الرئيسية / مقالات / قمع التظاهرات واتهام “الأعداء” بتنظيمها لم يعد مقنعاً؟

قمع التظاهرات واتهام “الأعداء” بتنظيمها لم يعد مقنعاً؟


سركيس نعوم
النهار
05072018

لا يشك أحد من متابعي الأوضاع في الجمهورية الاسلامية الايرانية في أن هناك وجوداً شعبياً معارضاً لها أو بالأحرى للنظام الديني الذي أسّسته عام 1979 بعد النجاح السريع للثورة العارمة التي دعا اليها الراحل آية الله الخميني من منافيه المتعددة التي كانت فرنسا آخرها. وهذا أمر تعرفه بدقة قياداتها العلمائية والعسكرية ثم السياسية، وتعرف معه أنه لا يشكل خطراً عليها على الاطلاق. والسبب الأساسي لذلك كان ولا يزال القمع المستمر والناجح لهذا النوع من المعارضة الرافضة، وهجرة قادتها المتنوعين الى الخارج تلافياً للسجن أو ربما للقتل الرسمي بواسطة أحكام الاعدام. وعلماً أيضاً أنه كان لذلك سبب أساسي آخر هو غضب غالبية الشعب الإيراني على النظام الشاهنشاهي الذي حكمه عقوداً عدة، لدوافع متنوعة منها تديّنها ورفضها ممارسات الأجهزة الأمنية الرسمية، ورغبتها في حرية سياسية وشعبية ودينية ظنّ قادتها أنها لا تتعارض او تتناقض مع النظام الاسلامي في إيران. وعلماً أخيراً أنه كان هناك سبب أساسي للمعرفة المُشار اليها يمكن تلخيصه بالطبيعة الفخورة للشعب وبشعوره الوطني الطاغي وبتاريخه القديم والعريق والقيادي الذي يدفعه الى رفض الانقياد الى الخارج ولا سيما الدول الكبرى والعظمى. لذلك فإن السؤال أو الأسئلة التي تفرض نفسها على الايرانيين وعلى جوارهم المباشر العربي وغير العربي كما على العالمين العربي والاسلامي، بل على العالم كثيرة منها: هل صار معارضو النظام الاسلامي في ايران قادرين على التحرّك علانية لقلب نظام عادوه منذ تأسيسه، ولكن بالتدريج أي بواسطة استغلال أخطائه وارتكاباته وقمعه والاحتجاج عليها بتظاهرات شعبية؟ وهل صارت الدول الكبرى والعظمى وفي مقدمها الولايات المتحدة التي مارست الزعامة الآحادية للعالم منذ بداية انهيار الاتحاد السوفياتي أواخر ثمانينات القرن الماضي، والتي لا تزال القوة الأولى فيه عسكرياً وبحثياً وعلمياً وتكنولوجياً واقتصادياً، رغم عودة التحدي لزعامتها من روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي ومن الصين التي تصعد سلم “العظمة” العالمية بتؤدة ولكن بثبات، هل صارت قادرة على العمل من داخل إيران لإسقاط نظامها الاسلامي أو لإضعافه أو لجعله ينسجم مع قواعد النظام العالمي التي خرقتها كلها؟

الجواب الذي كان العالم القريب والبعيد يسمعه في أعقاب تظاهرات احتجاجية شعبية من أركان النظام الاسلامي الايراني كان يحمّل “المنافقين” والمعادين للاسلام ولإيران ولأميركا ودول كبرى عدة ولدول اسلامية عربية وغير عربية مسؤوليتها. وكان يقمعها بالقوة مع حرص على عدم الافراط في إهراق الدم لأنه يستسقي الدم كما يُقال. ثم يعمد الى اعتقال مواطنين إيرانيين من حملة جنسيات أجنبية بتهمة التخطيط لها والتحريض عليها.

