الرئيسية / home slide / كريات بلا طفولة… عن سوريا السبعينيات بعيون آخر البعثيين

كريات بلا طفولة… عن سوريا السبعينيات بعيون آخر البعثيين

صلاح جديد ـ حافظ الأسد ـ نور الدين الأتاسي


 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
11122021 

بعيد الستينيات من القرن المنصرم، كانت سوريا والمنطقة العربية عموما أمام شكل جديد من مذكرات الساسة، تمييزا لهم عن سياسيي فترة الاستقلال، الذين وإن كتبوا عن يومياتهم السياسية، إلا أنّ بعضهم خصص قسما كبيرا منها للحديث عن واقع المدن التي عرفوها وعاشوا فيها، وهذا ما نراه مثلا في مذكرات فخري البارودي، الذي تطرق لتفاصيل عديدة عن مدينة دمشق في النصف الأول من القرن العشرين، وعن الرحلات وثقافة البلدان التي زارها. ولذلك بدت لغته في هذه المذكرات أقرب للغة الإثنوغرافيين، ما يعكس طبيعة الحياة السياسية في تلك الفترة، واهتمامات وهموم نخبها وثقافتهم مقارنة بالنخب التي ستتولى الحكم في سوريا بعيد الستينيات، وبالأخص السياسيين البعثيين الذين سينكب جزء منهم لاحقاً على كتابة مذكراته، إذ سنلاحظ أن لغة هذه المذكرات والمخطط الزماني وحتى المكاني لها بدت مختلفة، كما ستغيب تفاصيل كثيرة عن المدن التي ولد وعاش فيها هؤلاء السياسيون.
فهذه المدن لا تظهر في المذكرات سوى بوصفها ساحات عرفت فترة طفولتهم التي تبدو قصيرة، أو كانت سببا في اندفاعهم لاحقا نحو الحركات الشعبية، كما نرى في مذكرات أكرم الحوراني، مقارنة بمذكرات البارودي. فالحوراني مثلا لا يأتي كثيراً على ذكر حماة الطفولة، إلا ليؤكد على سرديته للتاريخ السوري المحلي، التي تقول إنّ المدن السورية كانت محكومة من قبل بعض العائلات البورجوازية والإقطاعية التي حكمتها ولم تتح لباقي الشرائح المجتمعية العيش أو الحصول على حقوقها، ما أدى لاحقا إلى أن يندرج هؤلاء في الأحزاب الشمولية لتصحيح المسار وفق ما كانت تعتقده. ولذلك نرى أن الجانب الإثنوغرافي أو اليومي يغيب في مذكرات هؤلاء السياسيين، أو أنه لا يشكل مادة أساسية، وإنما يستخدم سردياتهم السياسية لاحقاً، بينما كان موضوع مدينة دمشق وأحوال الناس وثقافتهم جزءاً أساسيا من مذكرات البارودي. وقد يعود ذلك أيضا إلى أن البارودي حاول اتباع استراتيجيات خطابية أخرى مغايرة لاستراتيجيات الأحزاب السياسية لاحقا، وهي استراتيجية سيعود بعض الدمشقيين لتبنيها في تسعينيات القرن الماضي، فقد لاحظت الأنثروبولوجية الأمريكية كريستا سالامندرا في كتابها «دمشق القديمة الجديدة» أن قسماً كبيراً من أبناء العائلات الدمشقية، اتجه إلى كتابة سلسلة مذكراته حول الحياة الاجتماعية في دمشق، ولاسيما حول «دمشق القديمة» التي ستتحول إلى ثيمة رئيسية في مذكراتهم (نجاة قصاب حسن وغيره) وهو ما فسرته سالامندرا انطلاقاً من فكرة أن بعض النخب الدمشقية أخذت تشعر في تلك الفترة بأنها تحولت إلى أقلية داخل المدينة، ولذلك غالبا ما حاولت أن «توظف التراث لا كي تنسحب من الدولة الوطنية، بل كي تحقق مكاسب داخلها».
وربما نعثر على هذه الاستراتيجية الخطابية في أيام البارودي الأخيرة، إذ فضّل يومها، في الوقت الذي كان فيه الرفاق البعثيون والناصريون ينقلبون على بعضهم ويحرقون مكتبته جراء المعارك الدائرة حول منزله، الانكباب على كتابة بعض فصول التاريخ الثقافي لمدينة دمشق، كمحاولة منه للبقاء من خلال التراث الاجتماعي. وستتغير هذه الاستراتيجية الكتابية بعد عام 2011، إذ لم يعد الاهتمام بالتاريخ الاجتماعي للمدن السورية يأتي فقط من باب محاولة توظيف ذلك الماضي الاجتماعي في معارك الحياة العامة السورية، أو لمواجهة الخطاب الرسمي الحكومي، وإنما ستكون هناك أجندات أخرى للكتابة عن الطفولة والتاريخ اليومي للمدن السورية من باب الحفاظ على ما تبقى من ذاكرة هذه المدن في ظل الانهيار الذي باتت تعيشه المدن السورية في السنوات العشر الأخيرة.

آخر البعثيين

وعلى الرغم من ولادة استراتيجيات خطابية جديدة حول الماضي والذكريات بعيد التسعينيات في سوريا، وهي ذكريات وإن حاولت الادعاء بأنها تنقل «الحقيقة فقط» وفق تعبير أحد الكتاب السوريين، لكنها في المقابل ظلت تعكس خطابا حول الماضي وحول موقعنا اليوم من الحاضر وقواه، إلا أن ذلك لم يلغ أحياناً الأساليب الخطابية السابقة على صعيد كتابة ذاكرة سوريا (ذكريات حزبية). وهذا ما نراه مؤخراً من خلال مذكرات السياسي البعثي حبيب حداد، الذي شغل مناصب عديدة في فترة 1963 ـ 1970 قبل أن يغادر لاحقا البلاد على أثر انقلاب حافظ الأسد على رفاق الدرب. ففي هذه المذكرات، وعلى الرغم مما تعيشه سوريا على مستوى انهيار العوالم القديمة، وولادة خطاب آخر حول الذاكرة، نراه يلتزم بالأسلوب الكتابي التقليدي، أو ما عرف به سياسيو سوريا بعيد الستينيات على صعيد النظر للماضي، ورواية تفاصيله، ويبدو أن أسلوبه ناتج أيضا عن تأثره بمذكرات رفاقه السياسيين، ولذلك نراه في أكثر من مكان في دفتر ذكرياته يحيل إلى مذكرات أكرم الحوراني (الماضي الإقطاعي والصراعات الحزبية) وهاني الفكيكي (اقتتال البعثيين والشيوعيين) وغيرهما من الحزبيين.
يحدثنا حبيب منذ الصفحات الأولى عن لمحات صغيرة من حياة الطفولة، فقد ولد في قرية رخم التابعة لمحافظة درعا، وهي قرية عرِف ابناؤها بتحصيلهم الدراسي وبهجراتهم إلى الأمريكيتين، لاحقا سيكبر الطفل وينتقل للدراسة في مدينة درعا، ومن ثم سيحصل على منحة من الحكومة للدراسة في دمشق. لن ينقل لنا الطفل خلال هذه الفترة واقع المدن السورية وثقافة أهلها، فكل ما سيتذكره يتعلق بمعاناة الريف السوري، وهي معاناة ستكون سببا للالتحاق بصفوف أحزاب الجماهير لاحقاً، ولذلك لن يطول السرد في هذا الجانب (25 صفحة من أصل 345).

وبعد اندلاع أحداث 1963، التي قادها عدد من البعثيين والناصريين ضد الضباط الذي قادوا الانفصال في سوريا مع مصر، سيكلف هذا الطبيب البعثي بوظيفة «طبيب سيار» يقوم بزيارة بعض نواحي ريف دمشق (النشابية، الضمير) من أجل تطبيب الناس، وأيضا لتنظيم صفوف البعث في هذه المناطق.

وينقلنا مباشرة إلى عالم «الرجولة الحزبي» في فترة الستينيات بعد تخرجه من كلية الطب عام 1962، إذ سيقرر التدرب في مشفى المجتهد في دمشق، مع ذلك لن نجد في هذه الفترة أيضاً أي تفاصيل تتعلق بتاريخ هذه المشفى أو واقع الطب والمرضى الزائرين في المدينة، وإنما كل ما سيتذكره عن تلك الفترة زيارات بعض الرفاق البعثيين له، ومن بينهم الرائد البعثي المسرّح حافظ الأسد، الذي زاره برفقة بعض الأصدقاء الناصريين. وبعد اندلاع أحداث 1963، التي قادها عدد من البعثيين والناصريين ضد الضباط الذي قادوا الانفصال في سوريا مع مصر، سيكلف هذا الطبيب البعثي بوظيفة «طبيب سيار» يقوم بزيارة بعض نواحي ريف دمشق (النشابية، الضمير) من أجل تطبيب الناس، وأيضا لتنظيم صفوف البعث في هذه المناطق. وانطلاقا من هذه المهمة سيقترب أكثر من أجواء الصراعات الناصرية/البعثية، ولاحقا البعثية/البعثية بعيد عام 1966، ما سيتيح لنا الاقتراب أكثر من المشهد الخلافي اليومي بين القوى المتصارعة، وقد تعد هذه الفترة هي الأهم في ذاكرة الرجل مقارنة بما سيكتبه لاحقا بعد هروبه من سوريا عام 1970.
فخلال الفترة الممتدة من 1963-1970 سنتعرف على شكل آخر من الصراع، يخالف السردية التي تعززت عن تلك الفترة بعيد عام 2011، فوفقا للطبيب لم يكن هناك صراع طائفي في هذه الفترة، أو بالأحرى «مؤامرة علوية» يجري التحضير لها من قبل حافظ الأسد، وبعض رفاقه البعثيين (العلويين) بل يراه صراعا أيديولوجيا في الأساس، إذ يظهر صلاح جديد من خلال بعض التفاصيل التي يذكرها، نزيها، مشبعا بأفكار اليسار والتغيير والاتحاد مع الدول العربية، وذا حساسية عالية تجاه تشكل زعامات داخل الحزب، بينما سيظهر حافظ الأسد وزمرته في هذه الرواية بشكل أكثر فعالية بعد عام هزيمة 1967، كما سيبدو الأسد في هذه الفترة ميالاً أكثر لفكرة القطرية مقارنة بأفكار بعض الرفاق حول العمل مع الدول العربية الأخرى.

السياسي السوري البعثي حبيب حداد

وربما من التفاصيل اللافتة عن هذه الفترة أيضا هي تلك التي تتناول اللحظات الأخيرة التي سبقت انقلاب الأسد على رفاقه، في ما عرف بالحركة التصحيحية، إذ سنلاحظ من خلال ما يرويه لنا هذا الطبيب أن الأسد وزملاءه لم يكونوا بتلك القوة التي نتخيلها، وأن نجاحه في الانقلاب نجم بالأساس عن تراكم عدد من الأخطاء التي وقع بها الفريق البعثي الآخر (مجموعة صلاح جديد) ومنها طريقتهم الطفولية في إدارة الصراع، التي ظنوا أنها تنسجم مع «المركزية الديمقراطية» التي يؤمنون بها! وبالأخص بعد إقامة المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي 1970 الذي هدف إلى تغيير مواقع الرفاق البعثيين القياديين، سواء من كان منهم في السلطة، أو في قيادة الجيش، ليقوم على إثرها حافظ الأسد برفقة عدد من الضباط بالانقلاب، وتولي السلطة، وزج الآخرين في السجن. وهنا سيروي لنا حبيب حادثة تظهر هذا الجانب بشكل جلي، فبعد الانقلاب بأيام زاره نور الدين محيي الدينوف سفير الاتحاد السوفييتي ليخبره بأن ما فعله فريق (جديد) في المؤتمر القومي الاستثنائي شيء غير مفهوم ولا يصدق، ومثّل مفاجأة للاتحاد السوفييتي، التي بدت مستغربة من الإجراءات التي قاموا بها على صعيد محاولة تغيير أو إقالة وزير الدفاع (حافظ الأسد) من خلال دعوته إلى اجتماع اللجنة المركزية للنقاش معه أين أخطأ وأين أصاب؟ ومن ثم طرح ذلك على التصويت، وهنا سيذكر له السفير حادثة شبيهة جرت مع نيكيتا خروتشوف الأمين العام للحزب الشيوعي، ففي الوقت الذي كان فيه الرجل يقضي إجازة صحية في حمامات مدينة سوتشي في الجنوب، اجتمعت اللجنة المركزية بصورة سرية واتخذت قرارا بإعفائه من مهامه، وجرى بعدها الاتصال به وإخباره بأنه مدعو لحضور اجتماع طارئ واستثنائي للجنة المركزية، وبعد وصوله إلى مطار موسكو ونزوله من الطائرة نقل بسيارة خاصة تغطي نوافذها ستائر سوداء بحيث لا يرى من داخلها أي شيء ونقل مباشرة إلى مقر إقامته الجبرية في ضواحي موسكو، بعد أن أبلغ بقرار إعفائه من جميع مهامه، بينما فضلت مجموعة صلاح جديد أن يكون الحل بتوبيخ وعزل الأسد في مشهد حزبي، دون حتى أن تكترث بالتهديدات التي كان يطلقها المحيطون به خلال الاجتماع، من أمثال العقيد ناجي جميل الذي صرح بأنهم سيقومون بانقلاب و»نحكم البلد سنتين زمان واللي بدو يصير بعد ذلك يصير». وبالتالي نجد أن اللحظات الأخيرة في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر عام 1970 لم تكن محسومة بعد، كما قيل لاحقا، وأن مجموعة جديد لو فكرت بأسلوب آخر بعيدا عن طقوس التطهير الحزبية التي بقيت مولعة بها، ربما لكانت الأمور قد سارت في اتجاه آخر في تاريخ سوريا، وإن كان التاريخ لا يعترف في سجلاته بهذه الاحتمالات.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

حبيب حدادحزب البعث العربي الاشتراكيسوريامحمد تركي الربيعو