قواعد الاشتباك: بدأت بـ«الخط الأزرق» ولا تنتهي بالمسيَّرة

احاطت بامتحان 24 آب، عندما سقطت الطائرتان المسيّرتان الإسرائيليتان فوق الضاحية الجنوبية تكهنات وهواجس شتى بشأن قواعد الاشتباك. أتى بعد ذلك هجوم الحزب في الأول من أيلول على آلية إسرائيلية كي يضعه في خانة الرد على الغارة الإسرائيلية على دمشق قبل أيام، مع التأكيد أن الرد على إسقاط الطائرتين المسيرتين محسوم وحتمي، لكنه ينتظر توقيته المناسب.

مع أن تعبير «قواعد الاشتباك» ليس محدثاً، ويعود إلى عام 2000، إلا أنه دخل في الأسبوعين المنصرمين في القاموس اليومي للمفردات الأكثر توتراً لدى اللبنانيين، وفي الوقت نفسه مصدراً للذعر تارة، والتخويف طوراً لدى خصوم الحزب.
أولى قواعد اشتباك رُسمت بين لبنان وإسرائيل، من غير أن يكون حزب الله طرفاً مباشراً فيها، كانت على إثر انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب في أيار 2000، والمفاوضات التي أجراها لبنان مع الأمم المتحدة عبر موفدها تيري رود لارسن لرسم خط حدودي جديد نجم عن الانسحاب هو «الخط الأزرق». يومذاك، رفضت إسرائيل الاعتراف بلبنانية مزارع شبعا، وتالياً الانسحاب منها، متمسكة باحتلالها لها بأن اعتبرتها خارج «الخط الأزرق»، عندئذ عدّها لبنان ومعه حزب الله أرضاً محتلة، للمقاومة حق مشروع في تنفيذ هجمات على المزارع تلك. أما «الخط الأزرق» – وقد اعتمده لبنان ولا يزال خط انسحاب وليس خط حدود دولية – فاحترمه الطرفان، من غير أن ينجو من عدد من الحوادث الأمنية المتفرقة من حين إلى آخر، لكن من غير أن تنطبق عليه مواصفات مزارع شبعا التي أضحت منطقة عمليات عسكرية توسّعت ما بين عامي 2000 و2006.
تبعاً لمعادلة الفصل بين «الخط الأزرق» ومزارع شبعا، وُلدت أولى مقومات قواعد الاشتباك التي أبلغها لبنان إلى لارسن، وبدا الرجل يفاوض عن إسرائيل أكثر منه ممثلاً للأمم المتحدة. مفاد قواعد الاشتباك تلك الآتي: ما دامت إسرائيل انسحبت إلى ما وراء الحدود، فليس لها أن تخرق «الخط الأزرق»، ما يعني أن كل انتهاك للأراضي اللبنانية سيُقابل بمثله للأراضي المحتلة. في مقابل اعتداء إسرائيلي عبر «الخط الأزرق»، سيُرد عليه عبر «الخط الأزرق» أيضاً، وفي مقابل اعتداء على العمق اللبناني يُرد عليه في العمق «الإسرائيلي»، وفي مقابل اعتداء من مزارع شبعا التي هي خارج خط الانسحاب يُرد عليه في المزارع المحتلة.
ثانية قواعد الاشتباك كرّست القواعد الأولى وثبّتتها على إثر حرب تموز 2006، آخذة في الاعتبار إخفاق إسرائيل في تدمير حزب الله وصدور القرار 1701، وتوسيع نطاق دور القوة الدولية والجيش اللبناني في منطقة فصل ما بين الحزب شماليّ نهر الليطاني وإسرائيل وراء «الخط الأزرق». وخلافاً لما رافق وضع القواعد الأولى في ظل وجود الجيش السوري في لبنان وسلطة سياسية حليفة لحزب الله وفّرت له الغطاء الكامل وفاوضت الأمم المتحدة بالنيابة عنه إلى حد، رافق حرب 2006 تطوران بارزان: خروج سوريا من لبنان وصعود سلطة سياسية مثلتها قوى 14 آذار مناوئة لحزب الله أربكته إلى حد بعيد إبان المواجهات العسكرية. لم تحترم السلطات السياسية اللبنانية قواعد اشتباك 2000 وإطلاق يد حزب الله إلا بعد أحداث 7 أيار 2008 التي وضعت حداً للدور السلبي لسلطة قوى 14 آذار حياله، وفرضت عليها الإقرار بواقع القواعد تلك التي تمكّن حزب الله – كمقاومة – من الرد على كل انتهاك إسرائيلي. مذذاك، أُعيد الاعتبار الرسمي اللبناني إلى قواعد الاشتباك، وإشعار حزب الله، في مواجهة إسرائيل، بأن له ظهيراً يشبه – وإن بتحفظ – مرحلة 2000.
منذ عام 2006 إلى البارحة، انتهكت إسرائيل قواعد الاشتباك مرتين في مدة متباعدة: في 18 كانون الثاني 2015 باغتيالها في القنيطرة جهاد عماد مغنية، فلوّح الأمين العام للحزب بالرد من لبنان على كل تعرّض لمقاتليه في سوريا بغية تأمين حماية لهم في دعمهم نظام الرئيس بشار الأسد. تكرّر الانتهاك في 24 آب 2019 عندما أغارت إسرائيل على ريف دمشق وقتلت مقاتلين للحزب هما حسن زبيب وياسر ضاهر، فردّ حزب الله في الأول من أيلول بهجوم على آلية إسرائيلية داخل الأراضي المحتلة. في الغداة، 25 آب، وكانت قد سقطت طائرتان مسيّرتان فوق الضاحية الجنوبية، وضع نصرالله قاعدتين جديدتين للاشتباك من ضمن قدراته القتالية: أولى، وجود الحزب في سوريا امتداد لوجوده من لبنان، والرد تالياً يكون من لبنان كما لو أن الاعتداء في لبنان بالذات. ثانية، اعتبار الطائرات الإسرائيلية المسيّرة فوق الأراضي اللبنانية هدفاً للحزب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*