الرئيسية / مقالات / كلّ هذا الموت… سنتغلّب عليه

كلّ هذا الموت… سنتغلّب عليه

سنتغلّب على الموت (حسن جوني).

لو كان على قمّة هذه الجلجلة الوطنيّة، لو كان وراء هذا الموت اللبنانيّ، لو كان ثمّة خلاصٌ “سياسيّ” فيه، وإنْ بصيصٌ نادرٌ منه، على أيدي الساسة والقادة والحكّام الذين يستولون على خيراتنا، ويدمّرون بلادنا، لَصبرنا، ولَتحاملنا على أنفسنا، ولَتحمّلنا. ولَدعَونا الناس إلى الصبر والتحامل والتحمّل.

لكنْ، لا قعرَ لهذا الحفر السياسيّ العبثيّ في أرض الجحيم، في القعر، في الحلكة الجهنّميّة المضنية. ولا نهاية.

هذه الحلقة السياسيّة المفرغة، التي تفترس، منذ الاستقلال، بلادنا، آمالنا، أحلامنا، أجسامنا، قلوبنا، وأرواحنا، وتمتصّ عروقنا، وتهجّر أبناءنا، ستزداد دورانًا في الحلقة السياسيّة المفرغة.

إنّي أصف لبنان على الوجه الآتي، جاعلًا إيّاه يتقمّص شخصيّة أيوب.

فلو كان لأيّوب هذا، أنْ يكتب سِفْرًا جديدًا، لا لعذاباته الشخصيّة والعائليّة فحسب، بل لعذاباته الكيانيّة والوجوديّة، لكان ينبغي له أنْ يترك تاريخه، وسِفْره، لينضمّ إلينا في ربوع لبناننا، فيعيش في كنفنا، هنا، والآن، تحت “سماء” السلطة اللبنانيّة الغاشمة، ويكتب ما لم يُكتَب من قبل.

إنّنا نموت موتًا عظيمًا، كبارنا والصغار، الرضّع والعجّز، الفتيان والبالغين، الأحياء والموتى على السواء.

أكثر ما يؤجّج الفجيعة، أنّ السياسيّين، من رأس الهرم إلى أدناه، لا يرفّ لهم جفنٌ، ولا يرتجف لهم قلبٌ، ولا يُقَضّ لهم مضجع. همُّهُم الأوحد أنْ يقترعوا على ثياب لبنان، وأن يتقاسموا خيراته، وأنْ يدجّنوا روح التمرّد عند المتمرّدين، وأنْ يسحبوا العصب الثوريّ من نخاعاتهم الشوكيّة.

هؤلاء الذين يربضون على صدر لبنان واللبنانيّين، عميٌ صمٌّ بكمٌ، إلّا في ما يتعلّق بمصالحهم. يتقاتلون، ويتناهشون، فقط من أجل كرسيّ. ما يجري على مستوى تأليف هذه الحكومة بالذات، برهانٌ فاجعٌ على ما لا يتورّعون عن ارتكابه. وعن إعادة ارتكابه، الآن، وغدًا، وإلى الأبد.

إنّهم على أهبة أنْ يدمّروا لبنان من أقصاه إلى أقصاه، وأنْ يجوّعوا شعبه من حدودنا مع فلسطين المحتلّة إلى حدودنا عند النهر الكبير، ومن جبل الشيخ في حرمون إلى صنّين في جبل لبنان وصولًا إلى ذرى المكمل، نزولًا إلى فقش الموج الهادر. فقط من أجل كرسيّ. ومن أجل رئاسة.

لو كان ثمّة شرفٌ، لو كان ثمّة القليل من الشرف، لكان عليهم أنْ يستحوا. “اللي استحى (اختشى) مات”، يقول المثل. لكنهم لا يستحون، ولا يرعوون، على رغم هذا الموت الأبوكاليبتيّ العميم.

هل نرضح لهذا المصير؟

“فشر” أنْ نرضخ. هذا ما ينبغي أنْ يستخلصه الثوّار الأحرار، وأنْ يعملوا بعقلانيّةٍ غير مسبوقة، على بلورة خطّةٍ متكاملةٍ، واعيةٍ، وثوريّة، تؤمّن تعديل موازين القوى في المواجهة مع أهل السلطة والطبقة الحاكمة.

بيننا وبين هؤلاء “حرب”ٌ لا هوادة فيها. “حربٌ” طويلة الأمد، لن يكفيها سِفْرٌ واحدٌ، ولا سِفْران إثنان من أسفار أيّوب.

أوجاع أيوب لا توازي أوجاع لبنان، ولا هي تعزّيها.

أوجاع لبنان لعنةُ خنجرٍ مسموم في زلعوم الطبقة السياسيّة. وستختنق هذه الطبقة السياسيّة بلعنة هذا الخنجر المسموم.

كلّ هذا الموت… سنتغلّب عليه!

Akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد