كفى تمويه وتحوير


مروان اسكندر

النهار

24 آذار 2017

تصريحات وزير المال ورئيس الوزراء في تبرير بنود من السلة الضريبية بالحاجة الى تمويل سلسلة الرتب والرواتب بعيدة عن الاقناع وغير مجدية والضرائب التي يدافعان عنها باصرار، سواء رسوم الطوابع، أو رسوم السفر، وإن كانت سترفع من أعلى مستوى عالمي الى مستوى باهظ وإن خصصت بمسافري الدرجة الاولى، تعرقل أسفار رجال الاعمال وتؤخر حماسة ممثلي الشركات الاجنبية ممن قد يرغبون في العمل انطلاقًا من لبنان. وبالنسبة الى رسوم الطوابع، لو اعتمدت دوائر الدولة الدفع الالكتروني لوفرت تكاليف طباعة أوراق الطوابع.
لنبدأ من جوهر المشكلة القائمة. أي دولة تتجه نحو زيادات ضريبية ملحوظة، أو زيادات ضريبية تبدو معقولة لكنها تضر بالنشاط الاقتصادي، عليها ان تكون دولة منتظمة، أي ان يكون جهازها الاداري وأنظمتها القانونية حديثة ومبنية على قواعد ادارية تتماشى مع العصر الالكتروني الذي تعيشه المجتمعات الحديثة.
وعود كثيرة بالتحسينات الادارية وأين تنبع هذه، ولبنان يحكمه مجلس نواب يجدد لنفسه ولا يستطيع حتى تاريخه اقرار قانون انتخاب يؤدي الى تمثيل أفضل ولو على حساب بعض الكتل النيابية.
أين هو الاصلاح الاداري ايها السادة، وقد كان هناك مشروع اصلاح اداري حديث وضع عام 1998 وقدم مع مشروع موازنة عام 1999، لكن الرئيس لحود طلب شطب مشروع الاصلاح الإداري بحجة أنه يرغب في اصلاحات أوسع شمولية، وكانت النتيجة لا اصلاحات وضمور الدخل القومي عام 1999 وعام 2000، ومن ثم وضع الرئيس السنيورة مرة ثانية مشروعًا للاصلاح الاداري عام 2004 بالتعاون مع المرحوم باسل فليحان لإلحاقه بمشروع موازنة 2005 وواجه المشروع رفضاً.
حضرة النواب والوزراء الناظرين في ضرورة تمويل سلسلة الرتب والرواتب، عليكم ان تنظروا أولاً وقبل كل شيء في التأثير على معدل النمو الاقتصادي وتفتح فرص العمل وتحسين خدمات البنية التحتية، وخصوصاً بتوفير المياه والكهرباء وخفض نسب التلوث، وفي هذا الاطار تحتل مشاكل السير العالقة مركز الصدارة، كما أن لانبعاثات مصانع الاسمنت ومعامل انتاج الكهرباء مساهمة كبيرة في زيادة التلوث.
لن يكون الاصلاح الاداري بالوسائل المعتمدة وأول برهان على ذلك وضع الكهرباء. فالبنك الدولي انجز دراسات عن خطوات تطوير انتاج الكهرباء وتوزيعها، وتحسين شبكة التوزيع قبل نهاية عقد التسعينات، وشركة الكهرباء الفرنسية تعاقدت مع الحكومة اللبنانية لتوفير خدمات تطويرية وما نتج كان أقل القليل.
الوزير باسيل الذي تولى وزارة الطاقة وعهد فيها الى من يعتبرهم مقتدرين وملتزمين يعلم ان وصلة المنصورية تحسن توزيع الكهرباء على خطوط التوتر العالي بنسبة تزيد على 10 في المئة. والمنصورية في قلب المناطق المساندة لحزب “التيار الوطني الحر”، فاين هو باسيل في معالجة هذا الموضوع، وماذا فعل هو ومن قبله ويمثله في قطاع الطاقة والخسارة التقنية على الخطوط المهترئة توازي 17 في المئة والسرقات تتآكل 20 في المئة؟
لب المشكلة الموارد التي تتمثل بالخسارة الجارية في نشاط مصلحة كهرباء لبنان، التي كانت تعمل على أفضل مستوى حتى أواسط السبعينات ولم تشهد انتفاضة إلا ما بين 1994 و1998 عندما انجزت حكومة الرئيس الحريري اتفاقًا لانشاء محطتين يمكن ان تعملا على الغاز الاقل كلفة اذا توافر أو الديزل الاعلى كلفة.
رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابرهيم كنعان وضع كتبياً عنوانه “الابراء المستحيل” شاء ان يبرهن فيه منذ أربع سنوات وما يزيد على ان عجز الموازنة ناتج من هدر 11 مليار دولار في ظل حكومات الرئيسين الحريري والسنيورة، وقد اجبته في مقال بان العجز في الفترة التي تحدث عنها بلغ في قطاع الكهرباء اكثر من 16 مليار دولار عدا الفوائد، وان احتساب الفوائد عن السنوات من 1999 والى 2016 على المبالغ المسلفة (مبدئيًا سلفة لمصلحة كهرباء لبنان) يرفع العجز من هذا البند الى 25 مليار دولار أي ما يزيد على نسبة 30 في المئة من الدين العام.
الكهرباء هي المشكلة الكبرى والعجز عن معالجتها سواء في ظل حكومة الرئيس الحص اوائل عهد اميل لحود أو في ما بعد عندما كان هنالك تقييد لمشاريع الرئيس الحريري، وعهد في وزارة الطاقة الى ممثل اللواء جميل السيد أي موريس صحناوي ومن بعده الى ممثلي “التيار الوطني الحر” و”المردة” و”حزب الله” (علماً بأن فترة الوزير فنيش كانت جيدة). ومع تراكم عجز الكهرباء، لجأ الوزير باسيل ومن يمثلونه الى انجاز عقد البواخر التركية التي لا يغطي انتاجها حاجات الاستهلاك، وترك الامر لنشاطات اصحاب المولدات الخاصة الذين باتوا ينتجون الكهرباء ويسوقونها بأسعار توازي أربعة أضعاف رسوم مصلحة كهرباء لبنان التي هي متدنية.
ان هذا الواقع هو السبب الحقيقي لتراكم العجز، كما انه واقع مضر بالصحة، فالمولدات الخاصة أكثر تلويثًا للبيئة وأعلى كلفة للانتاج من المعامل الحديثة. ونحن نرى كيف ان كهرباء زحلة باتت تغطي حاجات المدينة وجوارها من مولدات خاصة تؤمن وفرًا بنسبة 30 في المئة من فاتورة المستهلكين لكهرباء لبنان والمولدات الخاصة الصغيرة. ان هذا الوفر هو دون ما كان في الامكان تحقيقه لو انجزنا معامل بطاقة 1500 ميغاوات خلال السنوات الخمس المنصرمة بكلفة 1,5 مليار دولار، اذ لكنا وفرنا على حساب العجز أكثر من 7-8 مليارات دولار، وكان الوفر مستمراً حتى تاريخه.
ان عجز الكهرباء، تنظيماً وانتاجاً وتعاقدياً، هو جوهر مشكلة العجز المستمر في حسابات الموازنة ولا شك في ان تأخير الاصلاحات الادارية أمر يسهم في تعميق العجز وتوسيعه.
والمثل الفاقع على العجز الاداري، أن الحكومة تتعهد اقرار اصلاحات ادارية سبقتها الى الإعلان عنها حكومات منذ أواسط التسعينات دون جدوى.
يذكر اللبنانيون جيداً ان كميات كبيرة من الهواتف الذكية – التي تسوق بما بين 500 و800 دولار للجهاز – صودرت مهربة في مطار بيروت، ولجأ صاحب الشركة المستوردة الى تهديد أفراد الضابطة الجمركية بمسلحين وانتهى في السجن فترة قصيرة، ومن ثم خرج وطويت القضية.
عام 2014 كان عدد الهواتف النقالة ثلاثة ملايين هاتف في لبنان وسجلات الجمارك عن استيراد الهواتف النقالة منذ الافساح في المجال لاستعمالها عام 1994 تظهر ان الهواتف المستوردة بشكل قانوني لا يتجاوز عددها الـ400 الف، أي أنه كان هناك 2,6 مليونا جهاز خليوي لم يُدفع عنها رسم جمركي. فان كان هذا مستوى التهريب، فماذا عن مستوى تهريب الالبسة الفاخرة والمجوهرات والمقتنيات الفنية الخ؟
نعم، مئات الملايين من الدولارات تهدر بانسياب البضائع الثمينة عبر الحدود والمرافئ والمطارات دون استيفاء رسوم جمركية عليها، وعندما تستطيع الحكومة كبح هذا السيل من الاستهتار بسلطتها يمكنها أن تتحدث عن اصلاح اداري.
ونعود الى اضرار بعض الضرائب والرسوم.
هنالك زيادات على رسوم اشتراكات الهاتف والانترنت، وخدمات الهاتف والانترنت من الاسوأ في المنطقة، وحضرة رئيس لجنة الاتصالات النيابية يقول إنهم قاربوا معرفة اسباب تردي خدمات الانترنت، ولا يعطينا حلاً لتحسين هذه الخدمات التي اصبحت حيوية لمناخ الاعمال وحاجات الناس.
وزير المال ينطق بنبرة بانه سيفرض زيادة الـ2 في المئة على الضرائب التي تتحصل من فوائد حسابات المودعين. ترى الا يعلم حضرة الوزير ان غالبية الدول العربية لا تفرض ضرائب على فوائد الودائع، وألا يعلم الوزير أن نسبة ملحوظة من الودائع المجمدة هي لمتقاعدين بذلوا جهودًا مضنية لتقاضي تعويضات نهاية الخدمة كي يعتاشوا منها؟ وحتى اصحاب الودائع الملحوظة لهم الحق في حيازة الفائدة دون ضرائب (لا الـ5 في المئة ولا الاضافة 2 في المئة)، والوزير باسيل حين يقول لا نريد الودائع الكبيرة، هل يدرك ان لبنان لو لم يحصل على 24 مليار دولار من التحويلات من حسابات اللبنانيين في الخارج بعد الازمة المالية العالمية عام 2009، لكان اليوم في وضع متأزم مالياً؟
اللبنانيون الناجحون على صعيد دولي عددهم ملحوظ بالنسبة الى عدد سكان لبنان وتأثيرهم على الاستثمار في البلد كبير، وخدمات المصارف اذا لم تتوافر على افضل المستويات، تتسبب بتراجع النشاط الاقتصادي. وليت وزير المال والوزير باسيل ينظران في ما حل بفنزويلا من ويلات بعد توجه الحكم الى التقييد على المصارف واصحاب الثروات. ان من أمضى العمر في الصحاري سواء في الخليج أو افريقيا يحق له التمتع بجنى العمر في لبنان.
جوهر المشكلة في لبنان قطاع الطاقة الذي يشكو من ارتفاع كلفة الانتاج وارتفاع نسبة الخسارة التقنية والسرقة للتيار وتوسع شبكة واعداد اصحاب المولدات الخاصة الذين يرتهنون اللبنانيين، المساكين منهم والاثرياء، لانهم في حاجة الى الكهرباء.
وقطاع الطاقة تشمل حدوده مرافق تكرير النفط التي هي منسية، وكانت عاملة في طرابلس والزهراني حتى اواخر السبعينات، وتشمل حدوده أيضاً السدود، وتوفير حاجات المياه، ولدينا دراسة موسعة من شركة Parson’s Main منذ عام 1993 تبين برنامجًا لبناء السدود وحفظ المياه وحتى تصديرها، وهنا ثروة لبنان الاهم من ثروة النفط والغاز التي بدأت ترتسم خطوات الاتجاه الى تنفيذها.
نقول للسياسيين: اذا شئتم تطور لبنان وارتفاع معدلات النمو لاستيعاب الشباب اللبناني المعطاء، عليكم معالجة شؤون الكهرباء، ولتقروا السلسلة مع تطبيق تدريجي على ثلاث سنوات.
انما انجزوا في السنتين المقبلتين توسيع انتاج الكهرباء ب1500 ميغاوات سواء من القطاع العام، أو الخاص، أو بالتشارك بينهما، واضبطوا خدمات الهاتف والانترنت، وعالجوا موضوع توافر المياه ونكون بألف خير.
ضعوا على الرف مشاريع الضرائب والرسوم وانكبوا على الاصلاح ووفروا البرهان على النية الحسنة باعتماد قانون انتخاب افضل تمثيلاً لتوجهات اللبنانيين… حينئذٍ تستحقون لقب النيابة والقيادة عن اللبنانيين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*