الرئيسية / مقالات / قيامة الوجدان في لبنان

قيامة الوجدان في لبنان

آسف وبي خيبة، أن أكرّر مرة أخرى خلال عقد، استذكار حكاية “الديكاميرون”. ليست مسألة تعب ذاكرة، والحمد لله، ولا نقص في الأمثال، لكنني عجزت عن العثور على نموذج أقرب إلى هذه الكارثة المستفحلة في كل ما قرأت على مرّ السنين. البعض اختار المقارنة مع “التيتانيك”، لكن المشابهة لا تتضمن سوى عنصر واحد هو الغرور بكونها الباخرة التي لا تغرق، أما في رواية الإيطالي جيوفاني بوكاشيو عن الطاعون الذي ضرب فلورنسا، فإلى جانب الغرور، هناك مكملاته الأخرى، القسوة والازدراء والإهمال.

“الديكاميرون” قصة عشرة أشخاص، سبع نساء وثلاثة رجال، تركوا فلورنسا إلى فيلّا قريبة يمضون فيها الوقت إلى أن تكون موجة الطاعون قد انتهت في المدينة ومن أجل تمضية الوقت يروي كل واحد من العشرة قصة يسلّي بها الآخرين. ما مجموعه مائة قصة فيها ما لذّ وطاب: مرح، فرح، جنس وأما “الموت الأسود” فهو عند الآخرين فقط. ليس تماماً. سوف يضرب ضواحي فلورنسا أيضًا. بالحكايات أيضاً، ألف منها، أنقذت شهرزاد نفسها كل ليلة من شهريار المولع بأعناق النساء. كان يخطر له أنه يستمتع بخداعها رغم معرفته أنها تقدّم له المخيّلات والكذب، ليس من أجله بل من أجلها.

“التيتانيك” أو طاعون الموت الأسود أو سيف شهريار، حكاية واحدة عن عدم الشعور بالكارثة. أو الاعتقاد أنها تقع دائماً في مكان آخر. سافرت مرة على باخرة مصرية وكان الفيلم الوحيد الذي تعرضه لتسلية الركاب عن مركب يغرق. العوض بسلامتكم.

تساءل سامي الجميل أين يعيش أهل السلطة. هذا ليس مهماً. المهم أنهم يعيشون في بلدنا وفي باخرتنا. فلورنسا القرن الرابع، للجميع. وهم يعتبرون أنّ الوباء لا يستطيع صعود التلال. فتبقى المدينة وحدها بلا مدارس وبلا مستشفيات وبلا رواتب وبلا أمل وبلا حكومة. سلطة صامتة معتصمة في وجه الناس، لا يعرفون ماذا تدير ولا ماذا تدبّر ولا لماذا وحدها لا تريد ما يريده مئات الآلاف من البشر: العبور إلى العصر.

لم يصدّق أهل الماضي بعد، أن عالمهم قد مضى. لا تزال الصين تعتبر أن هونغ كونغ جزء منها لأنها تتحدث لغتها. لكن لا صلة لعالم هونغ كونغ بجدتها القديمة، بعد قرنين من العيش في عالم آخر. هناك من الأثرياء في هذه الجزيرة نسبياً أكثر مما في عموم الصين. أقصد الصين في عظمتها الحالية. وقد صارت هكذا عندما أصغت إلى صيني يدعى لي كوان يو، كان قد تعلم رؤية المستقبل في أوكسفورد، تاركاً لكونفوشيوس الماضي.

كان القديس يوحنا فم الذهب أسقف القسطنطينية في القرن الخامس وكان يقول: “لا تسألوا كيف يمكن هذه الأفكار (العهد القديم) أن تكون صالحة في حين أن زمانها قد فات. اسألوا كيف كانت صالحة في الزمن الذي تطلّبها”.

أجمل، ولو ليس أهم، المواقف في ثورة 17 تشرين، كان موقف البطريرك الراعي ومن ثم الفاتيكان. ثمة عالم جديد، ناصح ومبارك، يمثّله هؤلاء الشبان المزروعين في الساحات وعلى الطرقات مثل سنابل حنطة.

لا شيء أكثر وضوحاً من هذا المشهد: السلطة تقرع أجراس الحزن والثورة تقرع الجرس نفسه فرحاً يهزّ القلوب ويفرج الصدور. السلطة مثل مُناظر مدرسة كئيب لا يعرف سوى جرس الإنذار، والثورة لا تسمع سوى أجراس العلوم والفكر والنجاح، وتلك الآفاق التي ارتادها لبناني يرغمونه الآن على تسوّل حكومة تؤمله باستعادة ما يستحق من حياة ومن كرامة في جنة الفساد.

