الرئيسية / home slide / كسرة خبز وحنان من لدن معاليه

كسرة خبز وحنان من لدن معاليه


سمير عطالله
23-09-2020 | 00:34 المصدر: النهار

دمار خلفه إنفجار مرفأ بيروت

A+A-“عندما يقرأ الإنسان العادي هنا، عن آلام وصراعات اولئك (…) الذين كانوا الى الأمس حلفاءه، يشعر بضرورة مساعدتهم، فيساهم في تبرعات الصليب الأحمر، ولا يتردد في بذل المزيد من المعونات للشعب (…). كم على المرء ان يتجول اكثر من ذلك، لكي يشاهد بأم عينيه احزان الشعب (…) وبطولاته: الشباب الذين يعملون 12 ساعة في اليوم، من دون بلوغ راحة أو كفاية. متوسطو الاعمار الذين لا يتذكرون لحظة امان أو سلام في حياتهم، ولا هم يتوقعونها في المستقبل، الأرامل وكسيحوا الحرب، البيوت المزدحمة والخزائن الفارغة والثياب الجرداء والمؤن الضئيلة. طبعاً لا بد من الشعور باللهفة على هذا الشعب العظيم. لكن الواقع انه لا سبيل لمساعدة الشعب (…) عندما يجد هذا الشعب أنه بين ايدي نظام بلا شفقة. نظام اوتوقراطي لا يردعه شيء. ويجد الآخرون ان لا قدرة لهم على مساعدته. فالمساعدات المقدمة له لا بد من تسليمها الى النظام، الذي سوف يستخدمها فوراً لتمكين قبضته. وفي الوقت نفسه فإن الضربات التي تسدّد الى النظام لا تساعد الشعب الذي يحكمه، لأنه سوف يحيل الجراح فوراً الى شعبه. واخيراً عندما تقع الكارثة بسبب سياسة الغرور والتنفير، يقفز النظام فوراً الى الجانب الآخر لكي يدعي التماهي مع الناس”.

كل ما هو نقاط بين مزدوجين في هذا النص، يمكن ان تملأه بكلمة “لبنان” أو “اللبنانيين”. هذا كلام كتبه جورج اف كنان، أهم مفكري اميركا السياسيين في القرن الماضي، وصاحب نظرية الاحتواء بدل المواجهة مع السوفيات. والنص اعلاه جزء من مفكرة جولة قام بها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفياتي وبلاد البلطيق وفنلندا، وغيرها من الديار التي غمرها الدمار والبؤس واليأس معاً.

يتوقف كنان يائساً امام المشهد المطبق: “كيف للأجنبي الحسن النية ان يساعد، إذا كانت الهوة عظيمة بين الشعب والنظام”؟ السفن تصل الى الأرصفة غير المفجرة في ميناء بيروت، والطائرات الى المطار، ورئيس فرنسا الى حفرة 4 آب، ولا احد يريد ان يلتقي النظام. لا احد يثق بأهله. لا احد يأتمنه على شيء: بضاعة أو وعد أو مستشفى طارىء في موقف للسيارات.

مهمة ايمانويل ماكرون كانت مجرد امتحان آخر: الجميع كانوا في استقباله، والجميع صاح عليهم الديك: سوف تنكرني ثلاث مرات. الديك المعاصر ينكر ثلاثين مرة في ثلاثين اتجاهاً. وعندما يجد ان الناس محرومة حتى من المساعدة بسببه، يقول لها أنه منها ومظلوم هو ايضاً. 

اتأمل مشاهد مار مخايل والمرفأ والجميزة وترعبني فكرة الشتاء القريب واوراق الشجر المتساقطة. ويرعبني وصف كنان للأيام الأولى من الشتاء في مدينة كازان: “إنها تمطر على السطوح وعلى النوافذ وعلى الأرصفة وعلى الشوارع وعلى الحقائب في محطة القطار وعلى الحدائق والأطفال والأمهات وشرطة الجنائن”.

جميعنا كنا نعرف، على نحو ما، ان ايمانويل ماكرون مغامر رومانسي، ملكي ولد في العصر الجمهوري. سوف يأتي ويذكرنا بجماليات لبنان ويغني لفيروز، ويعلمنا ان علينا ان نحزن لموتانا، ويتوسل اهل النظام زيارة المينا بكل مواكبهم. وجميعنا كنا نعرف ان لا مكان للنوايا الطيبة في هذا الشرق. ما ان يغادر الزائر حتى يُمحى كلام الليل والنهار.

مع ذلك، اتى. إنه لا يأخذنا اطلاقاً على محمل الجد او الوعد. ولا يأخذ جدياً لغة اول القرن العشرين التي يستخدمها الفذلكيون اوائل هذا القرن البائس والرث والفارغ. لكنه اتى في اي حال، من اجل المسألة الإنسانية. من اجل موسكو، لا من اجل ستالين. سوف تمطر على السطوح والسقوف والأرصفة، ولا بد من تركيب الأبواب وترميم الجدران وذرف دمعة حرّى في بحيرة التماسيح.

بلد على القارعة مثل ايتام الأمم. مرة ينتظر وسيطاً دولياً ومرة انتخابات خارجية، ومرة نتائج حرب، ومرة معاهدة نووية. كلها عند سواه. كلها من اجل أن يشكل حكومة فيها معالٍ ومعاليات. بلد على القارعة ويرفض شروط المساعدة. يرفض تسديد ديونه ويرفض ان يُعتبر مفلساً. يريد ان تساعده فرنسا ولكن وفقاً لكبريائه الكاذبة وليس لشروط المصارف الدولية، بل على طريقة مصارف البرابرة، التي تلتهم ودائع الناس وامال ابنائهم ودموع امهاتهم. إنه العصر. وفيه، أي هذا العصر، يقوم فجأة من بين وزراء حكومة الـ 97% وزير الاقتصاد ليعلن فرحة القيامة: ربطة الخبز سوف تعود الى وزنها الكامل وتعاد اليها المائة غرام. ولكن لشهرين فقط.

يا معاليك، شو ذكّرك بهذا الشعب العظيم تمننه انت ايضاً؟ منّة الكهرباء، فهمنا. منن النفط والغاز، فهمنا. وزارة الطاقة والأربعون مستشاراً. فهمنا. أما معاليك، 100 غرام خبز لمدة شهرين، يلعن ابو القلة. وابو الدنيا وأم ما جرى.

وصلتني رسالة مطولة من قارىء كبير سوف اختصرها: لسنا نشك في نواياك عندما تقارن دوما بين سياسيي اليوم ورجال الأمس. لكن يغيب عنك انك بذلك توجه إهانة كبرى الى بعض من اورثنا هذا البلد وحاول الحفاظ على القيم الجمهورية فيه.

اعتذر. لكن ضاعت بنا المقاييس وضاقت بنا الأوهام. وقد ذهبنا نطلب حكومة جديدة بعد عصف المرفأ، بدل الاطمئنان الى حكومة تحقق 97% كل مائة يوم. تصور الحاصل بعد 300 يوم: مائة غرام خبزاُ، سواء خلونا أو ما خلونا. وقس على ذلك من خير وحصاد وبهجات ومرافىء وامونيوم ومحبة وسيادة وتواضع.

يصاب بالخيبات، اولئك الذين يتوهمون. الذين مثلنا فقدوا الشعور بالحلم واصبحوا ييأسون سلفاً، لا يعتبون ولا يعاتبون. ولذلك تصيبه قشعريرة فرحهم وتهزهم رعشة غامضة، عندما يأتيهم وزير بنبأ من لدنه، عن شهرين سمان يتبعهما شهران عجاف كما في احلام يوسف الحسن، الذي شقت من اجله صدور العذارى وشغفت به امرأة العزيز فرعون.

قبل مائة عام اعطانا الفرنسيون بلداً من10 آلاف كلم مربع، فيه جبال وانهر وبحار وسهول. وفيه خصوصاً بشر ومواهب. وفي الآونة نفسها ترك البريطانيون في سنغافورة دولة من 600 كلم مربع ومستنقعات وقيظ ورطوبة مالحة، لكن الله اضاف على ذلك رجلاً يدعى لي كوان يو. لا قوي ولا ضعيف. رجل للمستقبل. لم يكن عنده نفط، فأنشأ اكبر المصافي للآخرين. ولم يكن عند مساحة كافية، فانشأ اهم شركة طيران للعابرين. ولم يكن عنده مال، فأقام مصارف للآخرين. ومنع الثرثرة والجدل والكلام الفاضي. وفرض أعلى عقوبة في التاريخ على كل من يوسخ الأرضة بورقة أو علكة.

اول شيء حلم به لي كوان يو، الميناء. كان يقول غداً يرحل البريطانيون لكن لن يكون في وسعهم ان يأخذوا الميناء معهم. نحن سنحوّل الميناء الى اسطورة.

عندما رسم الفرنسيون حدود لبنان الكبير، كانوا يفكرون في شيء من مثل سنغافورة، ولكن مع لطافة المتوسط، وميناء فيه ايضاً شعر وفكر وآداب. فلما جاءوا يتفقدونه بعد مائة عام، وجدوا فيه بلداً عليلاً ورجالاً اقوياء. ووجدوا على جداره ورقة نعوة وزوال، بدل مباهج الاحتفال. ووجدوا مصارف مطبقة بانيابها على امانات الناس. ووجد ماكرون اناساً يحاصرونه: خذنا الى فرنسا.

اعط لبنان كل شيء واحرم لي كوان يو. وبدل ان يصبح الميناء دولة مذهلة اصبحت الفرحة ربطة خبز كاملة لمدة شهرين. “ماذا فعلت بالوردة/ ماذا فعلت بالذهب”؟ كتب انسي الحاج.

Twitter: @samir_n_atallah