الرئيسية / home slide / “كآبة المنظر”

“كآبة المنظر”

21-04-2021 | 00:10 المصدر: النهار

سمير عطالله

بيار الجميل وريمون ادة

 كتب الزميل #فؤاد مطر في “الشرق الأوسط”، الثلثاء الماضي، يقارن بين ما جرى في الأردن غداة وفاة سبعة من مرضى كورونا، بسبب نقص الاوكسيجين في مستشفى السلط، وبين ما جرى في لبنان، بعد انفجار المرفأ، الذي قتل 215 لبنانياً، وجرح ستة آلاف، وشرّد 300 ألف، وأوقع خراب الزلازل المريعة. في الأردن، ذهب الملك عبدالله الثاني بنفسه الى المستشفى الهامل، واستقال وزيران، واهتزت الحكومة. هنا، في دياركم السعيدة، لم يرسل احد مندوباً عنه، يؤاسي العراة والمرتعدين والجوعى والخائفين. حضر اليهم فقط المحسنون والذين في قلوبهم رحمة وفي نفوسهم نخوة وشهامة. لحظة الانفجار، كنتُ في مبنى “النهار”، على 500 متر من العنبر 12، عندما سمعت دوياً صاعداً من جهنم، لكنني سوف اقرأ في “در شبيغل” بعد ايام، ان التموجات الصوتية للانفجار، سُجّلت في برمودا، شمال الاطلسي، وفي كيب فيردي، في وسطه. أما الارتجاجات، فسُجلت في تونس. وفي كازاخستان. أي شمال افريقيا وآسيا الوسطى. الانفجار الذي سُجلت تردداته في شمال الاطلسي، سارع رئيس الجمهورية يعلن منع التحقيق الدولي فيه لأنه بطيء، وعيّنت له الدولة قاضيَ تحقيق واحداً، وكأنه انفجار لغم منسي في الجنوب. فوق مصيبة الضحايا، اهانتهم. واهانة الناس. وإهانة أجمل حواضر المتوسط. أما الوطن نفسه فكانوا قد قالوا من قبل، ان دستوره نتن وعفن. وما عاد يميّز الفرق بين الذل والإهانة. وفيما لبنان غارق في الدول الكبرى، والوساطات الكبرى، والمماحكات الصغرى، مرّ به حدث بسيط لا اهمية له في زحمة هذه الأهميات: كارلوس اده يستقيل من المكتب السياسي في “الكتلة الوطنية”، بعد استقالته من عمدتها، خلفاً للعميد التاريخي. بالكاد كان نبأ صالحاً للنشر في بلد يترقب مفاوضات فيينا حول الاتفاق النووي، وذيول حريق نطنز، ومخاوف ما جرى في الأردن من أحداث وغموض. ونحن بماذا نحلم، عدا التحقيق الجنائي والفاريز واليعازر، نحلم، مولانا، بحكومة لا يكون فيها تفسير القانون في يد راوول نعمة. أما في يد مَن تكون وزارة الاقتصاد نفسها، فلماذا تعب القلب. يمكن اضافتها بسهولة الى الحقائب الرمزية التي لا ضرورة لها، كالسياحة والطاقة والثقافة والنفط والشؤون والإعلام والمهجرين وسواها. وقد تعجّب المتعجبون الميّتون حرصاً على لبنان وارزاقه، من ان الخارجية والزراعة لوزير واحد في الحكومة العتيدة. ولِك يا ابن الحلال، ما انتَ حاطط الزراعة والثقافة في الحكومة الحالية، وجها وقفا. كانت استقالة كارلوس اده ثلاثية البُعد: اولاً، لبناني ويستقيل، ثانياً يقر باخفاقه، وثالثاً يعلل الاعتزال ببلوغ سن التقاعد، قائلاً إن فارق السن معيب بين حكام لبنان وشبابه. تصادفت استقالة اده مع تصريح للرئيس ميشال عون يقول فيه ان جهوده لازالة الاقطاع السياسي تكللت، ولله الحمد، بالنجاح. وما بقي سوى القليل من العائلات السياسية المتوارثة. وإننا لننتظر ذلك اليوم المجيد بصبر جميل! وكان الرئيس قد تبنّى، في ما تبنّى، عامية طانيوس شاهين. وقد سُميت عامية نقلاً عن كومونة باريس.  ونحن قوم زهرة التواضع. وباريس مربط خيلنا كما تعرفون. فلا يجوز التشبيه بأقل منها. ويومَ نسخر من تدخّل ايمانويل ماكرون في شؤوننا، جاء هذا الرجل يعزي بلبنان ولم يجد سوى فيروز يبلغها مشاعره، فوجدها واقفة على قناطر انطلياس ترنّم: أنا الأم الحزينة، وما من يعزيها. بلد التواضع بلدكم، ايها السادة. قال المصرفي مروان خير الدين للزميلة الكلية المهنية منى صليبا، إن كل اقتصاد لبنان لا يشكل سوى 5% من قيمة شركة “آبل” السوقية. وشهقت منى مذهولة، فعاد وكرّر: 5% من “آبل”! بما في ذلك تفاح ميروبا وحراجل وزبّوغا وبزيزا ومكسة. يبدو ان جو بايدن كان طوال معركته الانتخابية منكباً على دراسة النماذج التي أعطيناه في ادارة السياسة المالية من دون موازنة. فماذا فعل هذا الحربوق جو؟  تلفن الى سلعاتا؟ اتصل بالقيصر؟ لا يا مولانا. غافلنا جميعاً، ووضع خطة حجمها 11 تريليون دولار. أي ما يقارب الخطة التي وضعتها حكومة الدكتور دياب ونفذت منها 97% في مائة يوم. يبقى باليد ثلاثة. التواضع، خصوصاً الفاقع منه، مرض الوِلْدان وآفة البلدان. وكنا نضحك من غلوّ الراحل يونس الإبن في “هالّكم ارزة العاجقين الكون”، فإذا بنا وقد علّقنا الارزة  جانباً،  ورحنا نعجق الاكوان. اميركا وروسيا واوروبا والأمم المتحدة، تحاول اقناعنا بتشكيل حكومة، ونحن، الشعب العظيم المتراص، الموحّد، المتساند، المتراحم، المتراضي، المتعاضد، وخصوصاً منه الفريق الحامل تعاليم المسيح، نحن لا نرضى بحكومة لا ترضي شفيع لبنان السياسي وحامي المسيحية المشرقية. فاذهبوا وبلّغوا جميع الأمم. لماذا؟ لأننا بلد ميثاقي. لا فرنسا تفهم علينا، ولا روسيا، ولا اميركا، ولا النقّ البريطاني: شكّلوا حكومة! دول لا تدرك ان الميثاق هو حكومتنا. سألتُ صديقاً من اهل القلب والعقل، كيف يفهم الميثاق: “الميثاق شفاعة لا تقوم على القوة. عقد لا قوّة فيه ولا استقواء. اعلى من الدستور، لأنه بلا شروط، ولا جزاء ولا عقاب. هو المودّات التي لا غلبة فيها. لا احد اكبر منه، ولا احد اصغر منه. عهد لا يفسَّر ولا يؤوَّل ولا يُختلف عليه. الدستور هو القانون، والميثاق هو العفو. هو حصانة اهله ومؤمنيه. والحصانة فيه ليست للقوة، بل لاحترام الناس والذات والآخر”. كارلوس اده من العائلات السياسية التي هزمها ثوار طانيوس شاهين. جده رئيس جمهورية، وعمّه وزير، كان اول ما فعله يوم صار والده رئيساً، أنه نزل الى مكتبه للمحاماة، واعلن: لا قبول منذ اليوم لأي دعوى في المصالح. أما هو فأمضى العمر يرفض الرئاسة إذا كان فيها شرط واحد. لم يقرع باب احد، ولم يستجب لقرع احد. لم يوظف احداً. لم يوقّع. لم يعقد صفقة واحدة. الاقطاع في اسوأ مظاهره. خصمه التقليدي، بيار الجميل، اسس للبنان حزب الطبقة الوسطى والعمال. روى كريم بقرادوني أن ذلك العملاق المتقشف، كان يدخل غرفته في السابعة مساء، وفي السابعة صباحاً يبدأ العمل في صيدليته، وبعد الظهر ينصرف الى مهمته الأولى، لبنان. ضم حزب هذا الاقطاعي 240 ألف منتسب ليس بينهم ثري واحد، ولوائحه الانتخابية لم يكن فيها ثري واحد، سواء واضح المصادر أم غامضها. وكان يقود سيارته بنفسه، وكذلك منافسه، ريمون اده. اقطاع لم يعرف المواكب ولا المراكب ولا الطائرات الخاصة. الاقطاعي الاكبر، كمال جنبلاط، اسس اول حزب اشتراكي في لبنان. وعلّق في قصر المختارة وشاح لينين، الذي لا يعطيه السوفيات إلا لأبطال الحروب ورواد الفضاء. حمل رياض الصلح الاستقلال الى لبنان وترك له شعار “ليس للاستعمار مقراً ولا ممراً”. وخوفاً من تخويف المسيحيين، ابتدع تقي الدين الصلح فتوى “الوجه العربي” للبنان. وكان سامي الصلح “بيّ الفقراء”. ومات جميع الصلحيين فقراء. وماتوا فقراء، سعيد وبهيج وخليل ونديم ومنير تقي الدين. فقيراً مات مارون كنعان، ابن سليمان كنعان. “اقطاعي” ابن “اقطاعي” قامت نيابته ليس على دور والده السياسي، بل على خدمة الفقراء والعايزين وامثاله من البسطاء. هل هؤلاء الذين خلّص لبنان منهم الجنرال عون، أم صائب سلام الذي ترك لنا ارقى شعار في مائة عام: لا غالب ولا مغلوب؟ أم عبدالله اليافي الذي توفي في شقة بالايجار؟ أم فؤاد شهاب، القريب من القداسة؟ أم آل كرامي؟ أم كميل شمعون الذي ظل شقيقه قاضياً منفرداً في العدلية؟ أنا ايضاً أمضيت سحابة من العمر في احتقار الاقطاع، ولا يزال كريهاً على نفسي. لكن الاقطاع ليس وراثة، بل هو نفوس رديئة تولد من ذاتها “الذباب الالكتروني” اسوأ واقبح خطاب اقطاعي في اسواق الحقد والكره. ثوار فرنسا في أيار 68 تبوّلوا على نصب الجندي المجهول تحت قوس النصر. سكربينة ماري انطوانيت اشرف منهم. الاقطاعي الكريه هو زوجها، الذي قال “من بعدي الطوفان”. ذلك هو الاقطاع: الأنا التي تتمخطر فوق الركام ولا تسمع انين الضحايا الذين تحته، ولا نذكر ان في لبنان اقطاعاً لم يرَ من غطرسته احزان المرفأ وكآبة المنظر. كان الرسول العربي يتعوّذ في دعائه من “كآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل”. كآبة المنظر، قبل المال والأهل. اللهم ارفق بالذين يرون المرفأ كل يوم. وتلطّف بغير القادرين على السفر. وعلى البقاء. وعلى الحياة في جهنم.