الرئيسية / home slide / كريستيان غازي ينبعث في «سرسق»: فلسطين البوصلة

كريستيان غازي ينبعث في «سرسق»: فلسطين البوصلة

الكاتب والمناضل الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني في الوثائقي

راديكاليّة هي عناوين أفلام المخرج اللبناني كريستيان غازي (1934 – 2013) مثله تماماً. يواجهنا غازي بعناوينه، كأنه يحقّق معنا، يريد أن يعرف أفكارنا قبل أن يقدّم لنا أفكاره. من «الفدائيون» (1967) إلى «الحياة في المخيمات»، و«الوجه الآخر للاجئين»، و«مئة وجه ليوم واحد» (1971) و«نعش الذاكرة» (2001)… رسم غازي لنفسه طريقاً سينمائياً عرف من خلال التوفيق بين الالتزام السياسي بالتحرير والمقاومة الفلسطينية، وبين الرؤية الواقعية للأحداث السياسية خلال تاريخه السينمائي النضالي. وُلد عام 1934، نشأ في سوريا قبل أن يستقر في لبنان. الثوري اللينيني، الصحافي، الشاعر والموسيقي والمسرحي الذي استخدم السينما للتعبير عن ثورته الخاصة وثورات العالم… كريستيان غازي فدائي السينما اللبنانية، الذي تحوّلت أفلامه مانيفستو للسينما البديلة اللبنانية، لا يزال صلة وصل بين الأجيال. بين عامَي 1964 و1988، صنع 41 فيلماً وثائقياً تم تدميرها جميعاً، كما أُحرق أول 14 فيلماً له بناءً على طلب وزارة السياحة بسبب الرقابة، إذ اعتُبرت أفلامه تخريبية يومها. شهدت بقية أفلامه المصير نفسه عام 1988 عندما دخلت الميليشيات بيته وأحرقت نيغاتيف كلّ أفلامه لتتدفّأ بها، فانتكست ذاكرة أعماله وأصبحت نادرة وانتهى حلم تأريخ القضية. بمبادرة من «نادي لكل الناس»، يُقيم «متحف سرسق» عرضاً لفيلمه «لماذا المقاومة» (56 دقيقة) بعد غدٍ الأربعاء في «متحف سرسق». يأتي العرض في ذكرى النكبة، يسبقه شريط قصير (28 د) عن مسيرة غازي الإبداعية والشخصية (إنتاج «نادي لكل الناس» ــ 2011).

«لماذا المقاومة» غني بأرشيف من الصور والمشاهد التي صُوّرت في مخيمات اللاجئين


«لماذا المقاومة»
عام 1970، انطلق كريستيان غازي ونور الدين شتي للقاء عدد من الشخصيات السياسية العربية، خصوصاً تلك الفلسطينية المقيمة في لبنان. والنتيجة فيلم «لماذا المقاومة؟» (1971). هنا، نتعرّف إلى هوية وأفكار غازي كما هوية كلّ من قابلهم في الفيلم. إذ التقى غازي كلاً من غسان كنفاني، صادق جلال العظم، نبيل شعث وغيرهم من وجوه الثورة الفلسطينية. في ساعة واحدة، تطرّق المخرج والمناضلون إلى تاريخ الثورة الفلسطينية. كما رجعوا في التاريخ، إلى الإضرابات المتعدّدة والتظاهرات الشعبية التي حصلت في فلسطين منذ بداية الاحتلال العثماني، مروراً بالاستعمار البريطاني قبل أن يقوم الكيان الصهيوني باحتلالها عام 1948.
من خلال عنوان الفيلم، يسأل غازي عن المقاومة، عن تاريخها ونضالاتها وأهميتها، يحلّل أهداف النضال الفلسطيني. يؤكّد جميع من حاورهم على ضرورة وجود فلسطين محرّرة وديموقراطية، والدفاع عنها بالسلاح. «لماذا المقاومة» غني بأرشيف من الصور والمشاهد التي صُورت في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. رسم لنا غازي خريطة فلسطين وحدّد من خلالها كيف طُرد الفلسطينيون من ديارهم، أكان من خلال البرّ أو البحر. يحمل الفيلم تقاليد السينما المسلّحة (البديلة أو الثالثة) في لبنان، يبني من خلاله روح النضال الفلسطيني، ويسأل كيف أنه من خلال قراءة الماضي نعرف ما يحصل في الحاضر.



يحمل فيلم كريستيان غازي تقاليد السينما المسلّحة (البديلة أو الثالثة) في لبنان
نرى ونسمع كنفاني والعظم وشعث، يتحدثون الإنكليزية بوجوه ثابتة، بينما الكاميرا تتحول إلى حيطان مكاتبهم المملوءة بصور المناضلين والثوار العالميين. كلامهم دقيق، يعرفون تاريخهم وحاضرهم ويعرفون تماماً ما يريدون وكيفية تحقيق هذا. يشدّدون على أنّ قضية فلسطين ليست كما صوّرها العالم آنذاك على أنها قضية لاجئين، بل هي احتلال واجب التخلص منه من خلال الكفاح المسلح. يُعيد غازي والمناضلون من خلال الفيلم، اختراع طرق جديدة للتعامل مع النضالات والتاريخ والذاكرة. يستخدم غازي الشكل الهادئ الذي يخدم المضمون وينسجم معه على الرغم من الغضب والعنف الموجود في الحوارات والكلمات. «مع اقتراب هذا الفيلم من نهايته، في لحظة من تاريخ فلسطين حيث كل شيء يُشير إلى أن دينامية العلاقة بين العرب والقضية الفلسطينية تبدو أنها فقدت الاتجاه الصحيح… المقاومة الفلسطينية تخضع لعملية بحث عن نفسها، بحث عن اتجاه جديد مع التزامها بتحقيق العدالة لأنه فقط من خلال العدالة، يمكن تحقيق السلام» بهذه الكلمات المسموعة بينما نرى أسماء من شارك في الفيلم تظهر على الشاشة، يُنهي كريستيان غازي فيلمه. كان يرى المستقبل من خلال كلمات المناضلين. كل شيء في «لماذا المقاومة»، يجيب على هذا السؤال بينما يكشف غازي مهارات سينمائية ذات طابع مميز وظّفها في خدمة القضية الفلسطينية.