الرئيسية / أضواء على / كتاب ناديا الشيخ حول الهوية النسائية في الإسلام: الجنسنة ونساء المسلمين ونساء الآخر في الصراع

كتاب ناديا الشيخ حول الهوية النسائية في الإسلام: الجنسنة ونساء المسلمين ونساء الآخر في الصراع

04-05-2021 | 00:06 المصدر: النهار

جهاد الزين

كتاب ناديا الشيخ حول الهوية النسائية في الإسلام

هناك كتبٌ تبقى أهميتُها بذاتها حتى لو نجحت مترجمةً. وهناك كتبٌ تحتل ترجمتها أهمية خاصة إلى جانب كونها مهمةً بذاتها. وهناك كتب، لا شك أندر، لديها ثلاث أهميات معا “مستقلة” عن بعضها البعض معاً ومتوالدة من بعضها البعض أيضا: أهمية الكتاب في المجال البحثي، وأهمية تعريبه وأهمية مراجعة النص المعرّب. أستطيع أن أقول أن كتاب الدكتورة #ناديا ماريا الشيخ: “#النساء والإسلام والهوية العباسية” الصادر عن دار المشرق ضمن سلسلة: نصوص ودروس – أبحاث إسلامية – الطبعة الأولى 2020 هو من الصنف الثالث أي أنه كتابٌ بحثي مترجم إلى العربية ذو ثلاث أهميّات معا: البحث الصعب والجدي جدا والجريء والرصين والخَطِر، والترجمة المضنية التي لا يمكن أن تكون عادية لأنها تتعلق ببحث حول وفي أعماق التراث الديني الإسلامي وتمظهراته التاريخية الشخصية والسياسية والاجتماعية، ومراجعة وتحرير النص¶، وكلاهما المراجعة والتحرير، يفترض مسؤولية عالية في مراقبة الترجمة التي هي ذاتها مع عملٍ مُضْنٍ باللغة الإنكليزية يستند إلى أبحاث في التراث الإسلامي ثم ترجمة لبعض ما هو مترجم أصلا فعودة بالنص إلى أساسه العربي. لذلك استغرق مني، وأنا لست بالباحث المتخصص في هذا المجال خصوصا أمام عمل بحثي على هذا المستوى، قراءةً دؤوبةً (بشغف وفائدة) لأتمكن من تلبية اهتمامي بالمعاني السياسية لمرحلة بل مراحل تشكّل صورة المرأة المسلمة، والمرأة المعادية للإسلام، في قلب قلب الصراعات الكبرى العنيفة لغةً وأحداثاً لتلك الحقبة. في جزء أساسي جدا من الكتاب ينكشف أمامنا معطى يبدو أن الدكتورة الشيخ مقتنعة به رغم كل حذرها المنهجي وهو أن العصر العباسي ولأسباب سنعود إليها هو الإطار الذي صنع صورة المرأة التي ورثناها عن زمن ولادة الإسلام وانتشاره من قريش إلى المدينة ثم إلى الجزيرة العربية. تريد الباحثة أن تقول من خلال بحث حساس أن النماذج المعيارية للمسلمات و”الجاهليات” الأُوْلَيَات التي استقرت في العصور اللاحقة هي النماذج التي صنعها العصر العباسي ومصالحه. النساء هن موضوع الكتاب لكن “بطلة” الكتاب و “الأنتي بطلة” فيه معا، أعني بذلك الشخصية المحورية في البحث، إلى جانب شخصيات نسائية في “صدر الإسلام” وخلال الوجود البيزنطي، هي هند بنت عُتبة زوجة أبي سفيان وأم الخليفة الأموي الأول معاوية. تقول الدكتورة الشيخ “أن صورة هند بنت عُتبة في النصوص الإسلامية، أي المنسوبة لحقبة ولادة إسلام، حالة تستدعي الدرس، ولكنها تحتاج إلى إعادة نظر ضمن سياق الجاهلية، فهي تمثِّل المرأة الجاهلية بامتياز، ويبدو أن أفعالها -كما تصورها النصوص العباسية-تشكل نموذجاً عن سلوك الجاهلية” وتتابع في الصفحة 31 ” “ولم ترمز هند إلى الجاهلية فحسب بل كانت لها وظيفة في الخطاب المعارض للأمويين فشكّلت……….. عاملاً أساسياً في حملة تشويه سمعة مؤسس الدولة الأموية”. تخصص ناديا الشيخ الفصل الأول بكامله لتحليل صورة هند بنت عُتبة التي “ازداد سخطها” على النبي والمسلمين الأوائل “بعد معركة بدر سنة ٢\٦٢٤ إذ أنها فقدت والدها عتبة بن ربيعة وعمها شيبة ابن ربيعة وأخاها الوليد بن عتبة وابنها حنظلة بن أبي سفيان” وتضيف “أعلنت