الرئيسية / home slide / كراسي محمود درويش

كراسي محمود درويش

 صبحي حديدي 
https://www.alquds.co.uk/
01062020

في سنة 2016 كانت السيدة ليلى شهيد، الفلسطينية الألمع وسفيرة فلسطين السابقة في فرنسا والاتحاد الأوروبي، قد بذلت جهوداً استثنائية (جبّارة أيضاً، كما يتوجب القول) لإقناع رودي ديموت رئيس فدرالية والوني ــ بروكسيل، المناصر المثابر للقضية الفلسطينية، بإنشاء «كرسي محمود درويش» الجامعي والثقافي. كانت الأهداف تتجاوز تخليد الراحل وأعماله وحضوره في الوجدان العالمي، بعد الفلسطيني والعربي؛ وتتوخى شراكة أكاديمية وبحثية، تمّت بالفعل، مع أكاديمية الفنون الجميلة، وجامعة لوفان الكاثوليكية التي سبق أن منحت درويش الدكتوراه الفخرية. وفي هذا المستوى اقترح الكرسي إقامة ندوات وملتقيات حوارية، واستقبال الرسائل والأطروحات الجامعية والترجمات، وتوفير الموادّ المرجعية المختلفة التي تسهّل عمل الباحثين والطلاب؛ إلى جانب إطلاق «جائزة محمود درويش» الدولية، والتي تُمنح لرسائل الماجستير أو الدكتوراه.

لعلّ هذا التعبير، «حيوية الحياة الفلسطينية»، هو القاسم المشترك الأعظم بين شعر درويش وأبحاث دوماني؛ على اختلاف المحتوى بين جماليات القصيدة ومعطيات الدراسة

