كتاب النبوغ

سمير عطاالله
النهار
17012018


يبدو “حكايات من ضيعتي”(1) مثل فانتازيا غنائية من “والت ديزني”. الحقيقة شفافة وجميلة الى درجة لا تصدق. وصعبة بحيث تفضل أن تتركها في عالم الاسطورة والغناء.

ولكن هذا هو التاريخ في طبيعته ووقائعه، يبالغ في نفسه ليصبح أقرب الى حكاية على مصطبة في الجبل، أو يتوحد ليصبح مثل عظة فوق التلال. يروي “حكايات من ضيعتي” قصة نشوء بلدة دير ميماس قبل اربعة قرون. يهرب خليل الراعي من جور اقطاعي في الجنوب، ومعه عائلته، الزوجة وأربع بنات وصبي. ومعه أيضاً ما امكن من قطيع الماعز الذي يملكه.

تصل العائلة الى هذه الربوة الخالية إلّا من الصمت، وتنصب خيمتها. وفي اليوم التالي، تبدأ حياتها، فيشرع خليل الراعي في بناء بيت حجري. ويكبر البيت في تلك العزلة، وتكبر البنات. ويمر من هناك فلاح في طريقه الى حوران، ثم لا يلبث أن يعود ليتزوج البنت البكر. ثم يمر راع آخر، تتزوج البنات الأربع، والشرط أن يبني كل عريس بيتاً لها. وتزدهر مزرعة خليل بتبادل المزروعات مع اهل الجوار. ثم يكتشف خليل ذات يوم مبنى تشع منه الخشية والتقوى فيدخله. إنه الدير الذي بنته الراهبات نذراً للقديس ماماس، الذي تصادق مع الأسد، وجعل منه حصاناً يفر عليه من مصارعي الامبراطور.

نسيت أن أقول إن جميع العرسان المؤسسين كانوا، مثل عمهم خليل الراعي، هاربين من جور ما. المهرجان الذي أقامته الجامعة اللبنانية الاميركية الاسبوع الماضي لجبران خليل جبران، فات خطباءه أن ما يجمع بين خليل جبران خليل الراعي هو الاضطهاد. اضطهاد يقيم هجرة داخلية مثل دير ميماس ومئات القرى والبلدات، أو يرسل اللبنانيين إلى الخارج “يبنون أنّا نشأ لبنانا”.

نشأنا نضحك من زجليات تفتيت الصخر ومداعبة “النجمات”لأننا لم نعرف ماذا يعني ان نكون أمام صخر وبعل وظلمة وعزلة ولا شيء. نحن غرباء، أما الرواد فكانوا يعرفون، وكانوا يتركون لـ”التروبادور” أن يرووا الملاحم الشفوية مع قليل من اللحن والنغم. ولا بأس بشيء من الفانتازيا.

لكن الذي صنع هذا البلد في نهاية المطاف، هو الاضطهاد الاجتماعي، والضيق الجغرافي. ديرميماس قبل أربعة قرون، وجبران خليل جبران قبل قرن. والقرن التاسع عشر، الذي خرج فيه من لبنان، لكي تتحول الشرنقة الى اسراب من الفراشات الملونة.

ولكن لا تخدرنك الألوان الساحرة. ففي كل رفة حرية. ابحث دائماً عن الاضطهاد لكي تعثر على آداب جبران ونعيمة والريحاني.

لقد وضع كل منهم “كتابه” وكأنه صاحب رسالة، وليس مجرد ملهم آخر: “النبي”، و “مرداد”، و”كتاب خالد”. والثلاثة رأوا انهم “أنبياء” من الشرق، ولو دون مذود، أو مجوس تقودهم نجمة. ولذا كتبوا بالانكليزية، الموطن الجديد، الواقع على المحيطات والقارات بعيداً من خراج بشري، وكرز الشخروب، والعليِّة في الفريكة.

ما أن أُعطوا الفضاء الفسيح حتى وقف كل منهم على “جبله” يلقي خطبة للملأ الاكبر. كل منهم استخدم لغة الأنجيل، وفي ظنه انه يتجاوزها. “خالد” و “المصطفى” و “مرداد” ثلاثة منبعها واحد: الاضطهاد الداخلي بين الجماعات.

لذلك، سوف ترى حامل هذه الرسالة النبيل، في الوطن ايضاً: “كتاب عبدالله” (2) لأنطون غطاس كرم، ببلاغة فاقت الثلاثة الأوائل، وبالجمالية العليا التي رافقت عطاءه النضِر، ليس في الحرف وحده، بل حتى في سكونه ايضاً.

“كُتُب” الأربعة، أولها النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وآخرها النصف الأخير من القرن العشرين، هاجسها واحد: السمو الى التسامح على خلفية وطن، أو خريطة وطنية، يضطهد فيها الفرد الجماعة، والجماعة الجماعة ، وينكّل الغريب بكليهما، ويطوعهما، أو يدجنهما، أو يعوّدهما ان التبعية هي الخلاص في الإخلاص.

في باريس، وباللغة الفرنسية، وفي النصف الأخير من القرن العشرين، يطل أمين معلوف أولاً بكتاب “الحروب الصليبية كما رآها العرب”. الكتاب الثاني كان “ليون الافريقي”، الاندلسي البربري التونسي حسن الوزان، الذي سوف يُعرف بين علماء الفاتيكان بالاسم اللاتيني يوهانس، ليو افريكانوس.

وسوف تكون كتب أمين معلوف الأخرى عن دراما الانسان: النبيل أو القاتل. “الهويات القاتلة”. “أساكل الشرق”. “القرن الأول بعد بياتريس”. الى آخره. في التأمل تجد خطاً واحداً: الكاتب المسيحي العربي مثقلاً بمسيحيته يريد الالتقاء مع الجميع، والانصهار في جميع الديار: من”كتاب خالد” المحاولة الأولى لعربي بالانكليزية، الى “النبي” اشهر كتاب لعربي بلغات العالم، الى “ليون الافريقي” الذي تُرجم، مثل اكثرية كتب أمين، الى 40 لغة.

جبران كان الأكثر خروجاً الى جميع الآفاق الأخرى. احدى أشهر السٍيَر العلمية التي تناولت حياته وعمله وضعها الدكتور سهيل بشروئي، استاذ كرسي جبران في جامعة ميريلاند، والاستاذ سابقاً في الجامعة الاميركية ببيروت. وكان الراحل بشروئي من البهائيين. ويخيل الي ان دافعه الى تكريس حياته لاعمال جبران لم يكن اكاديمياً بقدر ما كان عاطفياً. فقد وجد في مثل هذه القامة الادبية العالمية، سنداً لطائفة تعاني العزلة والاضطهاد.

كانت المرأة هي الأكثر اضطهاداً وضعفاً، ولذا، نراها في كتب مهاجري نيويورك الثلاثة، ومؤلفات “صاحب المقعد على السين”، موضوع الدفاع الأول. لن ينسى جبران وهو يعيد كتابة “النبي” ثماني مرات بمساعدة ماري هاسكل، ان خليل جبران، صاحب بستان الجوز، ثم “التحصيل دار” المنبطح دائماً تحت بطحة العرق، هو الذي دفع امه كاملة الى السفر الى بوسطن ومعها بطرس ومريانة وسلطانة وجبران، الذي في الثانية عشرة من العمر. ولن ينسى ميخائيل نعيمة اللحاف الذي كانت ترده أمه عليه في شتاء سفح صنين. ولن ينسى الريحاني “المسخن” صاحب المقالب والمزحات، نهفات البيت في الفريكة.

الاسبوع الماضي كرمت جامعة الكسليك الدكتور جميل جبر. ذلك “البورتريتيست” النحات الذي تجد في مؤلفاته الغزيرة ثلاثة سير رائعة لجبران ونعيمة والريحاني. الثلاثي النيويوركي الذي هاجر من قرى تشبه دير ميماس. وكل واحدة لها شفيعها وجبالها وصخورها وذلك الشتاء الطويل. وفي كنف بسكنتا، تقع عين القبو، التي ارسلت أمين معلوف الى باريس وهي توصيه بضع وصايا: عينك يا صبي على غونكور. لا تنس الاكاديمية. وبطريقك، على نوبل.

(1) حكايات من ضيعتي، د. عصام تيودور الحوراني، دار العلاء.

(2) “دار النهار”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*