الرئيسية / home slide / كميل شمعون وأوكرانيا والمظلّة الأميركية

كميل شمعون وأوكرانيا والمظلّة الأميركية

محمد حجيري|الأربعاء02/03/2022
Almodon.com

كميل شمعون على هامش الحرب الروسية البوتينية على أوكرانيا، أو الغزو الروسي لأوكرانيا، وما حملته من موجات آراء وتعليقات “نضالية” و”تبصيرات” وعصبيات فردية وجماعية و”ممانعة” و”يسارية” خشبية (سوفياتية)، ثمة مَن نشر في فايسبوك عبارة تُنسب إلى الرئيس اللبناني الراحل كميل نمر شمعون، وتقول بأن “أميركا تعطيك المظلّة للفرجة والنظر وتأخذها منك في العاصفة والمطر”… أحسب أنّنا إذا حذفنا توقيع شمعون عن العبارة المذكورة، وأعدنا قراءتها، سنظنّ أنها نتاج الفريق المعادي لـ”أمريكا”، أو من يرجمونها وينسبونها إلى “الشيطان الأكبر” ويصفونها بـ”رأس الأفعى” و”الرأسمالية المتوحشة”… وأن يقول شمعون البراغماتي هذا الكلام أو “الوعظ” أو الاستنتاج، فهذا ينمّ عن تجربة ودرس اختبره بنفسه ولمسه بيده وبحواسه ورآه بأمّ العين، وليس آت من كراهية لأميركا الرأسمالية، ولا من مواقف نضالية ضد الإمبريالية والاستكبار العالمي، ولا من ثقافة تلقاها من “حزب الله” الذي يعطي أمينه العام مواعظ للآخرين بأن ما يحصل في أوكرانيا “درس وعبرة للجميع لمن يثق ويعوّل ويراهن على أميركا”. وكأن من يعوّل على “حزب الله” في لبنان واليمن والعراق وسوريا، يعيش في فردوس خاص، يقارع الدول الاسكندنافية في الرفاه والديموقراطية والحرية والعيش الكريم…

والحال أن شمعون “فتى العروبة” المحارب من العروبيين، والأرستقراطي والشعبوي و”البطل الماروني” و”اللبنانوي” و”الرئيس الملك”، من أول الشخصيات السياسة في الشرق الأوسط التي استندت إلى الدعم الأميركي وعوّلت عليه وانتظرته خلال حرب/ثورة 1958. لكن ماذا حصل في نهاية المطاف؟ هنا تكمن “الصعقة” أو الدرس البليغ والمعبّر الذي يمكن استخلاصه من البراغماتية الأميركية أو “المظلّة”. وما حصل في الوقائع، يسرده الباحث الأميركي بروس ريدل(*)، في مقابلة بعنوان “بيروت 1958 ودروسها” مع الصحافي مايكل يونغ، حول نشر قوات المارينز الأميركية في لبنان، في العام 1958، وكانت أول عملية قتالية تشنّها القوات الأميركية في الشرق الأوسط. وهي بمثابة نموذج أوّلي لعمليات شُنَّت لاحقاً، مثل حرب “عاصفة الصحراء” في العراق. يقول بروس ريدل إنه في العام 1958، فوجئت إدارة الرئيس الإميركي أيزنهاور، بانقلاب دموي في بغداد أدّى إلى القضاء على الأسرة الملكية الهاشمية العراقية. وقد حذّر كبار مستشاري الرئيس، بينهم وزير خارجيته ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، من أن الانقلاب سيقود إلى انهيار كل الحكومات الموالية للغرب في المنطقة، وإلى سيطرة الشيوعيين. وزعم هؤلاء خطأً أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر هو القناع الذي يتخفّى الاتحاد السوفياتي خلفه. في اليوم التالي، وصلت قوات المارينز لتقديم الدعم إلى الرئيس المسيحي في لبنان الذي كان يواجه حرباً أهلية…

لم تستمر عملية بيروت طويلاً، لأن الأميركيين قبلوا سريعاً بالنتيجة التي أسفرت عنها الحرب الأهلية اللبنانية والتي “أرضتْ المعارضة المسلمة من دون تهديد الأقلية المسيحية”. وقد لقي أميركي واحد فقط مصرعه في القتال في العام 1958، والسبب الأساس هو أن “قوات المارينز وافقت على التعاون مع القوات المسلحة اللبنانية وتجنّبت القيام بدوريات في المناطق الخاضعة لسيطرة المسلّحين في بيروت. وفي نهاية المطاف، تخلّى أيزنهاور عن الرئيس المسيحي الماروني كميل شمعون الذي كان هو مَن طلب قدوم المارينز إلى البلاد، وانتقل لدعم فؤاد شهاب، قائد الجيش الماروني الذي كان يحظى بتأييد المسلمين وعبد الناصر”. 

بمعنى آخر، اخذتْ أميركا المظلّة من شمعون وتركته يترنّخ تحت المطر، وبتعبير الصحافي اميل الخوري “باعت أميركي حكم شمعون في آخر ولايته، عندما كانت في صراع مع بريطانيا على النفوذ في المنطقة وعلى أثر سقوط “حلف بغداد”، لعبد الناصر خصمها السياسي اللدود”. لكن الرئيس شمعون الذي أُخذتْ منه المظلة العام 1958، لم يتعظ مع غيره. فتشير وثائق أميركية إلى أنه، في أواخر حزيران 1969، طالب شمعون وبيار الجميّل، السفير الأميركي في لبنان، بتسليح مليشياتهم بعد اتفاق القاهرة، لكن الطلب لم يُلبَّ. وعلى هذا، دان الجميّل تخلّي الحكومة الأميركيّة عن أصدقائها في لبنان…

وإذا قفزنا عن ويلات الحرب الأهلية، وذهاب بعض الزعماء اللبنانيين لطلب التدخل السوري في لبنان، واندفاع النظام السوري لهذا الطلب وهو كان ينتظره ويعمل عليه، نصل إلى أنه في العام 1990، بعد حروب الجنرال عون التحريرية والإلغائية، “باعت” أميركا لبنان لسوريا أو أعطتها تفويضاً بالسيطرة عليه، بعد الغزو العراقي للكويت والحرب الدولية على نظام صدام حسين… وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري العام 2005، عاد رهان ما يسمى “الفريق السيادي” على الدعم الإميركي. كان جيفري فيلتمان يبيعهم الأوهام في بيروت، وهم يتلقون الضربات من خصومهم، بالسياسة والإغتيالات. كانوا يحملون مظلّة بقماشة مثل غربال إذا جاز التعبير… بالطبع لا معنى للحديث عن أن أميركا تخلّت أو تتخلى عن حلفائها، فهي في أي ظرف من الظروف تتبع روزنامة مصالحها (براغماتيتها) وأجنداتها الخاصّة، وأي كلام آخر فيه شيء من المراهقة السياسية، وكل سياسي عليه تحمل مسؤولية توجهاته ورؤيته وعكازه السياسي ومظلته… ولهذا نقول إن مشهد مظلّة شمعون تكرّر مع قوى 14 آذار، ومع ثوار سوريا، بزعم أولوية الحرب على “داعش”، وربما يصيب قوميي أوكرانيا، والله أعلم..
 و”خصوم” أميركا ليسوا بمنأى من البراغماتية. فمَن كان يقول عن الجنرال ميشال عون، إنه حالة اسرائيلية العام 1989، عطّل البلد سنتين لينتخبه رئيساً. ومَن رفع راية تحرير القدس، اختار جزّار صبرا وشاتيلا حليفاً. وحين تمّ الاتفاق النووي في زمن ولاية الرئيس الأميركي، باراك حسين أوباما، بدأت تختفي من طهران شعارات “الموت لأمريكا”. وفي خضم الحرب العراقية الإيرانية، كانت فضيحة “ووترغيت”.

(*) بروس ريدل تقاعد في العام 2006 بعد 30 عاماً من الخدمة في وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه). كان مستشاراً أول لشؤون جنوب آسيا والشرق الأوسط في فريق مجلس الأمن القومي في عهود آخر أربعة رؤساء للولايات المتحدة. شغل أيضاً منصب نائب مساعد وزير الدفاع لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في البنتاغون، ومنصب مستشار أول في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل.