الرئيسية / مقالات / كل لبنان يكذب على كل لبنان

كل لبنان يكذب على كل لبنان

 

    أحمد الغز
اللواء
14102017
لا أستطيع تحديد اتجاهات الرياح السياسية في لبنان هذه الايام، اذ يتداخل فيها المحلي بالعربي والإقليمي والدولي، ناهيك عن تداخلات الجوار السوري والعدو الاسرائيلي والجميع يتموضع في الداخل اللبناني وعلى حدوده، ويكفي مشاهدة نشرة اخبار واحدة كي نتأكّد من ان لبنان في عين العاصفة.
تتزامن هذه الرياح المتعدّدة المصادر والاتجاهات مع تصعيد في الخطاب السياسي المحلي الذي يحدث الكثير من الضجيج والاتهامات حيث تمتزج اوجاع الولادة مع آلام النهايات، والقدرة على التمييز بين البدايات والنهايات في لبنان أمرٌ غاية في الصعوبة، لأنّ اللبنانيّين يحوّلون التمنيات الى معلومات ووقائع ويتصرّفون على أساسها الى حد ان بعض الافراد يتوهمون أنّهم أصدقاء للدول الكبرى والصغرى على حد سواء.
هناك رموز لبنانية عديدة تمتلك تجربة عميقة بالعواصف العربية والاقليمية والدولية، وقد شاهدوا مرارا مأساة نهاية المأساة في لبنان. وهم مطالبون هذه الأيّام بالكثير من الهدوء والحكمة، وتعزيز التقارب عبر لقاءات رفيعة وعلى أعلى المستويات وخارج التوقعات، بعيدا عن الضجيج والضوضاء والمزايدات لأن ما هو متداول يدعونا الى تهيّب ما هو قادم على لبنان.
ستنعدم فعالية كل القوى السياسية غير الموجودة داخل مؤسسات الدولة الشرعية والحكومية، لأنّ التخاطب الإقليمي والدولي سيكون مع الدولة اللبنانية او من خلالها في المواجهة والتفاوض، كما حصل في الماضي القريب والماضي البعيد. ولا داعي الى الكثير من التحليلات والتوقعات، لأن المنطقة بعد تفكيك كل من سوريا والعراق تشهد تموضعات دولية كبيرة مع محاولة تظهير نظام شرق أوسطي تكون فيه كلّ من ايران وتركيا وإسرائيل في صلب النظام الإقليمي الجديد.
ربما نشهد تطوّرات كنّا قد عرفنا قسوتها وتمنّينا ان لا نراها مرة اخرى، مما قد يهدد الكثير مما أنجزناه على مدى ٣٥ عاماً، وقد نقول «يا ريت اللي جرى ما كان!»، ونترحّم على ايام التسويات والوحدة والنهوض وإعادة البناء. وربما ندرك أنّنا لم نقدّم جديد في هذا النزاع الطويل سوى تبادل الأدوار في تكرار التجربة المأساة، مع توقّع نتائج مغايرة. وان ما يتميّز به ابناء لبنان أنّهم لا يتعلّمون من دروسهم في الحياة، ورغم تكرار المأساة.
عند كل عدوان على لبنان، أتذكّر مرارة تلك الايام التي تُرِكَت فيها فئة لبنانية وحدها في مواجهة الاجتياح ونتائجه. وهذا ما لا يجب ان نسمح بتكراره مع اي فئة لبنانية اخرى لأنّ كل عدوان يستهدف كلّ اللبنانيين بدون استثناء، شيعة، دروز، موارنة، أرثوذكس، أرمن، سريان، كلدان، كاثوليك، بروتستانت، سنّة، علويين، لاتين، أقباط، إنجيليين، آشوريين، علمانيين ومدنيين. وعلمتنا المواجهات ان نأمل الأفضل ونستعد للأسوأ.
هناك نقاش كبير ومنذ مدة في وسائل إعلام العدو الاسرائيلي ومنتدياته ومراكز أبحاثه حول احتمالات وآثار ونتائج الحرب مع لبنان، في حين لا احد في لبنان يريد الحديث صراحة عن التهديدات الاسرائيلية ولا احد يريد الحديث عن تأثير المناخات المتوترة بين اميركا وايران وتداعيات كردستان، ولا احد يريد الحديث عن العقوبات المالية الاميركية والمكافأة لمن يدلي بمعلومات عن قيادات حزبية لبنانية، ولا احد يريد الحديث عن الاستعدادات الصحية والاجتماعية والخدماتية اذا ما وقع العدوان، ولا احد يؤكد او ينفي هذه التهديدات رغم الاستعدادات والاستنفارات لدى هذا الفريق والتوقعات والتحليلات لدى ذلك الفريق، وكلنا نعرف أنّ الجميع يعرفون، وأنّ لا احد يثق بأحد في لبنان، وكل لبنان يكذب على كل لبنان.

اضف رد