الرئيسية / home slide / كلب واحد لكل ألف خروف

كلب واحد لكل ألف خروف

31-10-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

روني ألفا

روني ألفا

أرشيفية (نبيل إسماعيل).

غادرت الوفودُ الشعبيةُ دارةَ الرئيس #عون في الرابية بنجاح. شخرتْ بوسطاتُ النقل للمرة الأخيرة قبل أن تستريح. كل إلى بيته الصّغير لتناولِ طعامِ الغداء. عدا الأطباقِ التقليدية المخصصةِ للآحاد تَناوَلَ المشاركونَ في احتفاليةِ الأمسِ من بعبدا إلى الرابية مازةً مكونةً من صحنِ سيادةٍ معرّم، صحن كرامة مبحبح إضافةً إلى جاطِ استقلالٍ مشكّل. ارتوَت الوفودُ بالإنصاتِ لكلامِ الرئيس وعاهدته السيرَ على هديه وتتبعَ خطاه لسنواتٍ عديدةٍ مقبلة. بالطبع لا بأسَ في ذلك وبصدق. قليلٌ من الكرامةِ يحيي قلبَ الإنسان.

قال مخضرمٌ من المشاركين لحفيدته بأن الرئيس وقّع مرسوم قبول استقالة حكومة ميقاتي. إنجاز كبير ربما على مستوى المواجهة في بلدٍ مصابٍ بغرغرينا طائفية. يردُّ البعضُ أن الحكومةَ لم تقدّم استقالتها أصلًا فكيف تُقبَل لها استقالةٌ لم تقدِّمها؟ في المحصّلةِ البرتقاليُّ ما زال برتقاليًا. ربما أكثر من الشجرة نفسها. ميقاتي يصرّف الأعمال في هذه الأثناء على ما تم إبلاغه إلى المجلس النيابي. ماشيةٌ والربُّ راعيها.

كل ما جنيناه نحن شعبُ كنبايةِ التلفزيون هو الفراغُ فصباحُ الخيرِ سيدي الفراغ. أكتُبُ إليكَ في أوقاتِ الفراغِ بعد أن فرغَ كل ما كان ممتلئًا في بلدي. من البرّادِ إلى النمليَّةِ إلى مبنى العدليّةِ وإهراءاتِ القمحِ في المرفأ. من كثرةِ حضوركَ سيدي صرنا نهودسُ بك. قبل ان نفتحَ بابَ المصعدِ نحرصُ على ألا نخطو صوبَ الفراغ. حتى فراغةُ قنينةِ الكازوزا بتنا نستَفوِلُ منها.

منذ فترةٍ شهدتُ شخصيًا على فتاة صغيرةٍ تبكي في السوبرماركت لأنها لم تجد ما يكفي من رقاقاتِ البطاطسِ المقرمشَةِ في كيسِ التشيبس. في المعاملِ ينفخونَ الكيسَ بالهواءِ للغش. تحلمُ الفتاةُ بكيسٍ ممتلئٍ فيأتيها كيسٌ شبهُ فارغ. دولتنا منفوخةٌ بالهواء. تُقَدَّمُ لنا ممتلئةً وعودًا وخيرات. نشتريها بالإنتخابات فتبيعنا بعدها. كل ما يمتُّ بصلةٍ إلى الفراغ هو من صلبنا ومن جِبّنا. نستعوذ بالله منه لكننا نُقبِلُ عليه بشراهة.

في ظل الفراغِ يزورنا ابنُ عمِّه اليأس. أفتَحُ علبةَ الدواءِ صباحًا فأجده مدحوشًا بينَ حناجيرِ حبوبِ السكّري والكوليسترول والسَّيَلان وحماية المعدة من الحرقةِ والحمضة. أفتحُ رغيفَ الخبزِ فيطلعُ لي اليأسُ على شكلٍ عَجينِيٍ بين وجهِ الرغيف وقَفاه. استطعمُ به في كوبِ الماء وكيسِ الشاي وقالبِ الجبنة وطاسَةِ الصَّعتَر. اليأسُ صار حبيبَ قلبنا. نتفاءلُ به اذا أطالَ الإقامة. لم نعد نرتاح مع غيره جليسًا ولا نستأنسُ بغيره نديمًا. نحن شعبٌ يأسُه متفاءل. نأمل دومًا بالتأقلم مع يأسِنا.

هذه القدرة على عبادةِ الأشخاص مهولةٌ فينا. اذا حاولنا استئصالَ هذه العبادة عادت إلينا مثل سرطانٍ مقاومٍ للأشعة وعلاجِ الكيمياء. الله ولبنان والزعيم وبس. هناك مساحةٌ ممحيةٌ بالكامل من وعينا وهي ان الزعيم سيموت. نمنّي النفسَ بتحضيرِ حلفانِ يمينٍ لأحد أقاربه. إذا لم يكن له قريبٌ أو نسيبٌ نحلفُ بإسمِ قميصه أو ملابسه الداخلية. ننسى الله ونؤله الزعيم.

” ولا غلطة” هو العمود الذي نبني عليه التزامنا بالزعيم كديانةٍ وطقوسِ عبادة. الكمالُ له وليس الكمالُ لله. بعدها يسهلُ جمعُنا في قطعان. كلبٌ واحِدٌ لكلِّ ألفِ خروفٍ وننتظمُ كقطيع. أكيد لا دولةً في ظل هذه الديانة. إما الدولةُ والقضاءُ على طقوسِ الديانة وإما الديانةُ والقضاءُ على الدولة. نحن رُكَّعٌ بسوادنا الأعظم وسوادِنا الأقل عَظَمَة. من لا يجاهر بأن ركبَتَيهِ حَفَّتا على عتبةِ قصرِ الزعيم يعالجهما بالكريمات المناسبة من على كنبةِ التلفزيون.