الرئيسية / home slide / كتاب ميلاد السبعلي «طروحات جديدة في الفكر القومي الاجتماعي»: خسائر تنافس أمريكا مع روسيا والصين في المشرق العربي

كتاب ميلاد السبعلي «طروحات جديدة في الفكر القومي الاجتماعي»: خسائر تنافس أمريكا مع روسيا والصين في المشرق العربي

منذ 10 ساعات

سمير ناصيف
القدس العربي
19122021

هل يمر المشرق العربي حالياً بمرحلة انتقالية شبيهة بتلك التي مر فيها في خمسينيات القرن الماضي عندما انتقلت الزعامة والسيطرة على المنطقة من الإمبراطورية البريطانية والدولة الفرنسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل ستنافس الصين وروسيا أمريكا على قيادة دول غربي آسيا العربية سياسياً واقتصادياً إلى درجة قد تفقد بنتيجتها واشنطن هيمنتها على القرار في هذه الرقعة الجغرافية من العالم؟

هذا سؤال يُطرح هذه الأيام نظراً للتقدم التكنولوجي والعسكري الصيني والروسي وتحسن علاقة هاتين الدولتين بشكل ملحوظ بدول كسوريا والعراق والأردن وفلسطين وإلى حد ما بلبنان وهي دول ما سُمي بالهلال الخصيب.
صدر مؤخراً كتاب لأحد أبرز مؤرخي حقبة صعود وهبوط «الحزب السوري القومي الاجتماعي» في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، الدكتور ميلاد السبعلي، يتضمن تفسيراً مسهباً ومعلومات موثقة عن الأسباب التي دفعت إلى تخلي حلفاء ذلك الحزب من قادة سوريا ولبنان ودول عربية أخرى عن زعيمه الراحل أنطون سعادة وتسليمه إلى السلطة اللبنانية ليتم إعدامه من دون محاكمة عادلة في 8 تموز (يوليو) عام 1949.

فيما كان سعادة يعتقد بانه يحظى بدعم رئيس الجمهورية السورية (آنذاك) حسني الزعيم، بينما كان الأخير قد بدل تحالفه مع زعيم الحزب القومي السوري سعادة وخدعه بعدما استمالته شركات النفط الأمريكية مادياً وهي التي كانت تتنافس مع شركات النفط البريطانية في السيطرة على خيرات المشرق العربية الاقتصادية إينما وُجدت.

عنوان الكتاب هو «طروحات جديدة في الفكر القومي الاجتماعي».

يقول المؤلف ان استهداف أنطون سعادة ودافع حسني الزعيم لتسليمه للسلطة اللبنانية لإعدامه عادا لأن سعادة كان آنذاك، سباقاً في التحذير من خطر الإستيلاء كان سباقاً في التحذير من خطر الإستيلاء الصهيوني على فلسطين وعلى جميع كيانات منطقة المشرق العربي، فيما تستر حكام تلك الكيانات بشعارات الواقعية والرغبة بتحرير فلسطين كلامياً ولكنهم فشلوا في تحقيق تلك الشعارات وهدروا مقدرات البلاد على بناء جيوش تحمي القادة والأنظمة، وتقمع الشعب (ص 60 و61).

الفلسفة القومية الاجتماعية، حسب ما طرحها أنطون سعادة وعرضها الكاتب، شكلت بديلاً للأنظمة الفاشية والنازية والاشتراكية والرأسمالية ذات النظرة المادية للحياة، وكانت تسعى لبناء تكتل اقتصادي إقليمي في الشرق العربي يتكامل مع التكتلات الإقليمية الأخرى، فيما أصبح الكثير من قادة العرب حالياً يعتبرون إسرائيل شريكاً إستراتيجياً في المنطقة يساهم في مواجهة إيران (ص81). ويدعو المؤلف شعوب المنطقة إلى العمل الجدي لتأسيس نواة «مجلس تعاون مشرقي عربي» يضم لبنان وسوريا والأردن والعراق وفلسطين في مرحلة أولى وتتعاون من خلاله دوَله في قطاعات الطاقة والنفط والمياه والاتصالات والنقل والبيئة والتجارة والصناعة والزراعة والتربية والتعليم، وفي مراحل لاحقة في العملة الموحدة والسياسة الخارجية، وطبعاً في الأمن والدفاع. أنطون سعادة كان حلمه، حسب الكاتب، إنشاء مثل هذا المجلس للتعاون المشرقي ومن ثمة ربطه بوادي النيل والخليج العربي، وليس بتأسيس مؤسسات شكلية غير فاعلة على صُعد عديدة، كالجامعة العربية.
وقد تأثر أنطون سعادة، حسب المؤلف، بكبار مفكري القرن الثامن عشر والتاسع عشر في العالم وأنشأ منهجه السوسيولوجي الداعي إلى التغيير السياسي والاجتماعي وليس إلى التنظير الفلسفي فقط. وبالتالي، اعتُبرت آراؤه ومواقفه خطيرة على سيطرة الاستعمار البريطاني والفرنسي على المنطقة الذي استخدم الانقسام الطائفي والأثني لاستمرار استغلاله لدول المنطقة وخيراتها. وكان سعادة العدو الأساسي لمعاهدة سايكس بيكو ووعد بلفور اللذين «قسّما سوريا الطبيعية وخلقا كيانات مصطنعة معزولة عن بعضها سياسياً واجتماعياً تحت ستار عروبة وهمية».

ويشير المؤلف إلى أن الحركة القومية السورية واجهت معارضة شرسة، ليس فقط من حسني الزعيم وحلفائه قادة لبنان في أواخر الأربعينيات، بل أيضاً من بعض القادة القوميين العرب الذين «ساهموا في تحقيق استفراد أمريكا بقيادة منطقة الشرق الأوسط والعالم وفرض التطبيع مع إسرائيل والارتماء في أحضان الغرب وتحويل الصراع، بدلاً من صراع ضد هيمنة إسرائيل، إلى صراع مع إيران والسعي على إنشاء الناتو العربي» (ص 281 و284).

ويؤكد الكاتب ان حاكم سوريا الانقلابي حسني الزعيم اتفق مع وزير خارجية إسرائيل موشيه شاريت (الذي التقاه سراً) على التظاهر بدعم أنطون سعادة عسكرياً وسياسياً لإطلاق ثورة في لبنان ضد النظام المتخاذل ضد الاستعمار، ولكن في الواقع كانت تلك مصيدة نُفذت بالتنسيق مع البريطانيين والفرنسيين والأمريكيين للقضاء عليه. وقد تم تنبيه سعادة من عدة شخصيات وجهات حول تلك الخدعة، وبينها السياسي السوري فارس الخوري والشاعر عمر أبو ريشة وزوجة سعادة وغيرهم، ولكن اندفاع سعادة أودى به إلى الوقوع في الفخ والانتهاء مغتالاً بالرصاص بعد محاكمة صورية لساعات قليلة من دون دفاع انتهى بعدها شهيداً ما زالت ذكراه في قلوب مناصريه حتى الساعة، حسب المؤلف.

المشروع الأمريكي في المنطقة كان منذ 1949 حسب الكاتب، مشروعاً ضد إنشاء سوريا الكبرى، وذلك حرصاً على مصالح أمريكا النفطية وعلى مصالح إسرائيل. وبالتالي: فإن واشنطن شجعت مشروعاً مصرياً ـ سعودياً ـ سورياً على حساب مشروع «مجلس التعاون المشرقي» الذي حلم به سعادة. كما شجعت التوجه القومي العربي على حساب التوجه القومي السوري الذي اعتبرته أكثر خطراً عليها لوضوح أهدافه، كما وردت في فكر ومواقف سعادة، فيما أدى إلى انتشار مشروع القومية العربية غير الواضح الأطراف والنهايات: (بنظر الكاتب) وإلى نشوء جامعة عربية غير فاعلة وإلى وحدة سياسية مصرية ـ سورية محدودة الأمد والأهداف.

ويفسر المؤلف إنقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم بمحاولة بريطانية فاشلة لاستعادة نفوذها بعدما وقّع حسني الزعيم على اتفاقات مع شركة «آرامكو» الأمريكية وخطوط النفط «تابلاين» الأمريكية على حساب «شركة النفط البريطانية ـ العراقية». ولكن نظام الحناوي لم يدم سوى لبضعة أشهر وحل مكانه الحاكم أديب الشيشكلي الذي أعاد البلد تدريجياً إلى النفوذ الأمريكي قبل الإطاحة به في عام 1954.

حاليا، تتنافس روسيا مع جهات أخرى على الموقع الرئيسي في مستقبل علاقة النظام السوري بالعالم وبالدول الكبرى. وقد كان الحزب السوري القومي قوياً في فترة ما في النظام الحالي ولكن تم تقليص نفوذه لاحقاً، حسب السبعلي.
يضيف الكاتب في فصل عنوانه «نقد القومية العربية» قائلاً: «اشتد صراع النفوذ على المنطقة في الخمسينيات، فكان الاتحاد السوفييتي يحاول تصدير الفكر الشيوعي ودعم الحركات اليسارية في العالم العربي، ولكن طروحات القومية العربية افتقرت إلى نظرة مستقلة للشأن الاقتصادي والاجتماعي مما دفع بمعظمها لاعتماد الاشتراكية كمذهب اقتصادي. وكان الغرب بشكل عام يتخوف من المد الشيوعي فيما كانت أمريكا تحاول فرض سيطرتها بعد الحرب العالمية الثانية ووراثة النفوذين الفرنسي والبريطاني في المنطقة، فنشأت منافسة بين النفوذ البريطاني المتمثل بالحكم الهاشمي في العراق والأردن مع حكم الرئيس كميل شمعون في لبنان، وبين النفوذ الأمريكي المتحالف مع مملكة إبن سعود في الخليج ولاحقاً مع مصر جمال عبد الناصر في بداية حكمه، على الرغم من محاولات ناصر اللاحقة لخلق توازن في علاقته بالأمريكيين والسوفييت. فقد دعم البريطانيون مشاريع الهاشميين الداعية إلى وحدة سوريا الطبيعية أو الهلال الخصيب ولو شكلياً، في وقت دعمَ فيه الأمريكيون مشروع الجامعة العربية (تحالف مصري ـ سعودي ـ سوري) من أيام حسني الزعيم وأديب الشيشكلي في سوريا والملك فاروق في مصر على أيام عبد الناصر والوحدة السورية ـ المصرية. وقد استمر هذا الطرح سائداً بعد هزيمة النفوذ البريطاني إثر إنقلاب تموز (يوليو) 1958 في العراق وسقوط شمعون في لبنان وتولي فؤاد شهاب رئاسة الجمهورية في بيروت. كتقاطع ناصري ـ أمريكي، فتسلمت أمريكا النفوذ في المنطقة (ص 265 ـ 266). وبعد عبد الناصر وتولي أنور السادات الحكم في مصر، خيضت حرب 1973 تواجد فيها ودعمها التحالف المصري ـ السوري ـ السعودي، ثم عادت مصر إلى الجامعة العربية إثر مقاطعتها لفترة بعد زيارة السادات إلى القدس وكامب ديفيد.

وكان هناك تقاطع سوري ـ سعودي برعاية أمريكية، لدى إفساح المجال لرئيس حكومة لبنان رفيق الحريري بقيادة عملية إعادة الأعمار في لبنان فيما راهنَ الأمريكيون على جر سوريا والمنطقة إلى سلام شامل مع إسرائيل (ص 266). وبعد التدخل الروسي والإيراني في حرب سوريا، أيقن الأمريكي بان مد نفوذه على كامل العالم العربي أصبح مستحيلاً فبدأ حصاراً اقتصادياً على دول «الهلال الخصيب» بانتظار يوم يستعيد فيه النفوذ على هذه الدول سابقاً الروسي والإيراني والتركي والصيني. وهذا الأمر أدى إلى تردي الوضع الاقتصادي في العراق وسوريا ولبنان.

وما زال هذا الوضع قائماً برغم كل الشعارات الفضفاضة المطروحة في المنطقة، حسب المؤلف، كالعروبة في وجه الفارسية، الخ. والحل الوحيد، (برأيه) هو وحدة «الهلال الخصيب» كما طرحها أنطون سعادة في مواجهة المشاريع الاستعمارية.

ميلاد السبعلي: «طروحات جديدة في الفكر القومي الاجتماعي»
دار سائر المشرق، جديدة المتن (لبنان) 2021
591 صفحة.

سمير ناصيف