الرئيسية / مقالات / كآبة الجدران التي تتكرر

كآبة الجدران التي تتكرر

غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
https://aawsat.com/home/article/2230671
13042020

* بماذا تشعرُ في هذه الأيام؟
– حين يصبح الموت البندَ الأول على جدول الأعمال لا يبقى للإنسان غير هدف وحيد وهو أن يبقى حياً. إذا تحقق هذا الهدف فسيتسع الوقت لاحقاً للتفسيرات والقراءات وإحصاء الخسائر. إذا لم يتحقق فتكون اللعبة قد انتهت.
* لكنك لم تجب عن السؤال؟
– لا أخفي عليك أنه سؤال صعب لرجل مثلي. أنا رجل متفائل وقد اعتادت أن أجاهر بذلك رداً على هذا السؤال. الظرف مختلف الآن. هذا الوقت الذي أمضيه في الدوران داخل المنزل يصيبني بشيء من الكآبة. ليس بسيطاً أن تستيقظ، وترى نفسك شاهداً على أكبر عملية لاحتجاز رهائن في التاريخ. احتجاز رهائن على مستوى العالم برمته ومن دون أن يكون لديك خاطف واضح تفاوضه حول شروطه للإفراج عنك. هذا الشعور بأنك وقعت، مع سكان العالم، في قبضة يد سوداء لا ترحم يزعزع ثقتك.
* يزعزع ثقتك بمن؟
– بكل شيء. يكفي أنك لا تستطيع الاتصال بأحد لمساعدتك. العدو الغامض هو أشد الأعداء ضراوة. مخيف أن تجد نفسك أمام قاتل سري ومتسلسل لا يستطيع العلماء فك أسراره وكبح جنونه. كنا نعتقد أن الإنسان بلغ مرحلة من القوة لم تعد تسمح لفيروس غير مرئي أن ينشر هذا العدد الرهيب من النعوش والمقابر في مختلف أصقاع الأرض. نحن أبناء التقدم العلمي والتكنولوجي. كنا نعتقد أن مختبراتنا استعدت لأكثر المفاجآت هولاً. وأن زمن الأوبئة التي تبيد مدناً وتنكب شعوباً ودولاً قد انقضى إلى غير رجعة. وأن هذا الإنسان الذي يرتاد الكواكب ويفك أزرار المجهول لن يكون عاجزاً عن ضبط قاتل وقح ومنع انتشاره. كانت ثقتنا مطلقة بالمختبرات والجامعات والعلم والعلماء، خصوصاً بعدما شعرنا أن «القرية الكونية» تستعد لتسليم كثير من شؤونها وهمومها للروبوتات في عصر الذكاء الصناعي والثورات المتتالية والاكتشافات المتلاحقة. لا أريد أن أنعي التقدم العلمي والتكنولوجي، فلو فعلت لشعرت أن الإنسان عاد إلى الوقوف عارياً أمام دسائس القدر وغضب الطبيعة، كما كان في أيام الغابة والفرار من البرق والرعد إلى عتمة المغاور.
ضرب الزلزال أيضاً الثقة ببعض الدول وتحديداً بمؤسساتها. بدت ثقيلة وقديمة وغير مجهزة لمفاجأة من هذا النوع. كأن العالم أفرط في الطمأنينة أو الجشع. لا نريد الانجراف إلى المراثي. لم يكن العالم يوماً جمعية خيرية. كان دائماً أقرب إلى الغابة ثم راح التقدم يوفر القوانين والكوابح لخفض وحشية الإنسان ضد أخيه الإنسان، وتمكينه من اتقاء وحشية الطبيعة ومصائبها.
* هذا يعني أنك تعيش أزمة ثقة؟
– وهي تتجاوز قرارات الفرد والمؤسسات. هز الزلزال صورة الأقوياء في العالم. حين تستمع إلى دونالد ترمب يتحدث عن عدد الوفيات من دون أن يستطيع وقف العداد، تهتزُّ في داخلك صورة أميركا بجامعاتها وأساطيلها والدم التجاري الذي يركض في مصارفها. ليس بسيطاً أبداً أن تنجحَ جرثومة صغيرة في تركيع نيويورك الحية الصاخبة الصارخة بنجاحاتها وألوانها، وأن يشاهد العالم مواراة ضحايا الوباء في مقابر جماعية. لم يهز الزلزال صورة ترمب وحده. هزَّ أيضاً صورة الإمبراطور الجالس على عرش ماو في إقامة مفتوحة وصورة جيمس بوند الجالس في مكتب جوزف ستالين. لن نتحدث عن أوروبا. مزّق الوباء هالتها وروحها واغتال شعور أي دولة بقدرتها على الاحتماء بالحضن الأوروبي. أصيبت أوروبا بهزيمة متعددة الأوجه. أغلب الظن أننا سنرى أوروبا أخرى في عالم مختلف. وحين تهتز ثقتك بمن كنت تعتقد أنهم أقوياء تنكفئ إلى مشاعر القلق، وتغرق في أسئلة لم تعتد طرحها أو التفرغ لها.
* أسئلة من أي نوع؟
– لم يكن لدينا الوقت لطرح بعض الأسئلة على أنفسنا وعن أنفسنا. هذه العزلة أخذتنا إلى مناخ آخر. الجدران التي تتكرر تدفعك إلى فتح ملفات لم تكن تقاربها حين كان الأفق مفتوحاً وفرص النجاح متوافرة، ولم يكن الخوف جزءاً من وجبتك ولم يكن القلق عالقاً بثيابك وجدران روحك.
* لكن الحياة لم تبخل عليك؟
– هذا صحيح. عملت في مؤسسات مالية وأمضيت السنوات بين المطارات والاجتماعات. سنوات النجاح والركض بلا رحمة. تنسى جسدك وتنسى روحك. وحين تشعر بتراكم النجاحات، وأنك تملك ما يفوق حاجتك يأتي شيء ما ويذكرك بضعفك ويعيدك إلى دائرة القلق. يصعب أن تحتفظ برباطة جأشك حين تعرف أن خسائر ما بعد الزلزال ستكون كارثية. عشرات ملايين العاطلين عن العمل. مؤسسات مفلسة وحكومات متصدعة. غضب عارم واحتجاجات صاخبة. شاخت المؤسسات التي كانت توزع الخوف لضمان الهدوء. شاخت أيضاً الوصفات التي كانت تهدئ وترجئ. إننا في الطريق إلى عالم سيرتفع فيه منسوب البطالة والفقر واليأس. ليست المرة الأولى التي يواجه فيها العالم أوضاعاً كارثية. لكن المؤلم هو أن النكبة الكبرى جاءت على يد فيروس خفي سيترك آثاره على مستقبلنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
* وكيف تمضي وقتك؟
– أوزع الساعات على الكتب والأفلام والدوران الممض داخل المنزل. اهتزت أيضاً ثقتي بالكتب. «كورونا» أبرع منها في تغيير ملامح العالم. تراجع إعجابي بالأفلام. مخيلة الوباء أغنى من مخيلة مخرجيها. أعتذر عن رائحة الكآبة في كلامي لكنها الحقيقة. العزلة تجردك من دفاعاتك. تجعلك مجرد عصفور يسافر في عاصفة. المصارف التي أنفقت فيها عمرك مقفلة ومقفرة. والساحات التي أحببتها تأكلها الوحدة. العالم معطل. إنها أكبر أزمة رهائن في التاريخ.
* ماذا تريد؟
– أن يفرج «كورونا» عن رهائنه. قتلتنا هذه الجدران التي تتكرر.

اضف رد