هند بأن مصابها أشد نوازل العرب كلهم متحديةً في ذلك زعم الخنساء الشاعرة الحزينة بأنها أكثر المفجوعات بين العرب. وقد قصدت هند سوق عكاظ منغمسةً في حزنها وبحثت عن الخنساء وطعنت في زعمها فنظمت كلتاهما رثاءً لموتاهما”. إذن نحن أمام امرأة ستذهب إلى معركة أُحُد في صفوف القرشيين للانتقام من هزيمتهم أمام المسلمين في معركة بدر، وسينسب لها الطبري في تاريخه هذين البيتين المذهلين ( من حيث مكافأة المحاربين بممارسة الجنس) حتى بمعايير زمننا الراهن:إن تُقبلوا نعانقْ ونفرش النمارقْأو تُدبروا نفارقْ فراقَ غيرِ وامقْ بهذه الحماسة ستفرح هند بنت عتبة لمقتل حمزة عم الرسول في معركة أحُد وسيذكر ابن هشام في “السيرة النبوية” أن هند والنساء المرافقات لها سيشوِّهن “جثث القتلى المسلمين…فعلّقن آذانهن وأنوفهم المجدوعة في الخلاخيل والقلائد وفي النهاية بقرت هند كبد حمزة ولاكتها إلا أنها لفظتها لأنها لم تستطع أن تسيغها”. هكذا ستواصل المصادر العباسية شيطنة الجاهلية بصفات همجية” وصورة هند أحد محاورها الأساسية. لكن حسب الشيخ، فقد عهدت المصادر العباسية لهند بنت عُتبة فضلا عن صورتها في الجاهلية بدور مهم في الخطاب المعادي للأمويين وتلاحظ ناديا الشيخ في الهامش ٦١ “يعكس عداء المصادر للأمويين، وفقاً لبارتريشيا كرون، التحيز العباسي. غير أن إدانة الأمويين باعتبارهم مجرّد ملوك – لا خلفاء – ربما بدأ في العراق في منصف الفترة الأمويّة عندما صارت الحكومة الأموية مستبدةً بشكل علني وعندما ظهر الباحثون المعادون للحكم”. وتقول الشيخ في ملاحظة تشير إلى منعطف مهم في العصر العباسي أن صورة معاوية بن أبي سفيان أخذت تتسم لاحقاً بطابع إيجابي و”أن هذا التصوير الإيجابي للأمويين مرتبط بالتزايد السني المتأخر في أواخر القرن الثالث ه.\ التاسع م.” و”..وقد كان هذا- في جزء كبير منه- اعتراضاً على التيارات الشيعية”. ومن “الروايات الإيجابية” أن هند بنت عتبة وبمجرد أن أصبح ابنها واليَ الشام شاركت في معركة اليرموك ضد البيزنطيين. وتختم الشيخ هذا الفصل بملاحظة “أن الأفعال التي قامت بها هند ولّدت ترابطاً قوياً بين ما هو جاهلي وما هو أنثوي غير أن تحولها إلى صحابية أوجد مشكلةً في السردية…ونتيجة لذلك تم استيعاب هند، كما الجاهليون كلهم، في حضارة الفاتحين”.يقوم الفصل الثاني على فكرة أن الإسلام حاول جاهدا الحد من نياح النساء في المآتم، وهو الطقس الذي كان جاهليا أي وثنيا إلا أن خلاصة هذا الفصل تنتهي إلى معارضة النساء للأوامر النبوية التي تحض على ضبط النفس وعدم النياح. لكن مقتل الحسين جعل المذهب الشيعي يبدو “دين النياحة” رغم ملاحظة المؤلفة أن “كتب الفقه الشيعي تسجّل اعتراضا على النوح العنيف”¶¶. ولا بد هنا من ذكر ملاحظة هامة للباحثة في بدايات هذا الفصل من أنه” وعلى نحو مشابه، (لما طلبه الإسلام) لاقت طقوس النياحة قبولاً محدوداً لدى الكنيسة لأنها ترى أن انفصال الأحياء عن الأموات مؤقتٌ وأن المؤمنين سيجتمعون مجددا في الجنة، وبالتالي ينبغي لحزن المسيحي الحقيقي أن يكون منضبطاً ومعتدلاً” وتضيف الباحثة “وفقاً لأديب إشبيلي” أن “محاكم التفتيش في اضطهاد 1485 ألغت عويل مواكب الجنائز بسبب لطم الوثنيين واليهود”. أما الفصل الثالث في الكتاب فيقوم على خلاصة أن الصورة الفعلية لتجربة القرامطة في الحكم والسياسة والمجتمع بقيت غامضة لأن المصادر التي وصلتنا عنهم هي المصادر السنية (العباسية) بما فيها صور النساء القرمطيات والسلوك الجنسي ومنها تهمة تشجيع الجنس الجَماعي وممارسته في سياق ما ستسميه الباحثة “جنسنة الهرطقة”. تقول الباحثة في الفصل الرابع “ما وراء الحدود: الجنس والبيزنطيون” أن كتابات المسلمين الجدلية اتهمت المسيحيين بالانحراف عن المسيحية الحقيقية “فالقرآن نفسه يقول أنه تمّ التلاعب بالنصوص اليهودية والمسيحية. وبالتالي، شعر المسلمون في العصور الوسطى بفوقية دينية على المسيحيين” وإذ تنقل الباحثة روايات عن تصوير المصادر الإسلامية للمرأة البيزنطية “تفضح ميلاً شديداً نحو التعميم والتصوير النمطي” فإن وظيفة ذلك في “الطبيعة النزاعية للعلاقة بين بيزنطية والإسلام” هو تأكيد التفوق الأخلاقي للمسلم عبر تحطيم صورتي المرأة والذكر البيزنطيين مع أن الباحثة تلاحظ أنه لم يعتبر العرب المسلمون الأمبراطورية البيزنطية همجية أو غير متحضرة ودونيّاً”. وهنا يبدو لي رصد دونية البيزنطيين في نظر المسلمين ثم نفي هذه الدونية غامضاً بعض الشيء في عرض البحث. وستنتقل صورة الرجل المتساهل جنسياً إلى ما يرد عن الإفرنجة خلال الحروب الصليبية. ومن الروايات المعبِّرة والطريفة معاً ما ينقله الكِتاب عن أسامة بن منقذ حين ” يجد إفرنجيٌّ رجلاً مع إمرأته في الفراش فيتفاعل مع الموقف ببطء مخبراً الرجل أنه إذا وجده هناك ثانيةً فسيأخذه إلى المحكمة”. في الفصل الخامس تدخل الباحثة في تقديم النماذج الإيجابية الأساسية في النصوص الإسلامية للنساء الثلاث وهن السيدات خديجة وفاطمة وعائشة (ونساء النبي) اللواتي “إذا ما جُمعن” كنماذج للنساء المؤمنات “فإن المرء يلاحظ أن هذه الشخصيات النسائية الثلاث تعكس محاولة لإيجاد معنىً في عملية تكوين هُويّة إسلامية نسائية جديدة” نقيضة للنماذج النسائية الجاهلية. لكن الباحثة تقف وقفة خاصة عند كون السيدة مريم، وهي الشخصية المسيحية أساساً، باعتبارها “المرأة الوحيدة (بينهن) المذكورة باسمها في القرآن” “على الرغم من شهرة خديجة وعائشة وفاطمة في الأحاديث النبوية” و”كأنه أريد لها بهذا التحديد الفريد أن تجسّد جميع النساء فهي، أي مريم، “المرأة الأبرز في القرآن”. وتنقل الباحثة إحصاءً قام به عماد الهلالي في كتابه “معجم أعلام النساء في القرآن الكريم” فوجد “مئة وأربع عشرة امرأة مذكورات بشكل مباشر أو غير مباشر في القرآن. وإن بعض هؤلاء النسوة شخصيات توراتية تمثّل نماذج نماذج للفضيلة والإخلاص، بينما تختصر شخصيات أخرى – وهي توراتية أيضاً الشر في النساء، مثل امرأة نوح وامرأة لوط”. وهناك رواية تنقلها الباحثة وتقول أنها “تتكرر في مصنّفات الحديث وفي كتاب طبقات ابن سعد وتاريخ الطبري وكتاب “العقد الفريد” أجد لها أهمية إنسانية خاصة أن فاطمة “زارت أباها الذي كان يحتضر فأسرَّ إليها مرةً فبكت، فأسرّ إليها أخرى فضحكت… وبعد وفاة النبي سألت عائشة فاطمة عما جرى لها حين كان النبي على فراش موته فأجابت فاطمة أن النبي أسرّ إليها أنه يحتضر، فبكت حزناً، ثم أسرّ إليها أنها (ستكون) أول الناس لحاقاً به فضحكت لذلك”. في جملتها الأخيرة في “الخلاصة” تكتب الدكتورة الشيخ أن “تفكيك تكوين الهوية… يؤكد أن الرواية الداخلية لدين أو مجتمع جديدين أو قائمين تسعى لتعريف حدود كل من الانتماءات والهويات الأيديولوجية، وأنه يُعاد تعريفها وإصلاحها جزئياً من خلال إطار اجتماعي متغيِّر وروح ذلك العصر.”. في نهاية هذه القراءة، وليس التلخيص لأن الكتاب غنيٌ وقائعَ وأفكارًا منقولةً وملاحظاتٍ تجعله مستحيل الاختصار، يمكنني القول أننا أمام كتاب شجاع ومسؤول يقارب مواضيع حساسة جدا حول الهوية النسائية و”جنسنتها” وسياقها ووظيفتها السياسية والفكرية والاجتماعية في الإسلام استنادا أساسا إلى المصادر التي ظهرت في العهود العباسية. وفضلاً عن رصانة الكتاب البحثية من حيث أنه ما من فكرة، وليس فقط واقعة أو رواية، لم تستند فيه الكاتبة إلى مرجع، يخرج القارئ منه مُعجَباً، غير مجهود المؤلفة، بما يكشفه من عمق واتساع المصادر الغربية في بحث موضوعات التاريخ الإسلامي ومصادره. ومع أن المصادر العربية الحديثة موجودة لكن قوة هذا البحث أنه جزء لا يتجزأ من تقاليد أعلى مستويات الأبحاث الغربية في الإسلام. لا شك أن المترجم بذل مجهودا في إيراد بعض أبيات الشِّعر العربي بنصوصها الأصلية المستخدمة في النص الإنكليزي وفي هذا المجال لديّ اقتراح أرجو أن يكون مفيداً وهو أن تتضمن الطبعة العربية الثانية ملحقا للنص الكامل لقصيدة الشاعر “أبو تمام” والشهيرة ب “فتح عمّورية” مع شرح لغوي لها لأن الباحثة، واستنادا إلى أبحاث غربية، تعتبرها نصا أساسيًا في نمط تصوير المسلمين للهوية الجنسية للخصم البيزنطي المهزوم وتتبنّى رأي سوزان ستيتكيفيتش كونها “تعبيراً مجازيا عن التحكم العسكري والسياسي” فالمنتصر له “صفات رجولية” وبيزنطية المهزومة صفاتها عموما “أنثوية من الاستسلام والإغراء”. لم يَرِد أي بيت مكتمل من أبياتها في حين حصل ذلك مع أبيات لشعراء أو شاعرات آخرين. وتحفل هذه القصيدة، بعد مطلعها الذي ينقله الكتاب والشهير لدى العرب المعاصرين، (السيف أصدق أنباءً من الكتبِ…) تحفل بكلمات ومصطلحات لا تحتاج فقط لترجمة من لغة أجنبية إلى لغة عربية، بل أيضاً لِ”ترجمة” من العربية إلى العربية بالنسبة للأجيال الشابة! ولربما يجري تطوير اقتراحي هذا بإصدار جميع القصائد التي استند إليها البحث في كتاب خاص باللغة العربية يحمل طبعاً مقدمة تشرح سياقها في رصد الهوية النسائية كما تجلّت في النصوص الشعرية. وهذا يجعل الكتاب المنشود مادة نقد أدبي بالإضافة إلى كونه بحثاً سوسيولوجيّاً وأنتروبولوجيّاً وتأريخيّا. إذا كان علينا أن نتبنّى تحليل الدكتورة الشيخ الرصين حيال واحد من أهم عناصر صياغة الشخصية الإسلامية فإن الصورة التي وصلتنا، هي صورة ذكورية لوجوه السلوك النسائي حتى منها الأكثر ارتباطا بالصراعات السياسية، والنقطة الثانية المهمة التي يقوم عليها كل البحث هي أن المنتصر في العهد العباسي هو الذي يعيد صياغة صورة البدايات. غير أن الملاحظة التي أود أن أختم بها هي أن الكتاب فرصة ثمينة لتعريفنا بل زيادة تعريفنا بشخصيات نسائية غاية في القوة والذكاء وحمل القضايا الكبيرة.

¶ الدكتورة ناديا ماريا الشيخ المؤلفة هي أستاذة التاريخ الإسلامي وعميدة كلية الآداب والعلوم في الجامعة الأميركية في بيروت.هاني رمضان المعرِّب هو طالب دكتوراه في جامعة هارفرد، حائز شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها من الجامعة الأميركية في بيروتالدكتور بلال أورفلي المحرر والمراجع هو أستاذ كرسي الشيخ زايد للدراسات العربية والإسلامية وأستاذ الأدب العربي في الجامعة الأميركية في بيروت.¶¶ وهذا يجعلنا نسأل بالمناسبة، مناسبة ذكر مصادر الفقه الشيعي المعارضة للمبالغة في النياحة، ولو حتى بعيدا عن موضوع الكتاب نفسه، هل ساهمت التقاليد الإيرانية اللاحقة في جعل النياحة عنيفة الطقوس عند الشيعة كما نرى في العصور الحديثة من شبه القارة الهندية إلى العراق إلى لبنان ناهيك طبعاً بإيران أم أنها كنياحة عنيفة نسائية ورجالية وُلدت في سياق أكثر تنوعاً وليس تحت التأثير الفارسي وحده؟

j.elzein@hotmail.comTwitter: @ j_elzein