الرئيسية / مقالات / “كاوبوي” أميركي بين لبنان والعراق… ومهام “الحزب” مشقّات!

“كاوبوي” أميركي بين لبنان والعراق… ومهام “الحزب” مشقّات!

مناصرون يتابعون خطاب نصرالله (أرشيفية – أ ف ب).

يصل التلازم بين المسألتين اللبنانية والعراقية إلى حدود التوأمة. ويحكي لسان حال العراقيين واقع اللبنانيين لناحية المطالبة بمحاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة واستعادة سيادة الدولة وهيبتها المخترقة من النفوذ الإيرانيّ، وتحسين الوضع الاقتصادي، والقضاء على البطالة وتطوير البنى التحتية… وقد أظهرت الأيام الأخيرة مدى تشابك التركيبتين في تقنية تصنيع الحكومات واستخدام البراغي والمطارق نفسها على اختلاف الأسماء والشخصيات. وتكشّفت الأضواء في الآونة الأخيرة على دور القيادي في “حزب الله” الشيخ محمد كوثراني بمتابعة تكليف مصطفى الكاظمي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة. ويشكّل تكليف الكاظمي نوعاً من الإرباك في صفوف الفصائل الموالية لإيران، العراقية منها كما اللبنانية، رغم أجواء الترحيب التي أعرب عنها مسؤولون إيرانيون بتكليفه واعتبارها خطوة في المسار الصحيح. وتجدر الإشارة إلى أن صعود إسم الكاظمي لم يتظهّر على غفلة، بل كان محط تداول واسع في صفوف الأوساط السياسية العراقية قبل أشهر، لكنه رُفض من القوى والميليشيات الموالية لإيران، وقد اعتبره أحد الفصائل مساعداً للولايات المتحدة الأميركية في تنفيذ عملية قتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.

ماذا يهمّ اللبنانيين في تداول التطوّرات العراقية ومضامينها؟ طبعاً، تكمن النقطة الأولى في قراءة ما بين سطور دور كوثراني وإعلان الولايات المتحدة عن مكافأة مالية لمن يدلي بمعلومات عنه، بعد التحقق من تدخّله في مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية. وتتمثل النقطة الثانية الأكثر أهمية في مقاربة المشقات والصعوبات التي يواجهها “حزب الله” اللبناني في ظلّ تراكم المهام الموكلة إليه إقليميا بعد مقتل سليماني. فالتصريحات العلانية المرحبة بتكليف الكاظمي تتناقض مع التعقيدات التي يواجهها “الحزب” ومشروعه في احتواء المشهد العراقي وسط معلومات تفيد بأن ثمة حالاً من الحذر تسود المعنيين والمتابعين اللبنانيين للشأن العراقي في ظل شكوك في قدرة الكاظمي على تأليف حكومة رغم إعلانه عن اكتمال الصيغة الحكومية، ورغم أن وضعه يختلف عن حظوظ عدنان الزرفي نسبة إلى الموقف الإيراني وحجم المؤيدين في ظل ترحيب شيعي وموافقة سنيّة – كردية. لكن الصعوبة تكمن في كيفية إرضاء الكتل والقوى السياسية حكومياً في ما يتعلّق بتوزيع المناصب بين الطوائف الثلاث (الشيعة والسنّة والأكراد) وتوزيعها ضمن البيت الشيعي الواحد وسط تباينات ملموسة منذ مدة بين القوى السياسية العراقية. ويتمثل التوجس الثاني لدى محور الممانعة في أن الكاظمي لم يتخذ موقفاً حازماً من الوجود الأميركي في العراق، ولا يعرف إذا ما كان سيستعجل قرار الانسحاب أم سيستجيب لتطلعات الولايات المتحدة. وتؤكّد هذه المعطيات المشقة التي تواجهها إيران وأذرعتها بما فيها “حزب الله” الذي تضاعفت مهامه بعد مقتل سليماني وسط تعقيدات المشهد العراقي. ولا يغيب عن المشهد أن تحميل الكاظمي مسؤولية معنوية في تصفية سليماني باعتبار أن المخابرات لا بدّ من أن تكون على اطلاع على عمل الأجهزة الأميركية في العراق، لم يغب بعد عن أذهان بعض القوى التي منها من يصوّر الرئيس المكلف على أنّه غامض ومقلٌّ في الكلام.

 في غضون ذلك، سرت معلومات عن اعتزام نقل كوثراني سراً من بغداد إلى بيروت. وثمة من يعلّل أهمية الدور الذي يضطلع به كوثراني عراقياً باعتبار أن مهمته هي في كونه ضابط اتصال بين “حزب الله” والفصائل والميليشيات العراقية الموالية لمشروعه في المنطقة، علماً أنه يقيم في العراق منذ مدة طويلة وهو متزوج من عراقية ويقصد لبنان عبر زيارات متقطعة. ويطلق عليه البعض صفة المواطن العراقي لمدى تعمّقه في المشهد الداخلي.

ماذا في دلالات ترصّد واشنطن لكوثراني وأبعاده والإعلان عن مكافأة مادية لمن يدلي بمعلومات عنه؟ لا يرى متضلّعون من السياسة الأميركية في الشرق الأوسط عبر “النهار” ما هو بعيد عن الاستراتيجية الأميركية المستدامة في التعامل مع المطلوبين، وهي استراتيجية اتبعت في التقصي عن بن لادن في مرحلة سابقة مع اختلاف حجم الأشخاص، وهنا لا بدّ من الاشارة إلى أن قيمة المكافأة ترتبط بحجم الشخص المطلوب. وتُعتبر هذه الاستراتيجية الاميركية جزءاً من تقليد متّبع ومرتبط بثقافة الـ”كاوبوي” القائمة على تعليق صور المطلوبين للعدالة ومنح جوائز في مقابل الإبلاغ عنهم أو تقديم معلومات. يأتي ذلك في وقت لم تطرأ فيه تعديلات على الاستراتيجية الأميركية على عكس ما يروّج باستمرار من قوى الممانعة عن انسحاب وشيك للقوات الاميركية من المنطقة، إذ يتعارض ذلك مع معلومات المطلعين المشيرة إلى أن المكوث الأميركي طويل في الشرق الأوسط ومرتبط بالمصالح الاميركية بما فيها مكافحة الإرهاب بعد إنفاق تريليونات من الدولارات. وتتسارع التطورات في وقت أضحى فيه الاقتصاد الإيراني في حكم المنتهي بعد العقوبات وطارئ “الكورونا”، فيما تندرج قراءة الحركة السياسية الراهنة في رأي المطلعين أنفسهم، في خانة محاولة تفعيل آلية للتعامل مع أوروبا والابقاء على تواصل يتيح عدم الانقطاع عن العالم مع ترجيح استسلام طهران قريباً للمفاوضات ومحاولة انتظار فرصة مناسبة للتفاوض مع واشنطن في الاشهر الثلاثة الأخيرة قبل الانتخابات الاميركية أو بعد انقضاء الاستحقاق. لكن الانتظار الشكلي لا يعني قدرة طهران على الصمود وسط انهيار العملة والسقوط الاقتصادي.

وفي الخلاصة، يندرج ترصّد كوثراني كتفصيل في إطار تفكيك شبكة العلاقات والتواصل على امتداد نقاط تمركز المحور الإيراني في ظلّ استراتيجية أميركية مستدامة متَّبعة منذ أكثر من عقد.

Majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد