قمة استراتيجية في الرياض

جاءت زيارة الرئيس فلاديمير بوتين للرياض أمس ولأبوظبي اليوم، على مفترق تطورات إستراتيجية وسياسية وأمنية وإقتصادية مهمة جداً، ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل على المستويات الدولية. صحيح ان العلاقات بين موسكو والرياض تمتد الى بدايات الربع الأول من القرن الماضي، عندما كان الإتحاد السوفياتي، أول دولة غير عربية تعترف عام ١٩٢٦ بإستقلال المملكة، وصحيح ان هذه العلاقات إستمرت دافئة منذ ذلك التاريخ، لكن خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمير محمد بن سلمان سيدفعانها الى مستويات جديدة إستراتيجية، تتناسب مع الدور المحوري المهم لكل منهما، في إطار يرسي توازناً على العلاقات الدولية، من منطلق سوق النفط، الذي تلعب روسيا والمملكة دوراً قيادياً فيه.

لا داعي الى التذكير بالسياسية الحاذقة التي ينفذها الرئيس فلاديمير بوتين، والتي أعادت الى روسيا دورها على المسرح الدولي وفي الإقليم، لكن من الضروري أيضاً التوقف ملياً عند سياسة الملك سلمان، منذ كان ولياً للعهد حيث عمل على هندسة خريطة دولية للعلاقات السعودية مع القوى الرئيسة في العالم، على قاعدة من الواقعية السياسية والتوازن الضروري الذي يخدم المملكة، وفق براغماتية تسهم بالتالي في إرساء حوض تعاوني على المستويين الإقليمي والدولي.

ليس خافياً على الرياض تصاعد فاعلية الدور الروسي في هذه المنطقة، التي ترسم خريطة ملتهبة من الصراعات، ولا هو خافٍ بالطبع على موسكو ان السعودية تبقى دائماً، أشبه بحجر الرحى سياسياً واقتصادياً في منطقة تمثل الشريان التاجي للعجلة الصناعية الدولية، وهو ما يجعلها دائماً البوابة العربية والخليجية لعبور العالم الى المنطقة وعبور المنطقة الى العالم. وعلى هذا ستنشأ قاعدة تعاون إستراتيجي مهم بين البلدين، خصوصاً بعد المحادثات بين بوتين وولي العهد الأمير محمد عام ٢٠١٥، ثم القمة مع خادم الحرمين الشريفين عام ٢٠١٧، ثم المحادثات في قمة العشرين في أوساكا بين بوتين وولي العهد، الذي قال إن علاقات البلدين تشهد تطوراً كبيراً في كل المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والإجتماعية، وهو ما أثمر توقيع ثلاثين إتفاقاً خلال زيارة بوتين بقيمة ملياري دولار. والمعروف ان زيارة ولي العهد لموسكو عام ٢٠١٥ أطلقت صندوقاً إستثمارياً مشتركاً بقيمة عشرة مليارات دولار.

تعمد بوتين عشية وصوله تكرار إدانته للهجوم على “أرامكو” مشدداً على أهمية العلاقات التاريخية بين البلدين، وهو ما دفع المحللين الى القول ان بوتين الذي يرتبط بعلاقات متينة مع إيران يمكنه ان يلعب دوراً في التوتر الذي ينتج من التدخلات الإيرانية المزعزعة للإستقرار في المنطقة، وفي السياق أكد مستشار الكرملين يوري أوشاكوف ان المحادثات تناولت ضمان إستقرار أسعار النفط والوضع في سوريا والخليج واليمن.

هذه قمة تاريخية كما قال عادل الجبير وكذلك كيريل ديمترييف بإعتبار أن التعاون المشترك بين البلدين لا حدود له، وانها قمة ترسّخ دور روسيا كطرف فعّال في تحقيق الاستقرار في المنطقة، وفي المقابل فإنها تؤكد أهمية دور المملكة كمرجعية فعالة على المستويين الإقليمي والدولي. ما يجب التوقف عنده لتأكيد الأهمية الاستراتيجية للسعودية، إعلان الولايات المتحدة عشية وصول بوتين الى الرياض، إرسال عدد كبير من القوات الإضافية الى السعودية، فقد أعلن وزير الدفاع مارك إسبر، أن واشنطن ستنشر ثلاثة آلاف جندي ومنصات صواريخ “باتريوت” ومنظومة “ثاد” الصاروخية المتطورة، متهماً إيران بالهجوم على “أرامكو”، وكل هذا يؤكد أهمية المنطقة بالنسبة الى الأمن القومي الأميركي وكذلك الدور الروسي الناهض بقوة!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*