كانّ ٧٢ – “حدث ذات مرة في هوليوود”: الرصاصة الأخيرة في جيب تارانتينو!

مارغو روبي في دور شارون تايت

يعود المخرج الأميركي كوانتن تارانتينو إلى مهرجان كانّ السينمائي (١٤ – ٢٥ الجاري) بأحدث أفلامه، “حدث ذات مرة في هوليوود”، التاسع له منذ انطلق سينمائياً في العام ١٩٩٢، بعد ربع قرن على “سعفته” عن “بالب فيكشن”.

ذيل بشري طويل تشكّل بعد ظهر اليوم أمام صالة ديبوسي التي شهدت العرض الصحافي للفيلم قبل ساعات قليلة من عرضه الرسمي في حضور تارانتينو والممثلين، من ليوناردو دي كابريو وبراد بيت فمارغو روبي وغيرهم. الطابور هذا كان الأطول منذ بدء المهرجان قبل اسبوع. فالفيلم ينتظره الجميع في كانّ: الصحافة التي تحمّست له بناءً على اسم المخرج، والمشاهدين العاديين الذين وقفوا أمام القصر يشحذون بطاقات دخول، وحتى المهرجان الذي أضافه لاحقاً إلى المسابقة بعدما كان قد أعلن عن مجمل برنامجه.

قبل بدء العرض، صعد مبعوث خاص من المهرجان على خشبة المسرح ليعلن أن تارانتينو يتمنى على الصحافة الا تكشف تفاصيل الفيلم، وخصوصاً ختامه، وهذا مفهوم نظراً إلى الكيفية التي يزجّ بنا فيها من فيلم إلى فيلم، كأنه كاوبوي يلعّب مسدّسه على أصابع يده، قبل ان يطلق الرصاصة، ويبقي واحدة اضافية في جيبه.

أياً يكن، لم يخطئ مخرج “كيل بيل” عندما طلب إلى الصحافة ما طلبه. اذ ان جزءاً كبيراً من المتعة المرتبطة بمشاهدة الفيلم (هذا الفيلم تحديداً أكثر من أي فيلم آخر)، يستند إلى عنصر المفاجأة الذي يريده تارانتينو، والانتظار والتشويق اللذين يولدهما، ثم الخدعة والتضليل اللذين ينتهجهما كخطة جهنمية.

ليوناردو دي كابريو في “حدث ذات مرة في هوليوود”

ينطوي الفيلم على كلّ ما صنع شهرة تارانتينو وشعبيته في العالم: حوارات غزيرة متذاكية ولمّاحة، شخصيات متطرفة، عنف مؤسلب ميّال إلى الطرافة، براعة يد في التقاط نبض الحياة، فيتيشيات على أصنافها، نبش “مريض” في الريبيرتوار الموسيقي المنسي، وكالعادة الكثير الكثير من السينما. أغلب الظنّ ان فيلمه هذا هو تتويج لسينيفيليته المغايرة التي صنعها عبر الفيديو. تلك السينيفيلية كما يعلم كلّ معجب به، “ملعوبة” وهجينة، تتشكّل من أفلام حركة درجة ثانية، أفلام الوسترن سباغيتّي، وأفلام الفنون القتالية. هذا كله ليس بالجديد عنده، بل هو الحجر الأساس في معظم أفلامه. الا ان السينما هنا تحضر بشكلها المباشر. الفيلم يتغذى منها لقطة بعد لقطة، حدّ انه يمكن القول اننا حيال ملحمة سينيفيلية على طريقة تارانتينو، ملحمة مشبّعة بكلّ الغث والسمين اللذين صنعاه، صاغا ذائقته، شكّلا وعيه الفيلمي، ولاحقاً نقلاه من كرسي المُشاهد إلى خلف الكاميرا. أما السيناريو المتداخل، بين أحداث حقيقية ولقطات من أفلام، فهو الشكل الأنسب للتعبير عن وعي تارانتينو المصنوع فعلياً من الذهاب والاياب المستمرين بين السينما والحياة.

