الرئيسية / أضواء على / كتاب “سيرة عسكرية وعبر وطنية” للعميد جان ناصيف يكشف أسرار اتفاق القاهرة 1969

كتاب “سيرة عسكرية وعبر وطنية” للعميد جان ناصيف يكشف أسرار اتفاق القاهرة 1969

24-05-2023 | 00:00 المصدر: “النهار”

سليمان بختي

كتاب "سيرة عسكرية وعبر وطنية" للعميد جان ناصيف يكشف أسرار اتفاق القاهرة 1969.

كتاب “سيرة عسكرية وعبر وطنية” للعميد جان ناصيف يكشف أسرار اتفاق القاهرة 1969.

رافق العميد #جان ناصيف (ابن بلدة دير القمر) العهود الرئاسية منذ عهد الرئيس #فؤاد شهاب حتى عهد الرئيس #إلياس الهراوي. وها هو هنا في كتابه “سيرة عسكرية وعبر وطنية” (الرئيس فؤاد شهاب – المكتب الثاني – اللجنة الأمنية الرباعية) الذي يقع في 425 صفحة يميط اللثام عن الكثير من الأسرار التي رافقت مسيرته وذلك بطبيعة عمله ضمن المكتب الثاني وتواصله المستمر مع القيادة السياسية، مظهراً علاقته بالرئيس شارل حلو (1913-2001) وقربه من الرئيس فؤاد شهاب (1902-1973). ويقول جان ناصيف إن أهم ما تعلمه من فؤاد شهاب في ليلة الانقلاب المثير الذي قام به الحزب السوري القومي الاجتماعي هو تجنّب إراقة الدماء بين اللبنانيين. ولكن القسم الأبرز في الكتاب هو الظروف والملابسات والوقائع المحيطة باتفاق القاهرة 1969. ويشرح العميد ناصيف كيف صعدت منظمة التحرير الفلسطينية مدعومة مادياً من دول الخليج نتيجة فشل الجيوش العربية النظامية وهزيمتها في حزيران 1967. ومع بروز منظمة التحرير على المسرح السياسي بات للفلسطينيين تنظيم عسكري له وجود في مصر وسوريا والأردن ولبنان. يروي العميد ناصيف كيف كانت الشعبة الثانية تضبط المخيّمات وتمنع وجود السلاح فيها وكان في كل مخيم نقطة مراقبة عسكرية لبنانية تردع أيّ سلوك مخالف للقانون. ويذكر جان ناصيف في كتابه (الذي يعود ريعه لأبناء شهداء الجيش) كيف بدأت السلطة اللبنانية وفعاليتها تتراجع في المخيمات. وكيف راحت تتوارد معلومات الى الشعبة الثانية عن خروج عناصر فلسطينية مسلحة من المخيمات باتجاه الجنوب وتطلق صواريخ الكاتيوشيا وتهرب. هذا الأمر أقلق الدولة اللبنانية التي سعت مع جامعة الدول العربية لمعالجة الأمر بقرارات تمنع إطلاق الصواريخ بدون إعلام السلطة العسكرية المحلية. وكان الالتزام يستمر لفترة ثم تعود الأمور إلى الوتيرة نفسها. هذه العمليات المتكررة دفعت الشعبة الثانية إلى مضاعفة المراقبة الأمنية حتى استطاعت القبض على مجموعة فلسطينية أطلقت الكاتيوشيا وحاولت الهرب. استطاع الملازم الأول فريد أبو مرعي القبض على هذه المجموعة والتحقيق معها وتبيّن وجود قائد فدائي مهم بينهم. واستطاع الملازم أبو مرعي التعرف إلى قائد هذه المجموعة الذي عرّف عن نفسه بأنه “الرقيب عبد الله” ولكن بعد التحقيق القاسي انهار “الرقيب عبد الله” وعرّف عن نفسه: “أنا ياسر عرفات”. نقل أبو مرعي الخبر إلى رئيس الشعبة الثانية المقدم غابي لحود الذي حضر وأمضى الساعات الطويلة يحادث عرفات الذي أصر على قدسية قضيته والسعي لاستعادة فلسطين. عام 1969 عاد التوتر الأمني بين الجيش والمقاومة وبرزت مبادرة من الجامعة العربية للمساعدة في لقاء الطرفين برعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وكان السؤال من يترأس الوفد اللبناني: الرئيس حلو كان مرتبكاً ورئيس الحكومة رشيد كرامي ابتعد عن رئاسة الوفد لإدراكه أن الأوراق اللبنانية ضعيفة، وأن الشارع السني يدعم العمل الفدائي الفلسطيني وكرامي لن يوقع على ما ينتقص من السيادة اللبنانية. بعد أخذ ورد تقرر تكليف نجيب صدقة الأمين العام لوزارة الخارجية بترؤس الوفد على أن يكون رئيس الأركان يوسف شميط ضمن الوفد لوجود قضايا أمنية في المحادثات. اعتذر شميط وطرح اسم قائد الجيش العماد إميل البستاني الذي وافق على ترؤس الوفد. ويربط جان ناصيف موافقته تلك بطموح البستاني للفوز بالانتخابات الرئاسية القريبة. ماذ حصل في القاهرة؟ تأخر الوفد الفلسطيني عن الحضور وراح الوفد اللبناني يعقد لقاءات مع أعضاء الوفد المصري الذي بدا متفهماً لطروحات الوفد اللبناني ومعاناته من التجاوزات الفلسطينية. وينقل الرائد سامي الخطيب عن العماد البستاني أن عرفات يؤجل قدومه حتى يحصل على أكبر دعم عربي له لفرض ما يريد في المفاوضات. وينقل أيضاً أن البستاني كان حريصاً على الاتصال بالرئيس حلو لإطلاعه على كل المستجدات. في 2 تشرين الثاني يحضر عرفات وفي 3 تشرين الثاني يتم التوقيع على الاتفاق فجأة، وعندما أطلع الخطيب المقدّم لحود على النص طلب منه إطلاع رئيس الجمهورية والحكومة على النص. كانت ردة فعل الرئيس كرامي بعد اطلاعه على النص غريبة إذ قال: “لا حول ولا قوة إلا بالله”. ثم طلب إطلاع “المعلم” أي الرئيس شهاب “لأنه عنده خبرة ونظرة شاملة بيشوف إشيا نحنا يمكن ما نشوفها”. أول تعليق من الرئيس شهاب كان “مش قليلي اتفقوا”. وأضاف “مش هين ابن جريس البستاني”. لاحظ الرئيس شهاب أن الوفد المصري يمثل الجامعة العربية أو الدفاع العربي المشترك وطلب الرئيس شهاب استبدال كلمة “الأمة العربية” بـ”الدول العربية”. وطلب أن يصدر ذلك في الإعلام اللبناني على الأقل. بعد إبلاغ كرامي بملاحظات الرئيس شهاب قال كرامي: “شفت كيف؟ قلتلك المعلم بينظر أبعد منا… أمرنا الى الله”. انتبهت جريدة “النهار” للفوارق بين البيانين في بيروت والقاهرة، ولكن حصل ما هو أشد وأدهى إذ نشرت “النهار” الاتفاق ببنوده السرية الكاملة بعدما ادّعى العميد ريمون إده أن أحد الوزراء نسيه على الطاولة في مجلس النواب. أربك توقيع الاتفاق الفرقاء السياسيين، وبرأي ناصيف مستنداً إلى رأي الرئيس شهاب، إن البند 13 هو البند الوحيد الذي يحمي السيادة اللبنانية وكل البنود التالية هي ضد المصلحة اللبنانية. ولكن هل يُعدّ الرئيس حلو عرّاب هذا الاتفاق؟ برأي ناصيف، إن الرئيس حلو لم يعترض وفضّل عدم المواجهة، وطبعه الشخصي كان له الدور الأكبر هنا. وضميره لم يكن مرتاحاً ولم يحسم أمره وظل طوال حياته يتنصّل من الاتفاق إعلامياً.

على هذا النحو يكتب جان ناصيف خبرته العسكرية والسياسية في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان السياسي والعسكري والامني ويسجّل بشفافية وأمانة الوقائع التي تجعلنا نعيد النظر والاعتبار بالكثير من المسلمات. يمكن القول إن اتفاق القاهرة كان أول مسمار في نعش الجمهورية اللبنانية لجهة تفضيل الكرسي والسلطة والمصلحة الشخصية على حساب الوطن وسيادته والمصلحة العامة. وبعد ذلك كرّت السبحة يا سادة كما تعلمون…

الكلمات الدالة

جان ناصيف فؤاد شهاب إلياس الهراوي