كتاب عن كنفاني مبدعا… مرَّ كشهابٍ وعاش كشمس

ابراهيم نصر الله
القدس العربي
02052019

أثارت الأستاذة غادة السمّان في مقالها: (متى يصدر كتاب نقدي يرصد الشهيد كنفاني كمبدع؟) المنشور في «القدس العربي» مطلع هذا الأسبوع، قضية في غاية الأهمية حول أدب غسان والطريقة التي تمّ تناوله فيها.
أذكر أنني تحدثت ذات يوم عن قصص غسان مع واحد من النقاد العرب المنشغلين بروايات غسان، إلى درجة أنه لا يرى سواها من أعماله؛ واعترفَ لي أن غسان كقاص قامة إبداعية كبيرة، لا تقلّ طولاً عن قامته الروائية. وانتظرتُ طويلاً أن ينجز ناقد في حجمه عملاً نقدياً عن هذا التراث القصصي، إلا أن ذلك لم يحدث.
بالنسبة لي، كان غسان واحدًا من أعظم من كتب القصة القصيرة في العالم العربي والعالم، أضعه ضمن خمسة أو ستة كتّاب هم الأكثر قربًا إلى قلبي في هذا المجال.
ورغم أن غسان من أكثر الكتّاب الفلسطينيين والعرب الذين حظيت أعمالهم بالدراسة، والاحتفاء اللذان لا ينافسه فيهما أي كاتب؛ كما حظي بتجدد الاهتمام بأدبه بين الأجيال، إلا أن منجزه النوعي المتعدد، ظلّ، كما أشارت الأستاذة غادة، بعيداً عن الدراسات الكبرى التي تتناوله وتعيد قراءته، إلا في حالات قليلة. ولعل كتابات غسان بحاجة دائمًا إلى إعادة قراءتها نقديًا، لأنها كتابات تتجدد في كل حقبة، وتتسع معانيها، فكأنها قادمة من المستقبل أيضًا بلغتها ورؤاها وطزاجتها التي حافظت عليها رغم مرور عقود طويلة على إنجازها.
الدكتور محمد عبد القادر الذي أصدر كتابًا عنوانه: (غسان كنفاني: جذور العبقرية وتجلياتها الإبداعية)، بدأ كتابه بقراءة الإبداع القصصي لغسان قبل أن ينتقل لإبداعاته الأخرى، وهو لا يكتفي بهذا، بل يضع عنوانًا لهذا القسم، هو: القصة القصيرة: ذروة الإبداع الكنفاني! هذا كتاب نوعي ونادر، لأنه يتناول منجز غسان كلّه، الروايات المكتملة والتي لم تكتمل، المسرح، القصص، الدراسات النقدية، الرسائل واليوميات، والفن التشكيلي أيضًا، دون أن ينسى أن يخصص فصلاً عنوانه: غسان عاشقًا، بعد أن قرأ طفولته وشبابه الأول، وجذور عبقريته وصورته في أعين وضمير كثير من الكتّاب العرب.
تنبع ندرة الكتاب من كون الناقد، نفسه، واحدًا من النقاد المبدعين، فهو يتكئ على أرضية أكاديمية في تخصصه الأول: أدب مقارن، وتخصصه الثاني: التربية وعلم النفس، إضافة إلى حساسيته الأدبية العالية، فقد صدر له: فضاء التجاوز، جماليات الرمز والتخييل، القيادة التربوية العربية وتحديات التعليم في عصر العولمة، وإلى ذلك ترجماته، وبهذا أحاط جناحي كتابه الصادر عن الدار العربية للعلوم، بيروت، 2015، في 240 صفحة من الحجم الكبير، بتجربة كنفاني وشخصيته الإنسانية للمرة الأولى على هذا النحو. ولا يكتفي الدكتور عبد القادر بذلك، بل يذهب لمحاورة أبرز نقاد غسان كنفاني، وهو يقدم رؤاه بصورة شجاعة عميقة، كما فعل حين حاور أبرز من كتبوا عن رواية (رجال في الشمس) مقدِّمًا وجهة نظر جديدة، مغايرة؛ كذلك فعل مع من درسوا القصص. ويفرد دراسات في غاية الأهمية عن بعضها كنماذج بارزة يمكن في ضوئها قراءة قصص غسان الأخرى، مركِّزًا علي ثيمات: الخذلان، والاعتياد، وحضور الكائنات في النصوص القصصية، وقارئًا لأعمال مثل: موت سرير رقم 12، وقلعة العبيد، وجدران من الحديد، وكفر المنجم، والبومة في غرفة بعيدة، وأكتاف الآخرين، والقط، والصقر، وذراعه وكفه وأصابعه؛ ثم مركّزًا على ثيمات بارزة كالموت والكتابة على الكتابة، وجدلية التقويض والبناء، في الروايات، والقوة الذهنية ومتعة التجريد في المسرحيات، وأصالة الرِّيادة والإبداع في دراسات كنفاني النقدية.
يقول مؤلف الكتاب: (وإذ أعيد التساؤل اليوم: لماذا غسان كنفاني؟ فإنني أشعر أنه قد تشكّل في خاطري جواب عن هذا التساؤل المزمن، وهو باختصار شديد: «لأنه عبقري»، و«لأنه مختلف»، و«لأنه أصيل» و«لأنه رائد». لقد راجعت العديد من الدراسات التي كتِبت حول غسان كنفاني وإبداعه، وهي كلها موضع تقدير واحترام، واستخدمتُ في هذا الكتاب ما له صلة بموضوعه: العبقرية وتجلياتها في حياة غسان وإبداعاته. وقد جاء هذا الكتاب في بابين: الأول رمى إلى إضاءة الجانب الذاتي في شخصية غسان وقدراته الذهنية، وسماته الإنسانية وصورته في أذهان عدد ممن عرفوه أو تأثروا به. أما الباب الثاني فقد اهتم بإضاءة العبقرية الكنفانية في تجلياتها الإبداعية المتنوعة والمتعدّدة.
وبعد:
لا يطمح كتاب الدكتور عبد القادر لأن يكون القول الفصل في إبداعات غسان كنفاني ورؤاه، بقدر ما يطمح إلى فتح أبواب جديدة لتأمل الظاهرة الكنفانية التي مرت في حياتنا كشهاب وعاشت في قلوبنا كشمس.
كتاب يستند إلى أرضيةٍ من حب عميق، يعيد إلينا جوهر تلك العلاقة المفقودة بين النص الأدبي وناقده، ولعل هذا هو السبب الأساس في أنه ذهب نحو أعماق جديدة في تأمل الإنجاز النوعي الكبير للكاتب الشهيد/ الشهيد الكاتب؛ فأن تُحبَّ، فهذا يعني أن تنذر نفسك لعمل دؤوب لا ينتمي للفكرة البسيطة لكلمتَي: الجهد والعمل وحسب، بل ينتمي، أيضًا، إلى المفهوم الأصفى لنبالة الرسالة؛ وفي هذه النقطة بالذات يلتقي إنجاز الدكتور محمد عبد القادر ويتّحد بما كتبه غسان، معايشًا له، ومتأمّلاً، ومحاورًا، وعاشقًا أيضًا.
لم تكن الكتابة عن غسان كنفاني سهلة في أي يوم من الأيام، ولكن الأصعب هو أن يُطل الناقد على غسان من زاوية جديدة، مكتشفًا ومبرهنًا ومحاورًا لإبداعات لها حضورها الاستثنائي في المسار الروحي للإنسان الفلسطيني والعربي، وللإنسان في كل مكان وصلت إليه إبداعات كنفاني عبر ترجماتها إلى لغات العالم.
ولذا، يشكل هذا الكتاب ضرورة ثقافية معرفية، وضرورة جمالية لكتابة سلسة، عذبة، ستجعلنا نحبّ غسان أكثر، ونفهمه أكثر، ونفهم فلسطين التي عاشت فيه وكبرت به، كما عاش فيها وكبر بها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*