الرئيسية / home slide / كتب سرديات القصة الطويلة في التراث العربي

كتب سرديات القصة الطويلة في التراث العربي

 مصطفى عطية جمعة 
القدس العربي
10072020

المقصود بكتب سرديات القصة الطويلة في التراث العربي، أنها الكتب القصصية ذات القصة أو الحكاية الواحدة المتصلة، التي تمتاز بوحدة، سواء على مستوى الموضوع، أو على مستوى الأحداث والشخصيات، وهي بذلك تقترب من بعض الأشكال القصصية التي نلمسها في عصرنا، والتي تجمع بين وحدة الشكل والمضمون، وتقوم على أحداث متتابعة، وشخوص تنمو وتتفاعل عبر هذه الأحداث، مثل الرواية، أو القصة الطويلة.
ولعل النموذج الأول لهذا الشكل الإبداعي في تراثنا، هو «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، وهي قصة طويلة ذات أحداث مترابطة، تعتمد على عرض المشكلات الأدبية والعقلية بطريقة قصصية، وموضوعها عالم الآخرة، والجنة والنار، حيث يطوف السارد في هذا العالم المتخيل، والمستوحى من أعماق ثقافته الإسلامية، ويقينها بالبعث والحساب والإثابة أو العقاب، ويتخيل السارد أن بعض الشعراء فازوا بالجنة، وآخرين عوقبوا بالنار، ومنهم شعراء من الجاهلية والإسلام، فالممثلون عنده شخوص وملائكة وشياطين.
وتُعد هذه الرسالة من أعظم كتب التراث العربي النثري، وأيضا من أجمل ما أبدع أبو العلاء المعري، وقد كتبها رداً على رسالة ابن القارح له. وجاء رد المعري بأن جعل ابن القارح بطلاً لرحلة خيالية أسطورية الأحداث، يحاور فيها الأدباء والشعراء واللغويين في الجنة. استهل المعري رسالته بمقدمة، أثنى فيها على رسالة ابن القارح وأثرها الحسن، فهي بمثابة كلمة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ثم استرسل بخياله الجامح إلى بلوغ ابن القارح للسموات العلا، بفضل كلماته الصالحة التي رفعته إلى الجنة فوصف هيئة ابن القارح في الجنات، مطعّما وصفه بآيات قرآنية وأبيات شعرية، شارحا بها نعيم الجنة ومتناصًا مع معجزة الإسراء والمعراج. كما شرح الأبيات الشعرية التي أوردها وعلق عليها لغوياً وعروضياً وأيضا بلاغياً.
أما ابن القارح فقد راح يتنقل في الجنة، محاورا عدداً من الشعراء من مشاهير الأدب العربي منهم من غفر الله لهم، وأدخلهم الجنة، لأنهم قالوا أشعار الحكمة، التي غفرت لهم أشعارا أخرى، ومن أبرز شعراء الجنة: زهير بن أبي سلمى والأعشى وعبيد بن الأبرص والنابغة الذبياني ولبيد بن أبي ربيعة وحسان بن ثابت والنابغة الجعدي. كما يطنب ابن القارح في قصة دخوله للجنة، مع رضوان خازن الجنة، ويواصل مسامراته الأدبية مع من يلتقي بهم من شعراء ثم يعود للجنة مجدداً ليلتقي عدداً من الشعراء يتحلقون حول مأدبة في الجنة، وينعمون بخيرات الجنة من طيور وحور عين ونعيم مقيم. ثم يمرّ وهو في طريقه إلى النار بمدائن العفاريت فيحاور شعراء الجن مثل، أبي هدرش ويلتقي حيوانات الجنة ويحوارها ويحاور الحطيئة.
كما يدنو من النار، ليلتقي بعدد من الشعراء ولا يتوانى في مسامرتهم وسؤالهم عن شعرهم وروايته ونقده ومنهم امرؤ القيس وعنترة بن شداد وبشار بن برد وعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد والمهلهل والمرقش الأكبر والمرقش الأصغر والشنفرى وتأبط شراً وغيرهم. ثم يعود من جديد للجنة ونعيمها.
وقد تأسست بنية «رسالة الغفران» على تتابع الأحداث وترابطها، وفق سارد واحد، وكأنها تقدم قصة متكاملة في موضوعها وعناصرها وشخوصها، ويجدر بالذكر أن أبا العلاء، دأب في رسائله على الاستشهاد بالقصص، خاصة القصص الحيواني، كما في «رسالة الهناء» حيث ساق قصة الفأر والأسد، وقصة طير من الطيور الجوارح، ويبدو تأثره فيهما بقصص الطير والحيوان على نحو ما نجد في كتاب «كليلة ودمنة»، ولكنه ساق القصتين في سياق الاستشهاد على ما يريد في رسالته.

إن هاتين الرسالتين القصصيتين تمثلان مرحلة متقدمة في بنية القص العربي القديم، لكونهما اعتمدتا على بنية قصصية ذات موضوع واحد، وفضاء مكاني واحد، وشخصيات حية تتفاعل في الفضاء النصي والزمني والمكاني.

