كمال بُلاطة: الغريب الأليف

الياس خوري
القدس العربي
20082019

أخي كمال،
نلتفُّ من حولك اليوم لا لنقول وداعاً، بل لننظر إلى حيث نظرت، ونكتشف بهاء القدس.
خطّت القدس ملامح عينيك فرسمتها ضوءاً تلألأ في رؤاك، وانبثق النور من النور كي ينكتب نور الحب على نار الشوق.
ننظر فنرى الماء يشفّ عن الروح، والروح تضيء عتمات المنفى، والكلمات تصير ألواناً بعدما صارت الألوان كلمات تبحث عن الكلمة التي لا تموت.
أراك يا أخي وصديقي مُلتفاً بالألوان، كأن مسيرة حياتك كلها كانت بحثاً عن لقاء الروح بألوان المدينة التي لم تغادرها إلا لتعود إليها، حاملاً في يديك ولوحاتك وكلماتك حريتها المشتهاة.
عندما التقينا للمرة الأولى منذ ستة وأربعين عاماً في بيروت، أذهلني الفنان الذي فيك، براءة تشبه الطفولة، وخيال يتخطّى الحاضر، ومعرفة تتحدى السائد وشوق إلى الحرية.
ومضت بك الأيام من منفى إلى منفى، وليلى الحبيبة إلى جانبك، وكنتَ الغريب الأليف.
غريبٌ يبحث عن صورته في أعجوبة الألوان وهي تمتزج بالأشكال الهندسية، فتصير اللوحة ماء أو مرآة. حوّلت المرايا إلى ماء مشت عليه بلقيس قبل أن يمشي يسوع الناصريّ على صفحة بحر الجليل جاعلاً من الماء مرايا الروح.
غريبٌ غرّبك الاحتلال عن أرضك ومدينتك، فصنعت قدسين، قدساً أرضية إليها ترنو الأفئدة، وقدساً متخيّلة تعلو بالإنسان، فصار الفن على يديك شكلاً من أشكال الصلاة.
مزجت القدس الأرضية بالقدس السماوية، فكانت لوحاتك وكلماتك بحثاً عن المعاني التي حجبها وحلُ الأزمنة.
وأليفٌ يعرف سرّ العلاقة بين الظاهر والباطن، يحمل في يديه سُرة الأرض، جاعلاً من المنافي شرفات شوق إلى القدس.
وأليفٌ قادر على الحوار مع ثقافات شتى، انطلاقاً من حاضره الفلسطيني بكل ما يحمله من إرث ثقافيّ عربيّ وإنسانيّ.
عشت بــــين عالمين، الكــــتابة التي تشعرك بأنك ذاهبٌ إلى القدس واللوحة التي تضعك في القدس. وكنت بين الذهاب إليها والكينونة فيها تكتب المنفى وتتجاوزه في آنٍ معاً.
رسمتَ كي يعلو اللون على الواقع المأساوي ويصبغه بالحلم، وكتبتَ كي تؤرّخ وتحلّل وتجعل الحقيقة مرادفاً للحق.
لو لم تكن فلسطينياً لكنت فلسطينياً، ولو لم تكن مقدسياً لكنت مقدسياً، فالقدس وجدت في لوحاتك وكلماتك صورتها التي لا تستطيع النكبة محوها.
واليوم لا نودّعك إلا لنستودعك في سر الأرض، فالموت يا أخي ليس سوى استعارة الحياة الكبرى، وأنت اليوم تصير جزءاً من استعارة فلسطين التي تتخطّى هذا التاريخ الأعمى الذي نكبنا بالمنافي.
أخي كمال،
لا أدري لماذا عجّلت في الرحيل، جئتَ في حزيران/ يونيو الماضي إلى بيروت ممتلئاً بالوعود: كتابان قيد الطبع باللغة الإنكليزية، الأول يجمع مقالاتك ودراساتك، والثاني عن أعمالك الفنية شارك فيه كوكبة من النقّاد والمختصين، ومشروع معرض، وأفكار تتوالد ورؤى، كأنك تجدد البداية وتعيد صوغها، فإذا بك تفاجئنا وتمضي.
عودتك كانت موعدك.
أعرف أنك كنت على موعد مع القدس، هذه الأرض موعد دائم صنعه الذين لم يتخلّوا عن فكرة فلسطين بصفتها تلخيصاً لمقاومة الظلم والعنصرية والاحتلال.
فلسطين ليست وعداً ولا أسطورة، إنها وطن جُبل بتراب الآباء والأجداد، كي يصير موعداً للحرية التي تنبت في قلب الألم.
تعود إلى القدس كي تكون أول العائدين، منعك الاحتلال طوال نصف قرن من العودة إلى مدينتك ومدينة آبائك وأجدادك، فخبأت المدينة في روحك، وقضيت حياتك في المنافي باحثاً عن خيوط ضوء القدس كي تجعله نوراً يضيء العالم.
الضوء الذي بحثت عنه طويلاً يفتح ذراعيه اليوم لابن المدينة، الذي يعود حاملاً معه كل أماكنه التي صارت على يديه امتداداً للقدس.
فمثلما تقدّست القدس بشهدائها وأنبيائها وبابن الإنسان، فهي تتقدّس اليوم بأبنائها الذين يصنعون منها قبّة الروح.
تعود اليـــوم حاملاً في جعبـــتك بشارة العــــودة، فحـــقّ عودة الفلسطينيات والفلسطينيين إلى وطنهم حقّ مقدّس.
تذهبُ إلى موعدك مع مدينتك المحاصرة بالقمع والاحتلال، معلناً أن حقيقة القدس هي أن تكون مدينة الحقّ والحرية والسلام.

——
ألقـــيت مقاطع من هــــذه الكلمة في جنّاز الفنان الفلسطيني الكبير كمال بُلاطة، الذي أقيم في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في برلين، يوم الخميس 15 آب/أغسطس 2019، قبل أن ينقل جثمانه إلى مسقطه في القدس، حيث ووري في مدافن العائلة في مقبرة الروم الأرثوذكس في جبل صهيون، يوم أمس الإثنين 19 آب/ أغسطس الجاري.

كلمات مفتاحية

الياس خوري

التعليقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*