تلك، بالطبع، كانت سابقة أولى نوعية على نطاق المؤسسات الثقافية والأكاديمية الأوروبية، خاصة وأنها لا تكرّم شاعراً كبيراً احتلّ مكانة كونية ونقل القضية الفلسطينية إلى مصافّ إنسانية عالمية رفيعة، فحسب؛ بل تكسر، على أكثر من نحو، عقوداً طويلة من التجاهل المتعمد، والحصار المنهجي، وبعض التحريم والتجريم، خضعت له الدراسات الفلسطينة عموماً، وفي شتى المجالات. وقبل أيام قليلة وقع «الاختراق» الثاني، إذا جاز استخدام هذه المفردة، على صعيد أمريكا الشمالية؛ حين أعلنت جامعة براون، في ولاية رود آيلاند، إنشاء «كرسي محمود درويش»، وتسمية قسم الدراسات الفلسطينية في الجامعة باسم الشاعر الراحل. وكما هو معروف، تنتمي الجامعة إلى ذلك العِقد الأكاديمي الأمريكي المتميز الذي يحمل اسم Ivy League ويضمّ ثماني جامعات خاصة مرموقة: براون، كولومبيا، كورنيل، دارتموث، هارفارد، بنسلفينيا، برنستون، وييل. وفي تموز (يوليو) المقبل سوف يتسلّم الكرسي البروفيسور الفلسطيني الحيفاوي الأصل بشارة دوماني، رئيس قسم الدراسات الفلسطينية في الجامعة.
وقال بيان الجامعة إنّ الكرسي «سُمّي باسم محمود درويش، الشخصية البارزة والمحبوبة على نطاق الأدب الفلسطيني والعربي والقيم الإنسانية، والكرسي هو الأوّل من نوعه في جامعة بحثية رئيسية (…) وإطلاقه يدلّ على التزام براون الدائم بحقل الدراسات الفلسطينية الهامّ الحيوي». وأضاف البيان أنّه «عن طريق الجمع بين اسمَيْ محمود درويش وبشارة دوماني، يوطد التعيينُ حيوية الحياة الفلسطينية كمصدر اهتمام دافع في الشؤون الأكاديمية والثقافية والسياسية على مستوى عالمي». ولعلّ هذا التعبير، «حيوية الحياة الفلسطينية»، هو القاسم المشترك الأعظم بين شعر درويش وأبحاث دوماني؛ على اختلاف المحتوى بين جماليات القصيدة ومعطيات الدراسة، ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار مقادير التقاطع بين الشاعر والأكاديمي في كلّ ما يتصل بأبعاد فلسطين الحضارية والتاريخية والوجدانية والرمزية.
وفي موقع الجامعة يقول التعريف بسيرة دوماني إنه المدير المؤسس لدراسات الشرق الأوسط، وأبحاثه تركز على المجموعات والأماكن والفترات الزمنية التي تمّ تهميشها من جانب تيارات البحث الرئيسية السائدة حول الشرق الأوسط الحديث؛ مع تركيز على التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والقانوني في شرق المتوسط. وإذْ تعدّد السيرة الجامعات والمؤسسات العلمية الأمريكية والأوروبية الكثيرة التي درّس فيها دوماني، كما تشير إلى أنه قاد فريق عمل لوضع خطة ستراتيجية نحو إنشاء متحف فلسطيني، فإنها تغفل الإشارة إلى أنّ هذا الفريق اشتغل بالفعل في إطار جامعة بير زيت الفلسطينية، خلال الفترة بين 2008 ــ 2010. أبرز مؤلفات دوماني كتابه «إعادة اكتشاف فلسطين: التجار والفلاحون في جبل نابلس، 1700 ــ 1900»، الذي صدر بالإنكليزية سنة 1995 عن منشورات جامعة كالفورنيا؛ ونقله إلى العربية حسني زينة، وصدر عن منشورات مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، سنة 1998، تحت عنوان «إعادة اكتشاف فلسطين: أهالي جبل نابلس 1700 ــ 1900».
لكنّ كتابه المفضّل عندي، لأسباب ذاتية قبل تلك البحثية، هو «الحياة العائلية في المتوسط العثماني: تاريخ اجتماعي»، الذي صدر سنة 2017 عن منشورات جامعة كمبرج. هنا، في يقين شخصي، واحد من أعمق الأبحاث التي تربط بين فلسطين وبلاد الشام، عبر مقارنات اجتماعية/ اقتصادية في المقام الأوّل، ثمّ تاريخية وجغرافية تالياً، عبر مدينتَيْ نابلس الفلسطينية وطرابلس اللبنانية؛ اعتماداً، كعادة دوماني، على موادّ وثائقية غير مألوفة مثل المراسلات الخاصة والمعاملات وسجلات المحاكم الشرعية، مهمشة رغم منافعها البحثية الفائقة. ثمة، إلى هذا، استقصاءات مقارنة مع أماكن سورية مثل دمشق والغوطة وحلب، تكشف النقاب عن مشاهد اجتماعية/ اقتصادية زاخرة، قابعة مع ذلك في مهملات الأبحاث التقليدية؛ وعدد غير قليل منها ينطوي على طرافة خاصة، لا تفتقر البتة إلى العمق الرمزي (تعبير «مملكة الشنكليش» مثلاً، في التعقيب على توسّع طرابلس خلال العهد المملوكي من الكورة وعكار إلى حماة وحمص واللاذقية شرقاً).
مبهج ، استطراداً، أن يتولى دوماني أوّل كرسي باسم درويش في الولايات المتحدة، وفي هذه الجامعة العريقة تحديداً؛ مثلما كان مبهجاً أن يتولى البروفيسور رشيد الخالدي كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية الحديثة في جامعة كولومبيا. وفي انتظار أن تتزايد كراسي فلسطين، ثمة ما يستوجب استعادة رباعية درويش التي كُتبت قبل نصف قرن: «عالِمُ الآثار مشغول بتحليل الحجارة/ إنه يبحث عن عينيه في ردم الأساطير لكي يثبت أني/ عابر في الدرب لا عينان لي، لا حرف في سفر الحضارة/ وأنا أزرع أشجاري على مهلي وعن حبّي أغنّي».