الرئيسية / home slide / كثيرٌ من التديُّن، قليلٌ من الأخلاق … الله في قاموس كلماتنا

كثيرٌ من التديُّن، قليلٌ من الأخلاق … الله في قاموس كلماتنا

04-12-2020 | 00:00 المصدر: النهار

سمير قسطنطين

كثيرٌ من التديُّن، قليلٌ من الأخلاق … الله في قاموس كلماتنا

أنّى توجّهتَ في #لبنان ترى رموزاً دينيةً على الطرقات من مثل مجسّماتٍ تمثّل المسجد الأقصى أو تماثيل لقدّيسين. وأنّى تلفتّتَ إلى السيارات التي حولك، ترى فيها متدلّياً من المرآة التي في مقابل السائق، إما عيناً زرقاء أو مُصغّراً للمصحف أو صليباً. تذهبُ إلى عملك وتلتقي الناس. ليس صعباً عليك أن تلاحظ في رقابهم سلسالاً فيه أيقونة صغيرة أو عبارة “#الله” أو ما شابههما. وإذا لاحظتَ أسماء أولادنا، تُدرك أن بعضاً منّا سمّى أولاده محمد وزينب وعلي، والبعض الآخر سمّى أولاده ماريا وشربل ومارون.  ليس ذلك فحسب، بل إنّك عندما تستمع إلى الناس أو تتكلّم إليهم تلاحظ ذكر إسم الله عزّ وجلّ في عباراتٍ كثيرة. لا توجد لغة في الكون فيها ذكر للعزّة الإلهيّة كلغتنا العربية. الأمثلة على ذلك كثيرة من مثل: إذا الله راد، نشكر الله، انشالله، كتِّر خير الله،والحمدالله، مِتِل ما الله بيريد، اسمالله، الله معك، الله يحرسك، ما شاالله، على الله، الله يرحمو، الله ياخد بإيدك، الله يستر، يا الله، رزقالله ع هيديك الإيام، دخيلو الله، وغيرها من عشرات العبارات التي يرد فيها اسم الله.  

 ماذا يعني كلُّ ذلك؟ هذا يعني أننا شعبٌ غير حياديٍّ في الأمور الدينيّة. الدين في لبنان موجودٌ في أكلنا ولباسنا وأسمائنا وزينة سياراتنا وكلامنا وغيرها. هل يزعجني ذلك؟ طبعاً لا وألف لا. لكن كيف تفسِّرون لي تديُّننا من جهة وهذا الحقد العام الذي نعيشه وهذا الفساد الجماعي الذي يتفشّى في كل مكان من جهة أخرى؟  كيف تشرحون لي هذه الشّتائم التي لا تتوقّف على الطرقات وهذا الإزعاج المستمر الذي يأتينا من النّاس الذين نعمل معهم أو نسكن بقربهم؟ كيف يمكنكم أن تساعدوني على فهم العلاقة بين التديُّن المجتمعي الشامل والتعدّي على أملاك الدولة ورزق الناس؟ وكيف يمكنكم أن تشرحوا لي هذا القتل باسم الله يَمنةً ويَسرةً، أو ذاك الكلام العنيف الذي يصدر أحياناً عن رجال دين؟ كيف يكون الله حاضراً في مفرداتنا بلزوم وبغير لزوم إلى هذا الحد، وهو غائب غيابا شبه كامل عن سلوكيّاتنا الجماعيّة كأبناء هذا #الوطن؟  تتطلّعُ حولك إلى بلدان غير متديّنة إذا جاز التعبير، فترى الناس يحترمون بعضَهم البعض، ويهابون القانون، ولا يسرقون المال العام، ويمارسون أعمال الرحمة باستمرار. ما هي المشكلة إذاً؟ هل المشكلة في الدين؟ طبعاً لا. المشكلة هي أننا لسنا متديّنين حتى. نحن متعصّبون دينيّاً ونظنُّ أنّ التعصّب تديُّنٌ وتقوى، فنُعطي أبشع الصور عن الدين والتديُّن.  هل يجوز أن نرى في بلد مثل لبنان هذا الكمّ الهائل من التفلُّت والانفلات والفلتان؟ هل يجوز أن نصل إلى هذه الدرجة من كسر القوانين ولا حسيب ولا رقيب؟ لم يصل لبنان إلى هذا الدرك قبلا. ببساطةٍ كبيرة، في لبنان الكثير من التديُّن السطحي العبثي والقليل من الأخلاق. استعمالٌ كثيف لاسم الله على اللسان، وانتهاكٌ أكثر كثافة لعباده في حقوقهم وأمنهم وراحتهم ورزقهم. أوليس من الأفضل أن نستعمل إسمه أقل ونعيش أخلاقيّاته أكثر؟