الوديّة المميّزة بين الزعماء الدروز ورجال الإكليروس المسيحيّين وخصوصًا الموارنة منهم. وكان لأغوسطين البستاني، مطران أبرشيّة صيدا المارونيّة، الذي رعى السلام مقابلَ حماية المسيحيّين وإكرام زعماء المختارة لهم، الحيّزَ الأكبر من الكتاب الذي لم يركّز على الأحداث الأليمة التي جرت بين 1840 و1983، ربّما عن عمد لأنّه أراد الابتعاد عن تحميل المسؤوليّة لطرف من أطراف النزاع، فلم يخصّص للتهجير سوى حيّز بسيط. يعرض الكتاب لكمّ كبير من الرسائل بين رجال الدين المسيحيّين وزعماء العائلة الجنبلاطيّة؛ وقد بيّن الباحث أبعاد هذه الرسائل التي استطاعت أن تحقّق متطلّبات العيش المشترك، وتعبّر عن قضايا الجبل بواقعيّة، كما أظهرت العلاقات الوديّة بين الكرسي الرسوليّ في روما وآل جنبلاط. وكانت أوّل رسالة ذُكرت في الكتاب وردت من البابا إكليمنضوس الثالث عشر إلى علي رباح جنبلاط في 11 أيلول سنة 1765، لكن سبقتها رسالة البابا بولس الخامس في 1608 إلى علي جنبلاط يشكره فيها على حمايته للمسيحيّين من اضطهاد العثمانيّين في سوريا.

وظائف وعبر
 انطلق الكاتب من صفته الأساسيّة، وهي خدمته الكهنوتيّة في كنيسة سيّدة الدرّ في المختارة، التي يعود الفضل في بنائها إلى آل جنبلاط في 1820. وقد اعتمد على مصادر أوّليّة في بحثه منها محفوظات البطريركيّة المارونيّة في بكركي، وأرشيف مطرانيّة صيدا المارونيّة، وأرشيف الدار التقدميّة، وأرشيف المكتبة الوطنيّة في بعقلين وغيرها. كما نشر وثائق للمرّة الأولى أبرزت صفحات مظلمة من تاريخ الجبل، كما سعى الباحث إلى إبراز الدور الإيجابيّ لتلاقي الدروز والموارنة في تلك البقعة. يحمل هذا الكتاب وظيفتين، فهو أوّلًا تأريخ لحقبة تتجاوز القرنين ونصف القرن، من بعض تاريخ جبل لبنان، مؤسّسة على مئات الوثائق الأصليّة التي أضاءت على العلاقات المتوتّرة بين الدروز والموارنة والاحداث الدمويّة بينهما. أمّا الوظيفة الثانية، فهي إلقاء الضوء على المساحات النيّرة من تاريخ الجبل، فهذا التاريخ ليس كلّه توتّرات وتشنّجات وصدامات، بل إنّ وجهه الآخر هو صاف كصفاء عين الديك. وقد تكون الصورة الأبهى لهذه العلاقات، تلك التي جسّدها المطران أغوسطين البستاني والستّ نظيرة جنبلاط في علاقة فريدة في أبعادها الوطنيّة حوّلت جبل لبنان الى واحة لتلاقي أبنائه، والخلاصة أنّ الوعي الوطنيّ هو المقياس المطلق لصمود الوطن. ولعلّ الأهمّ في الكتاب أنّه ينسف فكرة الصراع الوجوديّ بين الدروز والموارنة من أساسها والتي تشغل بال الرؤوس السخيفة لدى الطرفين. كتاب توثيقيّ غنيّ ومهمّ يركّز على التسامح الدينيّ والثقافيّ الذي تميّز به الأجداد بشفاعة السيّدة العذراء، سيّدة الدرّ، التي يكرّمها المسيحيّون والدروز على السواء، ويضيئون لها الشموع تشفّعًا.

#كنيسة المختارة بين الكرسيّ والدارة، الخوري عيد بو راشد، في منشورات دار سائر المشرق، في 440 صفحة من القطع الوسط، بيروت 2021، وهو يستند إلى 133 مصدرا وكتابا ودوريّة، و28 مرجعا أجنبيًا، ويبدأ بكلمة للمطران مارون العمّار، راعي أبرشيّة صيدا المارونية، ثم بتقديم بقلم وليد جنبلاط، أمّا الإشراف والمراجعة فلنايل أبو شقرا.