لكن العالم وخصوصاً المعادي لها أو لإسلامها في الحكم واستراتيجيتها التوسعية في رأيه كان يعرف أن قادة إيران الاسلامية يعرفون أن دوله الكبرى تخلت ومن زمان عن “قرار” إسقاط نظامها لعجزها، ويستعملون ذلك لإبقاء التعاطف الشعبي معهم والتأييد العارم لهم كبيراً.

لكن التظاهرات الشعبية التي بدأت تشهدها إيران في السنوات القليلة الماضية وتحديداً منذ “تورّطها” أو بالاحرى دخولها طرفاً أساسياً لا شريك له في البداية في الحرب السورية، وجهرها بهدفها الأول الذي ستمكنها الحرب من تحقيقه وهو إقامة محور العراق – فلسطين (غزة) – سوريا – لبنان وسيطرته على قلب العالم العربي، لكن هذه التظاهرات لم يقم بمعظمها جمهور الاعداء الأصليين والثابتين للنظام. بل مواطنون كثيرون فاقمت الحرب و”التورّط” المشار إليهما مع العقوبات الأميركية والأوروبية والدولية صعوباتهم المعيشية، وأضعفت القيمة الفعلية لعملتهم ومداخيلهم وخفّضت مستوى معيشتهم الى حدود دنيا. هم الذين ظنّوا دائماً أنهم لن يصلوا الى عتبة الفقر لأن بلادهم غنية بالزراعة والمياه والنفط والغاز وبثروات طبيعية عدة، ولأنهم شعب جدّي وبراغماتي في آن يستعمل عقله ويشتغل بشغف لتأمين قوت عياله وأولاده، ولا يرفض التضحية بالذات حفاظاً على الوطن اذا كان معتدى عليه، وقد برهن ذلك. ولكن ليس إذا كان حكامه أصحاب طموحات امبراطورية وإن باسم الدين أو ربما المذهب.

طبعاً لم تكن التظاهرات المشار إليها حاشدة ذلك ان النظام الاسلامي الايراني نجح بعد توقيعه “الاتفاق النووي” في تهدئة شعبه كله لتوقّعه أن يؤدي الى رفع العقوبات وان بالتدريج، والى بدء إعادة بناء إيران بعد عقود من الحصار، والى إعادة الصحة الى الوضع الاقتصادي والحياة المرتاحة مادياً أولاً الى المواطنين كلهم. لكن ذلك لم يحصل لأن ايران تابعت تنفيذ استراتيجيتها التوسعية من خلال العراق وسوريا ولبنان بدلاً من أن تتحاو مع أميركا أوباما، كما وعدت استناداً الى الأخيرة، من أجل تهدئة المنطقة ودفعها الى الاستقرار. خيّب ذلك الشعب وهذه المرة غالبيته المؤيّدة للجمهورية الاسلامية. كيف عبّرت عن ذلك؟ بعدما وصل دونالد ترامب الى رئاسة أميركا قبل سنة وسبعة أشهر وبضعة أيام، ومعروف عداؤه لإيران، انسحب من “الاتفاق النووي” معها وأعلن اعتزامه فرض عقوبات جديدة عليها، واخفق حلفاؤه الأوروبيون و”أخصامه” الروس حتى الآن في حماية الاتفاق الذي أكدوا استمرارهم فيه. عندها أدرك القادة في طهران صعوبات وضعهم واقتراب تعرض بلادهم وشعبهم الى متاعب جديّة ومفجِّرة. وأدركوا أيضاً أنهم لن يعودوا قادرين على اتهام أعداء النظام داخلاً وخارجاً بالتحرّك ضده، ولا سيما بعد تظاهرات مدينة مشهد المقدسة قبل أشهر التي امتدت الى 107 مدينة وبلدة، والتي دعا اليها إمام أهم مسجد فيها معروف بموالاته للنظام بل للمحافظين المتشددين فيه.

ما هو المتوقع في إيران اعتباراً من الآن؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد