كربلاء جلال الدين الرومي

محمود الزيباوي|الأحد30/09/2018

Almodon.com

كربلاء
  • يجرّد جلال الدين الرومي الحدث من دلالاته التاريخية، ويجعل من الحسين شهيدا سعيدا

    يجرّد جلال الدين الرومي الحدث من دلالاته التاريخية، ويجعل من الحسين شهيدا سعيدا

كما في كل عام، احتفل ملايين الشيعة مؤخرا بذكرى استشهاد الإمام الحسين في واقعة “الطف” سنة ستين للهجرة على أرض كربلاء، وأثارت هذه الاحتفالات سيلا جديدا من الكتابات، وأعادت إلى الواجهة السؤال ذاته: متى بدأت هذه الاحتفالات تاريخيا، وما هي دلالاتها؟

كتبت سمر مدحت في صحيفة “الوفد” منذ عامين مقالا حول احتفالات كربلاء استهلّته بالقول: “مشهد دموي صارخ، يتخلله صياح وعويل ولطم للوجوه، يتبعه تقطيع في الأجساد بآلات حادة وأسلحة بيضاء، وضرب للرؤوس حتى تنزف مزيدًا من الدماء. هذا ليس مشهدا من فيلم خيالي ولكنها طقوس الشيعة التي تحييها في كل أنحاء العالم احتفالًا بيوم عاشوراء”.

تثير هذه المشاهد دهشة من لم يألفها في زمننا، تماما كما تثير استغراب كل من لم يعهدها في الماضي. في صيف 1932، سافرت “فرقة رمسيس” من القاهرة إلى بغداد لتقديم سلسلة من عروضها المسرحية، وعند عودتها، نشرت مجلة “الصباح” في مطلع شهر تموز/يوليو مقالة بعنوان: “بغداد وأهلها في رأي فرقة رمسيس مع أفكه حوادث الرحلة وأسعدها وأتعسها”. ويتضّح عند قراءة هذا التحقيق ان نجمات الفرقة شهدن ذكرى عاشوراء بعد أن لبسن العباءة العراقية التقليدية.

في ردّها على أسئلة “الصباح”، قالت النجمة سرينا إبراهيم ان أكثر ما أعجبها في بغداد “الكاظمية لأنها أثر تاريخي قيم وجليل”، أما ما لم يعجبها، فهم الشيعة “وهم يضربون أنفسهم بقسوة”. وأضافت: “أثاروا أعصابي، ولم أقو على البقاء طويلا لمشاهدتهم”. كذلك، رأت الممثلة فردوس حسن ان أغرب ما شاهدته في بغداد “أولئك الشيعة الذين يضربون أنفسهم حدادا على مقتل الحسين”. وأردفت قائلة: “ارتدينا العباءات التي تلبسها العراقيات لنتمكن من مشاهدة موكب الشيعة فكان منظرنا مضحكا، كلّما تصوّرته ضحكت كثيرا”. ومثل زميلتها، اعتبرت أمينة رزق ان أغرب ما شاهدته في العاصمة العراقية هو منظر “قوم يضربون أنفسهم دون وعي، لأنهم يدينون بمذهب الندامة والاستغفار عن مقتل سيدنا الحسين غيلة في كربلاء”. حدث ذلك في عام 1932، ويبدو ان هذا المشهد يتكرّر منذ قرون، ويثير الدهشة ذاتها، كما يشهد جلال الدين الرومي في القرن الثالث عشر، في قصة من قصص “المثنوي”.

تأتي هذه الرواية في الجزء السادس من “المثنوي”، ونصها كما ورد في ترجمة إبراهيم الدسوقي شتا: “في يوم عاشوراء، يكون كل أهل حلب على باب انطاكية حتى الليل. يتجمّع جمع عظيم من الرجال والنساء، ويقيم مأتم تلك الأسرة من آل البيت. ويصرخ الشيعة وينوحون باكين، في عاشوراء، ذكرى كربلاء. ويعدّدون ذلك الظلم والبلاء الذي لقيه آل البيت من الشمر ويزيد. وتمضي صياحاتهم وتهديداتهم بالويل والثبور، حتى تمتلئ بها الصحراء والوادي”.

تعود هذه الحكاية إلى القرن الثالث عشر كما أشرنا، و”توحي بان احتفالات الشيعة الباكية بعاشوراء تعود إلى ما قبل العصر الصفوي، وإن كان الصفويون قد بلوروها وأضافوا إليها كثيرا من المظاهر والشعائر”، كما يشير المترجم في تعليقه على النص. وفي هذه الاحتفالات، يعدّد الشيعة المظالم التي لحقت بآل البيت “من الشمر ويزيد”، والمقصود طبعا شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين، ويزيد بن معاوية.

يواصل مولانا الكلام، ويقول: “وصل شاعر غريب من الطريق يوم عاشوراء وسمع تلك الضجة. فترك المدينة بهدف البحث والتفتيش عن سر هذه الضجة. أخذ يمضي متسائلا بإمعان: ما هذا الحزن؟ وعلى من أُقيم هذا المأتم؟ أهو رئيس عظيم ذلك الذي مات؟ إن مثل هذا التجمّع لا يكون بالشيء الهين. حدثوني عن اسمه وعن ألقابه، فأنا غريب، وأنتم أهل البلد. ما اسمه؟ ما عمله؟ وما هي أوصافه؟ حتى أنظم مرثية في مناقبه. فقال له أحدهم: ماذا؟ هل أنت مجنون؟ إنك لست من الشيعة، بل عدو لآل البيت. ألا تعلم أن اليوم عاشوراء، وهو مأتم لروحٍ أكثر فضلا من رجال قرنٍ بأجمعهم، وبالنسبة للمؤمن متى يكون هذا الحزن هيّناً؟ أيكون عشق القرط بقدر عشق الأُذن؟ وبالنسبة للمؤمن فإنّ مأتم طاهر الروح ذاك أكثر شهرةً من مئة طوفان لنوح”. يقول الشيعي هنا: “أيكون عشق القرط بقدر عشق الأُذن؟”، والمعنى في شرح إبراهيم دسوقي شتا: “كما ان لمحمد وزنه وقيمته، فللحسين وشهداء كربلاء قيمتهم، فإذا كانت الأذن عزيزة يكون القرط عزيزا، أي كل ما يتعلق بالعزيز عزيزا، وهو مثل فارسي قديم”.

يأتي ردّ جلال الدين الرومي على لسان الشاعر الغريب: “نعم، لكن أين عهد يزيد؟ ومتى كان هذا الحزن؟ ولماذا وصل هنا متأخّراً؟ لقد رأت عيون العميان هذه الخسارة وسمعت بها آذان الصمّ، فهل كنتم نائمين حتّى الآن، بحيث تمزّقون ثيابكم حِداداً؟ إذن، فأقيموا العزاء على أنفسكم أيّها النائمون، ذلك أنّه موتٌ سيّءٌ هذا النوم الثقيل. إنّ روح سلطانٍ من السلاطين فرّت من السجن، فلماذا تُمزّق الثياب، ولماذا تُعضّ البنان؟ ولمّا كان سيّداً للدين يكون وقت سرور ذلك الوقت الّذي كسر فيه القيد، لقد أسرع نحو سرادق الإقبال وألقى بالنير والغلّ. إنّه يوم الملك والسرور والسلطان، لو كان علمك بهم مثقال ذرّة. وإن لم تكن عالماً فامضِ وابكِ على نفسك؛ ذلك أنّك مُنكِرٌ للانتقال والمحشر، ونُحْ على قلبك ودينك الخَربين، الّذي لا يرى إلّا هذا التراب القديم. وإن كان يرى، فلماذا لا يكون شجاعاً مؤازراً مضحّياً بالروح شبع العين؟ فأين في وجهك النضرة من خمر الدين؟ وإذا كنتَ قد رأيتَ البحر فأين الكفّ السخيّ؟ إنّ مَن رأى الجدول لا يبخل بالماء، خاصّةً ذلك الّذي رأى البحر والسحاب”.

ومعنى هذا النص في تعليق المترجم: “ان كانت روح هذا السلطان من سلاطين الدين قد فرّت من سجن الدنيا فلم التأسّف والبكاء؟ ولماذا التحسّر على أنه قد انطلق من قيود الدنيا إلى عالم لا قيود فيه؟ إن يوم تخلصوا من هذه الحياة الوضرة هو يوم العيد ويوم الحرية ولا ينبغي الاحتفال بالبكاء بل بالفرح والسرور، بل لتبك جهلك الذي جعلك تنوح هكذا. إنك تنوح لأنه غادر الدنيا، فأنت لا ترى سوى الدنيا، ولو رأيت الآخرة لضحّيت بهذه الدنيا ولصرت شجاعا مقداما، وإذا اتّصلت ببحر الغيب لصرت سخي الكف، فمن رأى الجدول لا يبخل بالماء”.كما هو معروف، واجه معاوية مشكلات خطيرة إثر مقتل علي بن أبي طالب، أكبرها مشكلة بيعة الحسن بن علي الذي أعلنه أهل العراق خليفة شرعيا نصا وتعيينا، وقد وجد الحاكم وسيلة لإبعاد الحسن إلى المدينة حيث تُوفّي وهو في الخامسة والأربعين من عمره مسموما، فأضحى في عداد شهداء الشيعة المكرّمين. بعد وفاة معاوية خرج الحسين بن علي على رأس جيش صغير العدد من الحجازيين والعراقيين يريد الكوفة، فلاقاه جيش من الأمويين قوامه أربعة آلاف رجل في كربلاء، على بعد خمسة وعشرين ميلا من شمال الكوفة. في هذه المعركة لقي الحسين حتفه بعد أن عرف العطش والجوع، وقُطع رأسه، وبُعث به إلى دمشق، إلا أن يزيد بن معاوية أمر برد الرأس إلى كربلاء ليُدفن هناك كما يليق بحفيد رسول الله. يجرّد جلال الدين الرومي الحدث من دلالاته التاريخية، ويجعل من الحسين شهيدا سعيدا حظي بجنة الخلد، تماما كما جرّد حدث مقتل حمزة بن عبد المطلب من دلالاته التاريخية في قصة أخرى وردت في الكتاب الثالث من “المثنوي”.

شارك حمزة في غزوة أحد وهو في خريف عمره، وكان يغزو مثخنا بالطعان دون درع. فذكّره أحدهم بالآية الكريمة: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” (البقرة 195)، وسأله: “لماذا تلقي بنفسك إلى التهلكة، وتخوض على هذا المنوال المعركة”. فردّ حمزة وقال: “ذلك الذي يكون الموت بالنسبة له تهلكة، يتمسّك بأمر لا تلقوا”. واستعاد الآية القائلة: “وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض” (عمران 133)، وأضاف: “أمّا الذي يكون الموت أمامه فتحا للباب، فإنما تأتيه آية سارعوا عند الخطاب”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*