الرئيسية / home slide / كانت بكركي وكان الاستقلال

كانت بكركي وكان الاستقلال

21-11-2020 | 00:14 المصدر: النهار

غسان حجار @ghassanhajjar

كانت بكركي وكان الاستقلال

 مجرد الكلام عن #بكركي يشعرنا كم نحن بعيدون عن الدولة المدنية التي نتغنّى بالسعي إليها، من دون محاولات وخطوات جدية إلا عبر الإعلام، ومن منطلق مذهبي، عددي، استقوائي. إذ إنه من غير الجائز الاستمرار في الاتكال على المؤسسات الدينية ورجال الدين في تحديد السياسات العامة أو التأثير فيها. وهذا دليل على ضعف الأحزاب التي لم تتمكن من احتلال دور متقدم، بل غالباً ما يلجأ رؤساؤها الى كنف المؤسسة الدينية يطلبون غطاء مذهبياً يحميهم.لكن، في ظل التمنّي، والأمل المعقود على تبدّل إيجابي، تُظهر الوقائع التاريخية، التي لا يمكن إنكارها، الدور المحوري للبطريركية المارونية، أولاً في قيام لبنان الكبير عام 1920، وثانياً في تحقق الاستقلال عام 1943، وثالثاً في التصدي لمحاولة إلغاء لبنان من قِبل المنظمات الفلسطينية، وتحريره من الوصاية السورية مع نداء المطارنة الشهير برئاسة البطريرك التاريخي نصرالله بطرس صفير عام 2000، وصولاً الى دعوة البطريرك بشارة بطرس الراعي الى اعتماد الحياد الناشط والايجابي خياراً لحماية البلد وجعله في منأى عن صراعات الإقليم. يذكر اللبنانيون دور بكركي وبطريركها الياس الحويك في إعلان لبنان الكبير بحدوده الراهنة، لكن القليل منهم يدرك الدور الفاعل في الاستقلال، ويروي غسان تويني في “كتاب الاستقلال، بالصور والوثائق” الصادر عن “دار النهار”، الآتي: “أبرز الأحداث التي عبّدت الطريق، الوعر جدّاً، لاجراء الانتخابات وقيام الاستقلال هو المؤتمر الوطني الذي عُقد في بكركي بتاريخ 25 كانون الأول 1941، وقد اشتركت فيه شخصيات ووفود من مختلف الطوائف والميول الوطنيّة، من أبرزها الشيخ بشارة الخوري، رئيس الكتلة الدستوريّة. انتهى المؤتمر الى اتخاذ مقرّرات تطالب بالاستقلال “التام الناجز”، وتعتبر أن كل عمل تقوم به “الحكومة الحاضرة” [المعيَّنة من قِبل الفرنسيين] “من شأنه أن يقيّد البلاد… لاغياً غير معمول به”، في انتظار “مجلس سياسي مُنتخب انتخاباً حرّاً تتمثّل فيه الطوائف والمناطق اللبنانية تمثيلاً عادلاً”، فضلاً عن المطالبة بـ”سنّ قوانين دستوريّة تكفل الحريات الخاصة والعامة” وحريّة “التعاقد مع الدول الأجنبيّة”، وهو موقف يكاد يكرّر بالحرف الواحد مطالبة البطريرك، عام 1935، “بإلغاء الانتداب الفرنسي”، في “كتاب أخضر” قدّمه إلى الحكومة الفرنسية”. 

‏ ويتابع تويني في كتابه: “مهّد لاتخاذ القرارات خطابٌ من غبطة البطريرك الياس عريضة لم يخلُ من العنف. إلّا أنّ اللافت فيه قوله إن “الاعتراف الفعليّ باستقلال لبنان قد تأخّر لظروف خاصة، إلّا أنّه أثناء هذه الحرب الضروس ظهرت الدولتان الديموقراطيّتان أميركا وانكلترا بمظهر شريف جدّاً، إذ قرّرتا منح الشعوب استقلالها التام الناجز فأصبحنا مديونين لهاتين الدولتين”. وختم السيد البطريرك خطابه قائلاً: “نريد استقلالاً مبنيّاً على التآلف والتضامن والغيرة في سبيل المصلحة الوطنيّة (…) نريد الائتلاف مع المجاورين لنا في الشرق ومع كل الدول التي لنا علاقة معها…”. هذا الدور التاريخي الوطني لبكركي، يحاول البعض اليوم، ومن ضمن خطة محكمة، السعي الى إضعافه، وتنصيب أدوار تماثله، أو تتصدى له، لا دفعاً الى الدولة المدنية المنشودة، وإنما إمعاناً في تغيير وجه لبنان.