وتتشابه مع «رسالة الغفران» كثيرًا «رسالةُ التوابع والزوابع» لابن شهيد الأندلسي، وهي النموذج الثاني الذي نسوقه في هذا المقال، وقد بدا تأثر ابن شهيد واضحًا بمعاصره في المشرق أبي العلاء المعري، إلا أنه اختلف عنه في جعله أحداث رسالته تعالج بعض المشكلات الأدبية والبيانية، وذلك من خلال أحداثها التي تدور في وادي الجن في الدنيا، متناقضًا مع أبي العلاء الذي جعلها في الآخرة، وجعل ابن شهيد شخوصه: جنًا وشجرًا وإنسًا، وابن شهيد ـ في هذا – ينطلق من موروث شعري في الجاهلية، يرى أن عملية الإبداع الشعري والإلهام إنما هي رؤى من الجن أو الشياطين، وهذا هو المفهوم الأولي لعملية الإبداع، أو بالأدق المسبب لعملية الإبداع والإلهام، فلم يستطع المتأخرون من الشعراء والناثرين في الإسلام أن يتخلصوا منه، فظل كامنًا، حتى خرج على هيئة قصة طويلة ـ في هذه الرسالة – مؤكدًا على ما ظنه الأولون في الجاهلية بأن الإلهام الإبداعي أساسه قوى غيبية من الجن والشياطين، وهي صاحبة الإبداع الحق والمؤثر في نفس المنشئ. وبناء هذه القصة خيالي، يسرد فيها ابن شهيد رحلة له في عالم الجن، تواصل فيها مع شياطين الشعراء، فناقشهم وناقشوه، وأنشدهم شعرا وأنشدوه، كما عرض لهم بعض آرائه في الأدب واللغة، وكثيرا من نماذج شعره ونثره، وأيضا نقد النقاد لشعره، ودفاعه عن فنه، لينال من ملهمي الشعراء والكتاب الأقدمين، شهادات بتفوقه وعلو شأنه في الأدب، بالإضافة لكل هذا، هناك كثير من الفكاهات ونثر الطرائف والدعابات. وقد جاء اختيار ابن شهيد لرسالته اسم التوابع والزوابع؛ لأنه جعل مسرحها عالم الجن، واتخذ كل أبطالها – فيما عداه- من الشياطين. فالتوابع هي جمع تابع أو تابعة، وهو الجن أو الجنية، حيث يكونان مع الإنسان يتبعانه أينما ذهب، أما الزوابع، فهي جمع زوبعة، وهو اسم شيطان أو رئيس الجن.
وقد وجه ابن شهيد رسالته إلى شخص كنّاه أبا بكر، وعرّف به في أول رسالته بما يشبه المقدمة، حيث ذكر ابن شهيد عن نفسه كيف تعلم ونبغ، وكيف تعجب رفيقه أبو بكر من عبقريته، وأقسم له أن تابعة تنجده، وزابعة تؤيده، أي أنه مؤيد من الجن؛ فما يأتي به من أدب ليس في قدرة بني الإنسان. ثم يقر ابن شهيد أبا بكر على تأويله لشعره، فبيّن أنه كان يرثي حبيبا له قد مات، فصعب عليه أثناء تأليف النص، وعجز عن إكمال ما هو في سبيله من قوافٍ شعرية، وإذا بجنّي اسمه زهير بن نمير يتماثل أمامه على هيئة فارس، ويلقي إليه بتتمة الشعر، رغبة في القربى منه، وسعيا لمصاحبته مثلما صاحبه التوابع من الشعراء. ثم ذكر هذا الجني أبياتا يستحضرها بإلقائه متى أراد، ثم قفز بعد ذلك فرسه داحل جدارا في الحائط وغاب. ويروي ابن شهيد عن أبي بكر أنه كان كلما ارتجّ عليه أمر صعب، أنشد الأبيات، فيأتي له صاحبه الجني زهير بن نمير، فيمدّ قريحته، ويُنطِق لسانه، حتى تواصلت الصحبة بينهما واستدامت.
إن هاتين الرسالتين القصصيتين تمثلان مرحلة متقدمة في بنية القص العربي القديم، لكونهما اعتمدتا على بنية قصصية ذات موضوع واحد، وفضاء مكاني واحد، وشخصيات حية تتفاعل في الفضاء النصي والزمني والمكاني. وقد استفادتا كثيرًا من الأشكال القصصية السابقة عليهما، على نحو ما يبدو في «رسالة التوابع والزوابع» من تخطيط قصصي منطقي في الحدث وفي تتابعه، بجانب تجاور الشعر والرسالة والمقامة وقصص الحيوان فيها، ضمن إطار قصصي واسع مترابط، وقد اعتمد هذا الإطار القصصي على ثلاثة عناصر أساسية تتحقق في النص بشكل واضح وهي: السرد والحوار والوصف. إنه شكل أكثر حرية واتساعًا لأنه يضم عددًا من الأصوات المتحققة من خلال تجاور هذه الأجناس المختلفة.
ولذا يمكن القول إن هاتين الرسالتين تمثلان جهدًا قصصيًا متقدمًا، لم يكن من الممكن أن يحدث بدون أرضية خصبة من التأليف القصصي والتلقي المرحب من القراء.
ومن الجدير بالذكر، أن مصطلح رسالة الذي نجده يسبق عنواني الكتابين السابقين يحمل دلالة فضفاضة، فالرسالة تعني الكلام الذي يُرسَلُ للغير، وهي تحتمل الإبلاغ الشفهي والكتابي، ويبدو أن مصطلحها – قديمًا – كان متسعًا لأشكال أدبية نثرية الطابع في الغالب، حيث يشمل الرسالة الديوانية، والرسالة الإخوانية، والرسالة العلمية الفكرية على نحو ما نجد في مؤلفات أبي العلاء المعري، وكذلك اشتمل على المؤلفات ذات الطابع القصصي، وهذا يشي بدلالة أن النقد القديم لم يفرق اصطلاحيًا بين الأشكال النثرية تفريقًا دقيقًا، أو أن النقاد القدامى لم يكن يعنيهم كثيرًا وضع حدود فاصلة في عناوين الكتب لتمييز الأشكال النثرية عن بعضها.

٭ كاتب من مصر