الرئيسية / home slide / قيس سعيّد يستوحي من عبد الفتّاح السيسي

قيس سعيّد يستوحي من عبد الفتّاح السيسي

 جلبير الأشقر
القدس العربي
28072021

كل من يدّعي أن التدابير «الاستثنائية» التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد يوم الأحد الماضي هي إجراءات «دستورية» إنما يحاول عبثاً تغليف تأييده لما هو انقلاب سافر على الدستور وعلى الشرعية الديمقراطية بغلاف شفّاف للغاية. والحقيقة أن ادّعاء سعيّد نفسه بأن قراراته «دستورية» إنما يشير إلى أن فهمه للقانون الدستوري مستمدّ من تجربته في منصب الأمين العام للجمعية التونسية للقانون الدستوري بين عامي 1990 و1995، وفي منصب نائب رئيس تلك الجمعية منذ عام 1995، في ظل دكتاتورية زين العابدين بن علي التي يعلم الجميع مدى اعتمادها على الحذافير الدستورية.
فإن المادة 80 من الدستور التونسي التي استشهد بها سعيّد تنصّ على أن «لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدّد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذّر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويُعلِنُ عن التدابير في بيان إلى الشعب». كما تنصّ المادة عينها على أنه «يجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعدّ مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طوال هذه المدة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة».
فحتى لو افترضنا أن وضع تونس كان قد بلغ «حالة خطر داهم مهدّد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها» وهو افتراض بعيد عن الواقع، فإن قيس سعيّد قد خرق الدستور بكل وضوح بإقالته لمجلس الوزراء وتجميده لمجلس نواب الشعب ورفعه الحصانة عن أعضائه بالجملة، عوضاً عن استشارة رئيسي المجلسين. كما أنه لمن الجلي تماماً أن قرار سعيّد «تجميد» مجلس النواب لا يعدو كونه احتيالاً منافقاً على النصّ الدستوري الذي حرّم حلّ المجلس في ظلّ العمل بالمادة 80 بغية الحفاظ على الديمقراطية من خلال موازنة السلطة التشريعية للسلطات التي قد يمسك رئيس الجمهورية بزمامها بحجة الحالة الاستثنائية. بل إن سعيّد قد حصر كافة السلطات، التنفيذية والتشريعية والقضائية (النيابة العامة) بين يديه ضربة واحدة بما يتعدّى الصلاحيات التي منحها لنفسه كلٌّ من زين العابدين بن علي في انقلاب «7 نوفمبر» (1987) وعبد الفتّاح السيسي في انقلاب «3 يوليو» (2013).

قيس سعيّد قد خرق الدستور بكل وضوح بإقالته لمجلس الوزراء وتجميده لمجلس نواب الشعب ورفعه الحصانة عن أعضائه بالجملة، عوضاً عن استشارة رئيسي المجلسين

أما ما خوّل ذلك فليس حيازة سعيّد على شرعية شعبية خارقة، وقد انتخُب رئيساً بأصوات أقل من 40 بالمئة من مجموع الناخبين في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية قبل عامين (72.7 بالمئة من أصل 55 بالمئة أدلوا بأصواتهم) بعد أن صوّت له أقل من 9 بالمئة من الناخبين في الدورة الأولى (18.4 بالمئة من أصل 49 بالمئة أدلوا بأصواتهم). بل إن ما خوّل سعيّد تنفيذ انقلابه ليس سوى تأييد القوات المسلّحة التونسية لقراراته، والحال أن صورة الاجتماع الذي ضمّه وقادة الأجهزة المسلّحة التونسية عند إعلانه لقرارته كفيلة بأن تؤكد لمن ساوره شكّ في الأمر أن ما جرى في تونس يوم الأحد الماضي هو انقضاض على الديمقراطية من نوع ما ألفنا في منطقتنا كلمّا تأزّمت الأوضاع في بلد ما.
وقد أكّدت الأحداث صحة التقدير الذي تم التعبير عنه على هذه الصفحات بين دورتي الانتخابات التونسية قبل عامين في مقال بعنوان «أهم دروس الانتخابات التونسية» («القدس العربي» 17/9/2019) أشرنا فيه إلى «علّة أساسية في النظام الدستوري الذي اعتمدته كلٌ من مصر وتونس بعد ثورتيهما والذي يستوحي من الأنظمة الرئاسية، الفرنسي منها على الأخص، فهذه صيغة قليلة الوفاء لشروط الديمقراطية الفعلية. وقد كان أحرى بالبلدين أن يعتمدا نظاماً برلمانياً مصحوباً بآليات ديمقراطية حقيقية تتيح للناخبين استبدال نوّابهم لو حاد أي من هؤلاء عن الأهداف التي تمّ انتخابهم من أجلها. وهذه الصيغة الأخيرة هي الوحيدة التي تليق بشعبين قاما بثورتين كان عنوانهما العريض «الشعب يريد»… فإن شرعية الرئيس أياً كان، الذي سوف تتمخّض عنه الدورة الثانية المقبلة في تونس، قد وُلدت هزيلة للغاية بما سوف يجعل حكمه حكماً بالغ الهشاشة في مرحلة من تاريخ تونس سوف تشهد لا مُحال عواصف اجتماعية متعاظمة. وبدل أن يستطيع الشعب فرض مشيئته على الحكم بآليات ديمقراطية، سوف تؤدّي الأوضاع إلى أزمات سياسية ودستورية، لاسيما أن الغموض يكتنف الصلاحيات الرئاسية في النظام الدستوري التونسي الراهن. وهذا دربٌ محفوف بالمخاطر قد يؤدّي في نهاية المطاف إلى الوأد بالديمقراطية على غرار ما حصل في مصر».
وعلى غرار ما حصل في مصر قبل ثماني سنوات، فإن الجسم الأعظم لليسار التونسي متمثلاً بالحركة العمّالية، التي تعبّر عنها قيادة «الاتحاد العام التونسي للشغل» قد وقع في فخّ تأييد الانقلاب والتوهّم (وإيهام الشعب في آن واحد) بأنه مجرّد «تصحيح» للمسار الديمقراطي، مثلما فعلت أبرز قوى اليسار المصري إزاء انقلاب «3 يوليو» علماً بأن منظمات سياسية يسارية تونسية مثل «حزب العمّال» الذي يرأسه حمّة الهمّامي قد أدانت تدابير سعيّد وحذّرت من انزلاق البلاد من جديد نحو الدكتاتورية.

كاتب وأكاديمي من لبنان