أخيراً، استقال في العراق رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بعدما أنجز رجال الأمن قتل نحو 420 متظاهراً وأصابوا نحو 20 ألفاً. الواقع أنه رقم متواضع ومعقول، بالمقاييس العربية، بمعنى أنك زرعت الأسى فقط في 420 عائلة، والغضب في 20 ألفاً. هذا جزاء الصهاينة والصهيو-أميركيين. في لبنان العدد أقل والحيرة أكبر: يوم نرى أن خريطة العشرة آلاف كيلومتر مربع مزروعة بالصهيو-أميركيين من طرابلس إلى صور مروراً بسائر الديار، ويوم نريد الانضمام إلى وجعهم.

ليس بهذه السهولة. فالألم مسألة وجدانية تفجر الثورات من الينابيع لا من الاستلحاقات الحكومية. وفي الثورة قداسة لا تعطي نفسها للقساة. تأمّل وجوههم جيداً هؤلاء الأغرار الطيبين. تأمّل صمودهم في وجه الليل والنهار. واقفون مثل شجر السنديان، تمرّ بهم الريح وهم باسمون. تأمّلوا جيداً النسوة يقتحمن خطوط التماس التافهة والحواجز الوطنية الوهمية. هؤلاء النبلاء يجب أن نسير خلفهم في مسيرة العبور الرائعة هذه نحو العصر والمستقبل.

ربما ليس غداً. ولا بعد غد. قد يهزمهم اليوم الفقر والإفلاسات والمدارس المغلقة في وجوه أطفالهم. ولكن بعد اليوم، لن يجرؤ سارق على هذه الاستباحة الكافرة الفاجرة لأرزاق المساكين والبسطاء. قد لا تنجح الثورة، فالنجاح ليس قدر جميع الثورات ولا جميع الأنقياء. لكنها بدأت بإزالة أفكار وآثار القرن الرابع عشر و”الديكاميرون” وكل العشريات الأخرى. لا دلع بعد اليوم. وعلى من يتحمّل مسؤولية الحقيبة الرسمية أن يضع شنطته الخاصة على الباب. وكذلك أزلامه ومحسوبيه ووكلاءه في مضحكة الحسابات السرية.

كشفت الثورة عن لبنان الكامن والمقموع، عن المناقب والمواهب وشهامة الصمود. الفئة التي تضحّي بنفسها ووقتها وفرص المشاركة في الاستغلال كي لا يمضي النظام في التضحية بغير القادرين على تلقينه درس التأدب في معاملة الناس. الأهالي وحفظ الكرامات.

ثمار الثورة ليست دانية، لكن أغصانها لم تعد بعيدة أيضاً. يكفي ما زرعت من آمال وما ذرّت من أحلام. يكفي ما فرضت من حسن سلوك وما فرزت من مستويات. ولا يزال كل ذلك ضئيلاً أمام ما ستؤدي إليه دروبها على الطريق إلى الجمهورية التي تكمل سنتها المائة وهي منكسرة الدستور.

أدخلوا آمنين إلى جمهورية لبنان. فيها طوائف وخالية من الطائفية. فيها قياديون يحمون أهلهم ولا يجرونهم إلى التقاتل بسببهم. فيها أحزاب تحافظ على عيش الناس وقد تبلغت أنّ العبودية صار ينظر إليها كعار وليس كافتخار.

كل ما حلمنا به طوال قرن، جاء بسطاء الثورة وطرحوه أمامنا على الطرقات بلغة بسيطة واضحة ومباشرة. من أميركا اللاتينية إلى الجزائر إلى بيروت، لغة واحدة ضد الفساد. في بيروت وسانتياغو دو تشيلي والجزائر العاصمة والعراق وإيران، الناس لم تعد تطيق الحياة في ظلّ أنظمة غير قادرة على ضبط سعر الدولار. أو سعر الرغيف. ولا عادت قادرة على تحمّل البيانات الخاوية مثل أمعائها. ولا عاد النشيد القومي يردده أطفال الشوارع والمشردون وسكان المقابر. أو ما هو أقسى.

لست أشك في أنّ ثوار هذه البلدان تعلّموا بعضهم من البعض. وهكذا تشابه الموعد الأسبوعي بين الجزائر وهونغ كونغ. لكن حتى هذا ألغي الآن. وظلّ الاختلاف مؤسفاً. المئات يقتلون في تشيلي وإيران، الألوف في العراق.

وعندنا يتهمون وليد جنبلاط بقتل علاء أبو فخر، العادات القديمة لا تموت بسهولة. هؤلاء كانوا قد اتهموا سعد الحريري بقتل رفيق الحريري. دخول العصر مسألة معقدة، لكن المسيرة لن تتوقف. إنها المسيرة الأولى بلا زعامات وزعماء وبالروح بالدم. وبلا دلع.

اضف رد