الرئيسية / home slide / كلمة الأب بول الدويهي في مراسم تأبين الدكتور جبور الدويهي

كلمة الأب بول الدويهي في مراسم تأبين الدكتور جبور الدويهي

:بإسم الآب والإبن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

“نحنا هون للصّلا، منصلّي لمّا منحتاج جواب لأسئلتنا الكتيري، منصلّي لمّا بتضيق الدّني بوجّنا، منصلّي لمّا منكون بنفق او بفرح.منلجأ بالصلا لألله، للآب السّماوي اللّي أحبّنا وارسل إبنو الوحيد إلنا.منصلّي تنحصل ع بعض الإستقرار او تنتمتّع بشي من الطمأنينة أو تنفهم لَوْ شوَيّ أو تنستريح، مع شعور عميق بداخلنا إنّو ما في راحة الا بقلب الله.منصلّي لأن منعرف بالعمق وبدون ما دايمًا نعرف نعبِّر إنّو الله حنون ورحوم، قادر وقدير، بيدعينا إلو وبيفتح لكلّ واحد منّا ذراعيه الأبويَّتين، متل ما فتحُن للإبن الشاطر وضمّو لصدرو ضمّة الحبّ واللّقاء.”إجتمعنا اليوم بلقاء صلا، بلقاء الوداع للدكتور جبّور وهالكلمات مش كلماتي، هودي كلمات أبونا هكتور اللّي قالُن بهالكنيسة بـ12 تموز 2008، بالذكرى السنوية لغياب المرحوم أنطوان مرقص الدويهي، استنجدت فيه وأخدت هالجزء من الكلام اللّي قالوا ببداية صلاتنا.نحنا منعرف أحبّائي من خلال إيمانّا إنّو الله الآب فاتح ذراعيه لإبنو جبّور اللّي رجع لأحضانو للقاء المُحِبّ وللضمّة الأبديّة، وهو غامرو برحمتو وبمحبّتو.هيدا إيمانّا أحبّائي، إلهنا إله محبّة، الإنجيل اللّي سمعناه بيفرجينا إنّو بدّو يعطي خلاص، بدّو يعطي شفاء، هيدي إرادتو وهيدا هو الإله اللّي كشف عنّو يسوع النّاصري.عم إحكي هالكلمات بهالوداع، وشو بينحكا عن جبّور! اللّي أجمل رواياتو، حياتو، هالحياة المليانة حياة. قبل ما إحكي عنّو بدي إحكي عن آخر فكرة من كتاب “La mediocratie” “نظام التفاهة” للكاتب الكندي “ Alain Deneault”،هالكاتب بيحكي انو السُّلطة، مش بهالبلد، بالعالم، بإيد التّافهين اللّي صارت إمبراطوريّتُن مسيْطرة ع كل جوانب حياتنا. بحسب هالباحث، صرنا اليوم بعهد التّفاهة، نظام إجتماعي عم بيوصّل لإصابة العقل البشري بالعُقم من خلال نشر الميل الحاد للفتور الثقافي والسياسي، وبيحكي عن خمس شخصيّات بيلعبوا لعبة هالنّظام:أوّل شخصية هي اللّي بترفض هالنّظام وبتنسحب منّو وبتوقف موقف المتفرّج.التانية، شخصيّة التافه بطبيعتو اللّي بيصدّق كلّ اللّي بيخبّروه إياه من أكاذيب.التالتة، شخصيّة التافه المتعصّب اللّي همّو نَيْل رِضا السّلطة بأيّ طريقة. الرابعة، شخصيّة التافه غصب عنّو، المش مقتنع، بس لحسابات خاصّة عم يساير.الخامسة، شخصيّة الرّافض للنّظام إلى حين ينضمّ إلو ويصير جزء منّو.وبيسأل الكاتب شو منعمل قدّام هالواقع؟بيقول: أنا هالنّكرة المسكين اللّي بشبه شخصيّة “الشيء الصغير”، “Le Petit Chose” للروائي “Alphonse Daudet” شو قادر اعمل؟ وبيعطي هالتّوصيات:”إعمل بلا هوادة لخلق توليفSynthese من القضايا الوجيهة، إلتقِ مع آخرين في تجمّعات بخلاف تلك الطائفية والشلليّة، إسخر من الإيديولوجيّات، إختزل المصطلحات التي تُريد البروباغاندا كتابتها في جوهر ذواتنا وحوِّلها لمواضيع مجرّدة للتفكير.تجاوز أساليب السّيطرة التي تمارسها المنظّمات وحاول خلق بنًى تشبهُنا”.وبينهي: “كُن راديكاليًّا”. هيدا هو جبّور..هيدا هو جبّور اللّي كتبِتْ عنو تيراز رفيقة العمر، وهي أكتر مين بيعرفو. جبّور المستهزِء بالدّني، بأفراحا وأحزانا، اللّي بيخلُط المُضحك بالمُبكي وبيتهكّم فيا، بيتهكّم بغدر الحياة وبإستقواءها أوقات…جبّور اللّي سخّف أسلوبا وواجها حتى آخر لحظة بكبرياؤو، جبّور اللّي تجاهل المرض وما انكسر قدام ظلم الحياة.جبّور إبن بولس الشيخا الدويهي اللّي بيقول هو عنّو: “رحل بصمت بعد ما وصّلنا لبرّ الأمان” وإبن ماريا جبّور يمّين.بيت العِلم، بيت الفِكر، بيت الثقافة، بيت التواضع…من أهلو تعلّم يعشق الحرّيّة ويتحرّر من التبعيّة والإرتهان ويكون صادق، عادل ومحبّ للضّعيف.من الأهل تعلّم رفض العنف وتعلّم قيمة العمل من بَيّ كان كل عمرو عامل نشيط وأُمّ لآخر لحظة مليانة نخوة وحياة.العِلم ببيت بولس الشيخا ما كان للمال، هالعيلة ما قاربت العلم ولا مرّة بمنظار مالي ولا اهتمّت بالإختصاص من أجل المردود وكانت وصيّة الأهل: “تعلّموا اللّي بتحبّوه”، فكان العلم من أجل المعرفة، والكلّ تعلّموا وكانوا مميّزين، جبّور، أنطوان، سمير، جمال، ووردة البيت المرحومة تيراز اللّي غادرتنا من فترة.من البيت، من قلب البيت تعلّموا احترام آراء الغير والتعدّديّة، ما كانوا دايمًا يتفقوا بكل الملفات، بس تعلّموا يسمعوا بعضُن ويحترموا اختلاف بعضُن.من هالبيت تعلّم جبّور محبّة الطبيعة والتّراث والإلتزام بإصلاح المجتمع، تعلّم كمان القدرة على النّقد الذاتي، وقدّيش بتنقصنا القدرة إنّو ننتقد ذاتنا ونعترف بأخطاءنا وأغلاطنا وقدّيش حاجتنا كبيرة اليوم تكون عنّا هالجرأة اللّي تمتّع فيا جبّور.من هالبيت لبيت شريكة حياتو تيراز، غنّوجتو لآخر لحظة وأهمّ سند إلو، وكلّنا منعرف كيف كانت تيراز هي القوّة اللّي حدّ جبّور، بصخب حياتو، بكلّ حياتو كانت هي الداعمة والمشجّعة وكانت هي اللّي بتحمل كتير اوقات، وكانت دايمًا حاضرة، ومع بعضُن كانوا سهرانين ع الولاد، بولس، ماريا وبشرى اللّي كانوا فرحتو وعيالُن فرحتو وأغلى شي ع قلبو، ومتل ما تربّى ربّاهُن، واللّي اخدو من بيّو وأمّو هو وتيراز عطيوهُن لهالعيلة.بعد البيت الوالدي، بدنا نحكي بدائرة أوسع أثرت بجبور: زغرتا- إهدن.تجذّر جبّور بزغرتا وانزرعت فيه، كان بيقدر يكون ببيروت أو بباريس وكلّنا منعرف إنّو لمّا بيكون بباريس بيكون متل السّمكة بالميّ، مكان أكتر من طبيعي إلو، بس كانت زغرتا بالنّسبة إلو كل شي، بزغرتا –إهدن كانت الجذور مع إنفتاح ع طرابلس وكل الآخرين.بيحبّ زغرتا وإهدن… شوارعا، ساحاتا، المقاهي، الفنادق، المسارح وهو اللّي ساهم بإحياء النّشاط المسرحي. مُحِبّ لأجمل كنز عنّا بهالضيعة محمية إهدن اللّي هي فعلاً أساس سياحتنا، سياحة إهدن محميّتا وقدّيسينا، مش شي تاني.كان مُحبّ للمحميّة ومن المؤسّسين لمجموعة “أصدقاء حرش إهدن”، كانت هالمجموعة متطوّعين بمحبّة لهالكنز اللّي عنّا اياه، ما كانوا عم يفتشوا ع مركز او طمعًا بمال أو تمثيلاً لأيّ جهة سياسيّة، كان همُّن الخدمة ومحرّكُن الغيرة ع ضيعتُن.بزغرتا عاش إختبار إصلاح المجتمع مع حركة الشباب الزغرتاوي اللّي بيقول عنّا كمان أبونا هكتور: “حركة للإصلاح والخير لتوحيد الصّفوف، إعادة اللُّحمة، حركة للبناء والعمران، للتطلّع الى مستقبل أفضل.حركة بيهمّا الجوهر، أحبّت زغرتا- إهدن وأرادت تكون زغرتا المركز الحصن الصّامد متل الصّخر الواحد الموحّد لشعب واحد وعيلة وحدة”.وقديش نحنا بحاجة نتذكّر كلّنا سوا مع كل اختلافاتنا إنّا منّا إلا عيلة واحدة.من زغرتا انطلق جبّور، من أستاذ بالثانويّة لأستاذ بالجامعة اللّبنانيّة، فخر لكلّ اللّي تتلمذوا ع إيدو، وبحسب ما قالوا عنّو بالجامعة الانطونية: “جبّور إسم علم”.من زغرتا انطلق جبّور وأبدع وشعّ ع مستوى لبنان والعالم العربي والغربي. جبّور، من حيّ السيّدة للعالم كلّو… قامة أدبيّة، رواياتو منطلقا وجذورا محليّة مجبولة بأبعاد انسانيّة، روائي الحياة اللبنانيّة بأسلوب ذكي ونقد حاد. نالت رواياتو جوايز وتُرجمت للغات عديدة…السّفيرة الفرنسيّة “آن غريو” ما بتعرفوا شخصيًّا، بس من خلال كتبو مبارح كانت عم تنعيه وندماني إنّو ما قدرت تعرّفت عليه.غادرنا جبّور من يومين، بنفس النّهار مع رفيق الدّرب “فارس ساسين”، أقرب الأشخاص لقلبو.غادر جبّور ببيتو، بهالغرفة اللّي كانت هي “البيت”.غادر مغمور بالعاطفة والمحبّة والحنان منكُن كلكُن، ما حدا أكتر من التاني، منكُن كلكُن وتيراز أكيد بالدّرجة الأولى، الأولاد، الأحفاد، الأخوة، كل العيلة كانت مرافقتو لآخر لحظات حياتو، الأصحاب اللّي كانوا دايمًا يطلّوا.بهدوء غادرنا جبّور، هو اللّي كتب: “الموتُ بين الأهل نُعاس”.هيدا هو جبّور اللّي عم نودّعوا،جبّور المُبتسِم دائمًا، الهادي مع نتعاتو الزغرتاويّة.جبّور المتواضع صاحب الضّحكة الرّاقيّة الأنيقة.جبّور المزيج من الجدّية والنّكتة، من التّهذيب والوضوح بالموقف.فهل مات جبّور؟انا اللّي عم إحكي، أنا إبن الإله الكلمة المتجسّدة بقلكُن لأ أكيد ما مات، الكلمة ما بتموت، الكلمة بتبقى حيّة بذاكرة الأحبّا… اذا جبران مات، إذا مارون عبّود مات، إذا مخائيل نعيْمة وغيرُن ماتوا، بيكون جبّور مات.الإرث الثقافي الأدبي اللّي تركو جبّور رح يضلّ حيّ، ونحنا أبناء الإله الحيّ وأبناء القيامة.منطلُب من الربّ يغمرو برحمتو، منطلُب من الربّ يعزّي كلّ اللّي حبّوه وكلّ اللّي عرفوه.الله يرحمو ويعزّيكُن.المسيح قام.الخوري بول الدويهي.