“كاهنة الغناء” جاهدة وهبه تزيّن النجوم أطلّت مع الأوركسترا الوطنيّة… والدُموع شاهِدة!

جاهدة وهبه مع الأوركسترا الوطنية في المسرح. (مروان عساف)

4 شباط 2017

لم يتمكّن عَشَرات الذين قَرّروا مساء أول من أمس تَمضية لَحظات عابِرة مع سيّدة فَهِمَت باكِراً أنها قادِرة على تَزيين النُجوم بانخطافها، من أن يَجِدوا مَقاعِد شاغرة في مَسرَح “بيار أبو خاطر” في جامِعة القدّيس يوسف، حيثُ كان الّلقاء المُرتُقَب.

على رغم هذا التفصيل الصَغير، رَفَضوا الاستِسلام، أو مُغادَرة المَكان قَبل الاستِماع الى كَلمات وأنغام تؤكّد لَهم بِبَساطة مؤثّرة، أنهم ما زالوا على قَيد الحياة. فاذا بِهم يُتابِعون الحَفلة الموسيقيّة الشاهِقة في عيارِها خارِج الفُسحة المَديدة التي تحوّلت لبَعض الوَقت، الملاذ الحَميم الذي يَحمي القُلوب التائهة من ضوضاء هذا العالَم المُرتَبِك… وهذا البَرد الشَديد الوَطأة، واللامُبالي بالعيون الجائِعة لبَعض دفء.
بَعضهم أصرّ على الدُخول وقَرّر الجلوس على الدَرَج الطويل الذي يَفصِل بين المَقاعِد، وحاوَل مواجهة رَفض القيّمين على الحفلة بالمَزيد من الاصرار. هذا الرَجل المُسنّ حَمَلَ عصاه التي يُلقي عليها ماضيه وذكرياته وهتَفَ قائلاً، “جيت شوف جاهدة ومنّي منهزّ من هون لو بدّي اقعُد على الدَرَج”. فكانَ له ما أراد وجَلَسَ على مَقعَد مُريح تم تأمينه له ليتمكّن من مُتابَعة رِحلة الأنغام مع صوت كُتِبَ له المَجد منذ هَمَساته الأولى.
وها هي جاهدة وهبه تَعتَلي خَشَبة المَسرَح على صدى التَصفيق والهُتافات، وها هم الناس يُردّدون اسمها، وها هم البعض يَذرُفون الدموع ما إن تَصدَح الأنغام الأولى لأغنية “رح حلّفك بالغصن يا عصفور” (شعر ميشال طراد ولحن الأخوين رحباني) بعد الانطلاقَة مع مقطوعة موسيقيّة “سماعي راست” تليها أغنية “زوروني” (شعر يونس القاضي ولحن سيد درويش).
أطلّت “كاهِنة المَسرَح” برفقة الأوركسترا الوطنيّة اللبنانيّة للموسيقى الشرق – عربية بقيادة الدكتور عبدالله المصري، في حفلة موسيقيّة تَليقُ بالأصالة والطَرَب. وكانت ألحان لفيلمون وهبه، سيد درويش، الأخوين رحباني، عبدالله المصري، مارسيل خليفة، عبد المجيد مستكاوي، مدحت عاصم، عوض الدوخي، زياد الرحباني، جاهدة وهبه، وزكي ناصيف. وكان الاعداد الموسيقي والتوزيع للدكتور عبدالله المصري.
وهذه أمسية الدكتور عبدالله المصري الموسيقيّة الثالِثة مع الأوركسترا الشرق عربيّة. أما الأمسية الأولى فكانت تحيّة للأخوين رحباني وفيروز، والأمسية الثانية “في ذاكرة أسمهان”.
بعد الحفلة أكّدت جاهدة وهبه لـ”النهار” أن المؤلّف الموسيقي وقائد الأوركسترا الدكتور عبدالله المصري هو من دعاها لاحياء هذه الحَفلة الرائعة في اطلالَتها ومَضمونها، “وهو قيمة ابداعيّة كبيرة ويَقطن في الكويت. أمّا الأوركسترا الوطنيّة فهي اليوم تُقدّم أعمالاً جيّدة جداً وحفلاتها تؤكّد الثَقافة التي تَحمينا، كمُجتَمَع من العَديد من العَناصِر السلبيّة”.
ومَضت قائلة: “كانت هذه الحَفلة الموسيقيّة الأولى في لبنان التي قدّمتها برفقة أوركسترا بهذا الحَجم الكّبير، على رغم اطلالَتي في بلدان أخرى مع أوركسترا كبيرة”.
أضافت، أنها اتفقت على صياغة البرنامج الموسيقي بالتَعاون مع المصري ولكنها تَرَكت له حريّة أكبر في اختيار الأعمال التي رآها مُتجانِسة بعضها مع بعض.
وعن الدقائق الأخيرة التي تَفصُلها عادةً عن الاطلالة على الخَشَبة قالت وهبه: “على رغم السنوات الطويلة لي في الفن، ما زالت الدقائق الأخيرة التي تَسبَق اطلالتي على المَسرح صعبة ويتخللها الخوف من رَهبة المَسرَح. ويَنتابني هذا الشَعور الى أن أنطَلِق في الأغنية الأولى وأشعُر بحرارَة الناس وألُمس مزاجهم في الصالَة، وأتفرّس في الوُجوه. ما إن أشعُر بنَبَض الصالة أهدأ وأرتاح وأغوص في حالة الطَرب لأنطَلق نحو عوالم أخرى”.
لتُنهي قائلة: “أتعامَل مع كل حَفلة وكأنها الأخيرة لي على خَشَبة المَسرَح، ولهذا السَبَب أقدّم كل ما عندي، مُعتَبِرة أنه قد لا يُتاح لي أن أقدّم حفلة أخرى. وهنا يَكمَن سَبب انخطافي. أريد أن يَشعر كل فَرد في الصالة بأنني أغني له وحده. يهمّني أن يتمكّن الجميع من استِحضار الذكريات الجميلة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*