الرئيسية / home slide / قلعة هونين اللبنانية في الجليل ما زالت تقول من هنا مر الغزاة

قلعة هونين اللبنانية في الجليل ما زالت تقول من هنا مر الغزاة

وديع عواودة
07112021

الناصرة ـ «القدس العربي»: حتى نكبة فلسطين عام 1948 قامت ضمن الجليل الأعلى سبع قرى لبنانية تم تدميرها من قبل القوات الإسرائيلية وبنيت على أنقاضها مستوطنات كثيرة وهي تربيخا، وصلحا، والمالكية، والنبي يوشع، وقدس، وآبل القمح وقرية هونين، التي تعتبر أكبرها وأهمها وتمتاز بقلعتها الأثرية المهيبة حتى اليوم. وانتقلت ملكية القرى اللبنانية السبع بجرة قلم سنة 1923 من لبنان التي كانت ممثلة بالانتداب الفرنسي وفلسطين بمندوب الانتداب البريطاني وبضغط من جهات يهودية ولاحقا أنشأت على أنقاضها مستوطنات يهودية وتعالت أصوات لبنانية في الماضي تطالب باستعادتها وهذه هي القرى والمستوطنات المقامة عليها:
تربيخا اقيم على أراضيها: شوفرة ومزرعيت وشتولا
صلحا اقيم على اراضيها: بيرؤون
قدس واقيم على أراضيها: يفتاح
المالكية اقيم على أراضيها: ملكياه
النبي يوشع اقيم على أراضيها: رموت نفتالي
هونين واقيم على أراضيها: مرغليوت
ابل القمح واقيم على أراضيها: يوفال
وبخلاف بقية القرى السبع فقد هدمت بيوت المالكية في فترة متأخرة، عام 1967 وفي قرية النبي يوشع لا يزال يقوم حتى اليوم مقام ضخم جدا أشبه بالمسجد كان يستقطب آلاف الزائرين في موسم ديني عرف باسمه حتى عام 48 ويتعرض اليوم لاعتداءات متتالية وهو الآخر لم ينج من أيادي العبث حيث لا تزال بادية آثار كلمات الآية «واعتصموا بحبل الله» المنحوتة في لافتة حجرية في مدخله، وهناك دلائل على مخطط يجري تنفيذه لتحوير هويته الإسلامية.
ومن خلف هذه القرى المهدمة يمتد مرج قدس الخصيب المزروع ببساتين التفاح والخوخ وعلى أراضيه قامت واعتاشت قرى كثيرة أشهرها قرية قدس التي ما زالت مياه عينها تتدفق مقابل معبد الشمس وهو موقع أثري مهيب من العهد الفرعوني غني جدا بالآثار العمرانية والحجارة العملاقة التي تدل على عظمة الموقع التاريخي في عصور غابرة.

مية قدس وبانياس خمادة الأنفاس

ويعتاد المرشد نمر نمر من بلدة حرفيش على القول للزائرين في منطقة القرى السبع المتجاورة متوددا، إنه ليس بوسعهم الشرب من ماء قرية قدس لأن الناس كانوا يرددون القول «مية قدس وبانياس خمادة الأنفاس» لافتا إلى أن سبب إهمال السلطات الإسرائيلية للموقع رغم قيمته الأثرية البالغة لكونه يخلو من أي صلة لليهود. وفي موقع بري في مدخل قدس برز قبر إسمنتي يتيم يعود لأحد سكان قدس الذي هاجر للبنان ودفنه أولاده هناك وفاء له ولوصيته بعد أن تسللوا في سنوات الستينيات ففاز بالعودة رغم وفاته بفضل إصرار بنيه على ذلك.
وحسب كتاب المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي «كي لا ننسى» كانت قرية هونين تقوم على حرف جبل قليل الارتفاع وعدد سكانها نحو 1890 نسمة، ومع أن التلال المحيطة بالقرية كانت غير مزروعة فقد كانت أراضي الوادي الأدنى منها تزرع وكان في هونين مسجد ومدرسة ابتدائية للبنين. كما يشير الخالدي في كتابه أن الزراعة كانت عماد اقتصاد القرية، وفي موسم 1944/1945 كان ما مجموعه 5978 دونماً مخصصاً للحبوب و859 دونماً مروياً أو مستخدماً للبساتين. منوها إلى أن مستعمرة مسغاف كانت قد أنشئت في سنة 1945 في الشطر الشمالي من أراضي القرية وكان المهاجرون اليهود من العراق واليمن أنشأوا قبل ذلك مستعمرة مرغليوت على أراضي القرية في سنة 1951 جنوبي موقع القرية مباشرة.

عيون وآبار

ويشير المؤرخ مصطفى عباسي ضمن حديثه لـ «القدس العربي» أن هونين كانت في العهد العثماني مركزا لناحية تابعة لقضاء مرجعيون، ولكن في العام 1923 ضمت إلى فلسطين هي وبعض القرى اللبنانية ضمن تعديل للحدود بين سلطات الانتداب البريطاني والفرنسي. يشار إلى أن معظم أراضي هونين جبلية باستثناء السهل الضيق إلى الغرب من القرية والذي بنيت عليه مستوطنة مرغليوت. ويشير عباسي ابن قرية الجش إحدى قرى الجليل الناجية من التدمير، أن من أبرز عيونها عين العجّال وتقع للشرق من القرية واستخدمت لري المواشي ومن هنا تسميتها، وعين العلق وتقع للشرق أيضا من القرية تروي مياهها الحقول والبساتين المجاورة وعين العلم وتقع للجنوب من هونين وكانت مياهها الغزيرة تروي السكان وهي أكبر ينابيع البلدة. وبالإضافة للينابيع هناك 40 بئرا في هونين عدا آبار كبرى داخل القلعة التاريخية الكبيرة.

الجسد في فلسطين والقلب في لبنان

ويستذكر الباحث في الروايات الشفوية جميل عرفات، أن أربع حمائل كبيرة سكنت هونين هي آل شحرور وآل الحدرج وآل البرجاوي اللبنانية وآل طهماز، كما سكنتها عائلات صغيرة العدد منها حسون، وخليل، وفقيه، والشاعر، وشبيب، وعبد الله وموسى. منوها أنه رغم وجودهم ضمن الحدود الفلسطينية فقد استمر أهالي هونين على علاقاتهم الوثيقة مع سكان جبل عامل وكانوا أكثر ولاء لزعيم الشيعة في جنوب لبنان أحمد بك الأسعد من ولائهم لأي شخصية فلسطينية. ويشير عرفات في حديثه لـ «القدس العربي» لوجود مختارين في هونين هما محمد واكد الحدرج وشاكر شحرور، وكانت علاقاتهما جيدة مشيرا لعمل أهالي القرية في الزراعة والرعاية وفي وظائف حكومية كالشرطة والجمارك. وينوه مصطفى عباسي في هذا المضمار أن أهالي هونين لم يبرزوا في النشاط السياسي خلال فترة الانتداب فقد اعتبروا انتزاعهم من لبنان ظلما ليس له ما يبرره وقد تحولت قريتهم من مركز ناحية في جنوب لبنان إلى قرية حدودية نائية في فلسطين.

قلعة هونين

تقع قرية هونين في أقصى شمال الجليل الأعلى أو ما يعرف بإصبع الجليل، وهي متاخمة للحدود مع لبنان تبدو قلعتها التاريخية من بعيد كالأسد الرابض في عرينه يطل على ما دونه من الأراضي الواسعة في بلاد جبل عامل ومرج عيون وجبل الشيخ والجليل الأعلى. ولذا لم يكن صدفة أن اختار الصليبيون بناء القلعة الحصينة في هذا الموقع ضمن سلسلة قلاع بنوها للدفاع عن مملكتهم مثل قلعة النمرود وقلعة بانياس وقلعة تبنين وقلعة شقيف في جنوب لبنان. ويوضح مرشد الطبيعة صالح خلايلة لـ «القدس العربي» أن قلعة هونين قلعة صليبية على قمة جبال المنارة في أعالي الجليل الشرقي، تطل على سهل الحولة وجبل الشيخ وشمال هضبة الجولان السوري المحتل. بنيت عام 1107 وكانت وظيفتها حماية ومراقبة حدود المملكة الصليبية كسائر القلاع. كما تطل هذه القلعة على قلعة النمرود في الشرق التي كانت تقيم فيها وقتذاك جيوش عربية إسلامية. احتل شقيق صلاح الدين الأيوبي الملك العادل قلعة هونين بعد معركة حطين الفاصلة عام 1187 بعدما حاصرها لمدة نصف عام ولاحقا هدمها الملك المعظم حاكم دمشق سنة 1220 إلا أنها رممت عام 1240 خلال فترة المملكة الصليبية الثانية. وبين الكر والفر احتلها مجددا السلطان المملوكي بيبرس عام 1266 وعمل على ترميمها وترك بصماته على عمارتها، فقد اعتاد المماليك على بناء بوابة الدخول للقلعة في الجهة الجنوبية ومن ورائها الغرف المقوسة (الأقبية) والسور والمسجد، ويحيط بالقلعة خندق حفرت أجزاء منه في الصخر. ويستذكر خلايلة أن قسما من هذه القلعة قد دمر جراء الهزة الأرضية الكبيرة التي ضربت المنطقة عام 1837. ويوضح المؤرخ مصطفى عباسي ابن قرية الجش المجاورة لهونين أن القلعة أصبحت مع الأيام قاعدة الحكم في المنطقة، ففيها كان مقر الحاميات العسكرية حتى في أيام سيطرة القوى المحلية والعائلات المتنفذة في العهد العثماني كعائلة علي الصغيرّ وعائلة قبلان وعائلة الشيخ ناصيف قضاء مرجعيون اللبنانية.

نكبة 1948

ولاحقا استخدم أهالي قرية هونين القرية المجاورة للقلعة قسما كبيرا من حجارتها وقد كانت هذه أكبر قرى المتاولة (الشيعة) في الجليل وأكبر قرى قضاء صفد بعد قرية الخالصة وما زال بعض قبورها موجودة شمال خندق القلعة حتى اليوم بعدما نجت من يد الهدم والتخريب والتهجير عام 1948. وبنيت على أنقاضها مستعمرة «مرجليوت». ويقول المؤرّخ الإسرائيلي بيني موريس أن سكان القرية قدّموا طلبًا لتوقيع اتفاق عدم الاعتداء مع مستوطنة كفار جلعادي القريبة على أن تخضع القرية للجيش الإسرائيلي سلمًا، لكنّ موافقة دافيد بن غوريون جاءت متأخّرة بعد خمسة أيّام من مهاجمة القرية بالمدفعيّة وهدم نحو عشرين بيتًا من بيوتها خلال نكبة 1948. وحسب روايات تاريخية وشفوية هاجم القرية جنود وحدة «البلماح» بقيادة الضابط يغآل الون، ضمن عملية يفتاح لتطهير الجليل الشرقي الأعلى وأعدموا فيها عشرين من أبنائها، ثم هدموا بعض البيوت، وحرقوا ما يمكن حرقه. أما من بقي حياً، فتم تهجيرهم شمالاً، وأزيز الرصاص فوق رؤوسهم، وكان ذلك بعد ايام من خطف الجنود اليهود لثلاث فتيات قتلن بعد اغتصابهن.

مسجد هونين

ومن ضمن المواقع الأثرية في هونين مواقع كثيرة منها تل عين السابور وتل الميروم، ويحتويان على مدافن منقورة في الصخر ومقبرة رومانية وأساسات وجدران ومعاصر وفخار وحصن وقلعة ومسجد تم هدمه وتفجيره في نكبة 48 وهو اليوم كومة خراب. وعلى بعض جدران المسجد المهدم ما زالت آثار نقوش كتبت فيها:
ومسجد فاز ببنائه…. ذو الفضل قبلان حليف الندى
كيف وقد قال لنا جعفر….والقول حق من بنى مسجدا
مذ أمه الناس وصلوا به…. أرخت خروا ركعا سجدا
وضمن عملية احتساب المعنى الزمني لهذه الكتابة الشعرية التي تؤرّخ للموقع، فقد بني عام 1166 هجري. ويشير جميل عرفات أن الشيخ محمود البرجاوي كان آخر إمام في مسجد هونين الذي دمرته العصابات الصهيونية وللجنوب منه ما زال يقوم مقام ولي الله عباد.

 وديع عواودة