أحداث الفيلم تجري في العام ١٩٦٩، تاريخ يعني ما يعنيه بالنسبة إلى السينما. انها بداية عصر جديد ستعيشه الشاشة في هوليوود على يد مجموعة ستُسمّى لاحقاً بـ”هوليوود الجديدة”. باختصار، هؤلاء سيثورون على الأنماط التقليدية ويضعون حداً لهيمنة الاستوديوات، ليطرحواحكايات جديدة بطرق سرد مختلفة عمّا هو سائد. هذا كله ليس في الفيلم، لكن معرفته ضرورية لترتيب الفيلم في السياق، وتلقف خطاب تارانتينو الحنيني بعض الشيء.

يعرفنا الفيلم بداية إلى شخصين، الممثّل ريك دالتون (ليوناردو دي كابريو) وبديله كليف بوث (براد بيت) اللذين يعيشان ويعملان في لوس أنجليس. كلاهما يعاني من واقع مستجد، وهو التغيير الذي تشهده الساحة السينمائية، وهو تغيير يرميهما بلا أي رحمة في حضن الماضي، أي خارج الزمان والمكان. مع ذلك، يقاومان قدر المستطاع للبقاء في الأجواء. فدالتون هذا اشتهر في الماضي من خلال مسلسلات الوسترن التلفزيونية الرديئة، وها انه يريد ترك بصمته على السينما أيضاً. ولكن ليس كلّ ما يتمناه المرء يحققه. لذلك لن يجد صديقنا سوى إيطاليا حيث تزدهر أفلام الوستن ذات الموازنة الضئيلة. تارانتينو منبهر انبهاراً كاملاً بالفكرة. سيصوّر مغامرات هذا الثنائي داخل الحياة وداخل السينما، حيناً بسخرية وحيناً بحنين إلى حقبة ولّت ولا يزال صداها قوياً في ذهن السينمائي كونها تتقاطع مع طفولته.

هاتان الشخصيتان استوحاهما تارانتينو الذي تولى أيضاً كتابة السيناريو، من الممثّل برت رينولدز والبديل هال نيدهام.

الا ان الحكاية لا تقتصر على مغامرات ريك وكليف. فلهذا الثنائي جارة تُدعى شارون تايت تعيش مع زوجها رومان بولانسكي. تايت، لمَن لا يعرفها، هي الممثّلة التي قتلتها جماعة تابعة إلى المجرم تشارلز مانسون في العام ١٩٦٩، وهي حامل في شهرها التاسع. تحتل تايت مساحة لا بأس بها من السرد (بديع مشهد دخولها إلى صالة السينما لمشاهدة فيلم سخيف من تمثيلها)، الا ان الفيلم لن يكون فيلمها تماماً، كما كنّا نظن، لسبب لا يعلمه سوى تارانتينو – أو ربما نعلمه ولا نريد افساد “المشاهدة الكاملة الدسم”. مَن مِن هؤلاء يصنع حكاية الآخر؟ المسألة محيّرة. تارانتينو يفضّل خلط الأوراق. يطلق النار… ولكن تبقى الرصاصة الأخيرة في جيبه.

اذاً، نحن أمام فيلم مصنوع من طبقات مختلفة لجمهور من ضفاف مختلفة. ولكن، في النهاية، يعطي تارانتينو كلّ ذي حق حقه. مَن ينوي قراءة عميقة لن يخيب ظنّه، ومَن يبحث عن حصة من الترفيه، فهذا مضمونٌ أيضاً. شخصياً، لم أشعر بمرور الساعتين والأربعين دقيقة. لم أنظر إلى الساعة الا مرتين، فقط جراء القلق من ان يتأخر المقال الذي سأكتبه، فينام المصحح! ولكن، للأمانة، ليس “حدث ذات مرة في هوليوود” أفضل ما قدّمه تارانتينو. عرفناه أكثر إلهاماً وجدارةً ومرحاً وسخرية. ولكن، مهما يكن، يبقى معلّماً في اشاعة أجواء، قلة تنافسه فيها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*