قيادة المنطقة من العرب إلى مسلمين وغير مسلمين؟

اللقاء الثاني مع المسؤول الأميركي الكبير السابق نفسه، الذي لا يزال ناشطاً وعلى اطلاع واسع وعميق على قضايا الشرق الأوسط وآسيا على تنوّعها جغرافياً وسياسياً، تمّ قبل مغادرتي بلاده بيوم واحد. وكان اجتماعي الطابع في معظمه لكن تخللته إشارات مهمة منه وإن قصيرة تناولت موضوعات عدّة. توقع في بداية اللقاء أن يبادر رئيس حكومة الهند مودي بعد الانتخابات النيابية التي ستجري قريباً في بلاده والتي ينافس حزبه الهندوسي فيها حزب المؤتمر المرتبط تأسيسه بعائلة غاندي المعروفة، توقع أن تشن حملة شرسة على الاسلاميين المتشددين في بلاده والذين ربما يقارب عددهم المليون، وذلك طبعاً في حال بقائه رئيساً للحكومة. علّقت قائلاً إن غالبية المسلمين الهنود شيعة، والهند تستورد النفط أو نسبة مهمة من استهلاكها منه من إيران الاسلامية. ردّ: “واذا كانوا شيعة ألا تستطيع إيران استعمالهم إذا احتاجت الى ذلك؟ أليس الشيعة مسلمون؟”، تحدث بعد ذلك عن ترامب فقال: “إن إحصاء لكذباته” قد أجري في أميركا فتبين بنتيجته أن عددها بلغ عشرة آلاف. وهو في رأي علماء نفسيين على ما يسمى الـBorder Line أي على الحدود. فهو عاقل وطبيعي تارة وعكس ذلك طوراً”. تطرق الحديث بيننا بعد ذلك الى السعودية فأشرت الى أن المزاج في الكونغرس وفي مجلس الشيوخ كما في الاعلام والرأي العام في أميركا ليس في مصلحة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لأسباب عدة. ثم سألت: ألا تعتقد أن استمراره في الحكم وتنفيذه رؤيته “الاصلاحية” غير السياسية سينقل بلاده الى أواخر القرن العشرين، ويمهّد لانتقالها لاحقاً إذا نجحت تجربته الى القرن الواحد والعشرين؟ أجاب: “إحدى الشركات الكبرى التي نتعامل معها خرجت من اتفاق على تنفيذ مشروع في المملكة ولم تعد تريد العمل فيها، لأن بن سلمان مصرّ على “سعودة” واسعة للمشروع في أثناء تنفيذه وعلى مستويات عدّة. والخروج ليس تعبيراً عن رفض “للسعودة” ولكن بل عن اقتناع بأن تنفيذها كما يريدها ولي العهد يعني عجزاً عن العمل والانجاز. فبعضهم لا يعمل وبعضهم الآخر تنقصه المهارات رغم الشهادات الجامعية التي يحمل والتي حصل عليها من الخارج”.

بعد ذلك تحدثت عن الوضع الاجتماعي – الاقتصادي – الصعب للبنان وعن بدء الاحتجاجات الشعبية وعن عجز الحكومة عن الاصلاح وتلبية طلبات الناس وحاجاتهم، وأبديت تخوفاً من انفجار يؤدي الى تحرك خلطة ظاهرها عسكري أو سندها عسكري. فعلق متسائلاً: وباطنها “حزب الله”؟ أجبت: لا أدري. فسأل: “هل تعتقد أن أحداً غيره قادر على ذلك؟ أنا لا اعتقد”. أجبت: لا أحد غيره قادر. علّق: “لكن السؤال الذي يُطرح هل له مصلحة في ذلك؟”. أجبت: ربما. اذا بقي في سوريا مع ايران يكون أكثر قدرة على فعل ذلك وعلى نحو مباشر أو على حكم لبنان بالواسطة. واذا خرج منها ومعه إيران لن يبقى له وربما لفئات أخرى الا لبنان. ولذلك سيجد نفسه مضطراً للمحافظة على نفسه وعلى “شعبه” ما دام يمتلك القوة أو قبل أن يفقدها إذا فقدها.

ماذا في جعبة مشارك من داخل الادارة الأميركية في عملية السلام الشرق الأوسطية منذ بدئها قبل أقل من ثلاثة عقود بقليل تحوّل باحثاً مهماً في أحد أكثر مراكز الأبحاث صدقية في واشنطن؟ بدأ اللقاء بالقول: “كانت القيادة في العالم العربي لمصر. وكان العراق وسوريا يسعيان الى القيادة أيضاً في ذلك الوقت. الآن العراق “مشلّع” وسوريا مُدمّرة وتحتاج ربما الى عشرات السنوات كي تعود الى ما كانت عليه من حيث الدور وقبله من حيث العمران. ومصر فقدت دورها وهي مشغولة بنفسها. اذ عندها زيادة هائلة في عدد السكان، واقتصادها تعب جداً، وهناك إرهاب في شبه جزيرة سيناء وإرهاب في الداخل. والسودان القائم على حدودها خربان ويحكمه الأخوان من خلال البشير (سقط بعد هذا الكلام بشهر أو أكثر)، وله مشكلاته مع نفسه ومع مصر ومع الارهاب الذي يتسلّل اليها منه. وهناك ليبيا التي تهدد حربها الداخلية وحدودها مع مصر استقرار هذه الأخيرة. هل هناك الآن انتقال من قيادة عربية للمنطقة الى قيادة غير عربية واسلامية في آن؟ هناك إيران فهل تصلح لهذه القيادة؟ وهناك تركيا هل تصلح لهذه القيادة أيضاً؟ هناك إسرائيل هل تصلح للقيادة نفسها كذلك؟ وهناك السعودية والامارات العربية المتحدة إلى حد ما اللتان تتصديان لقيادة العالم العربي والاسلامي”. علّقت: صحيح أن لايران مشكلاتها وهي كثيرة. لكنها دولة إقليمية مهمة وقوية، شعبها فخور وعندها مؤسسات وإن غير ديموقراطية بمقاييسكم الغربية. كانت مهمة أيام الحكم الشاهنشاهي، وصارت اليوم مهمة وربما أكثر أهمية وقدرة وخطراً. فنظامها الاسلامي قوي عسكرياً وهي تستقطب الشيعة أو غالبيتهم الكبيرة في العالم العربي والاسلامي، وتخوض حرباً بالواسطة في المنطقة مع دول عربية عدة ومع إسرائيل كما مع أميركا. عندها إرهاب. لكنه إرهاب دولة، فإذا اتفقت معها تنهيه لأن ممارسيه شيعة. طبعاً لديها اتصالات مع تنظيمات إسلامية سنية صغيرة إرهابية تستعملها ولكنها تستطيع لجمها أو الاستغناء عنها. أما الإرهاب الاسلامي السني الذي مولته تركيا والسعودية وقطر ودعمه نظام الأسد فإن مموليه وداعميه لن يستطيعوا لجمه ومنعه من العمل ضدّهم داخل بلدانهم. وقد حصل ذلك. إيران لن تشن حرباً مباشرة على إسرائيل وحريصة مبدئياً على الابتعاد عن “الغلط” إلّا اذا حصل أمر مفاجئ. هدفها المبدئي فلسطين ومغتصبتها إسرائيل. وهدفها العملي سيطرة إسلامية – فارسية على المنطقة. وهي توظف المبدئي لتحقيق العملي. ماذا قلت أيضاً؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*