الرئيسية / home slide / قلتُ لكم إنّها فقط مسألةٌ أخلاقيّةٌ لا سياسيّة

قلتُ لكم إنّها فقط مسألةٌ أخلاقيّةٌ لا سياسيّة

20-11-2020 | 00:00 المصدر: النهار

عقل العويط

لوحة لمنصور الهبر.

ثمّة مشكلاتٌ سياسيّةٌ لبنانيّةٌ – بنيويّةٌ وجوهريّةٌ وخطيرةٌ – بالتأكيد، لكنّها تُحَلّ بالسياسة. أو هكذا يجب أنْ تكون. غير انّ ما يجري في لبنان ليس مسألةً سياسيّة بل أخلاقيّة في المقام الأوّل. أقلّ ما يجب أنْ يفعله السياسيّ، المسؤول، الحاكم، عندما يفشل أو يرتكب، هو أنْ يعترف. أنْ يخبّئ وجهه خجلًا. أنْ يطأطئ عينيه. أنْ يختفي عن أنظار الناس. أنْ يستقيل. أنْ يطلب السماح. أنْ يطلب المغفرة. أنْ يرعوي. أنْ يصمت. أنْ يشعر بالخزي. أنْ يختفي تحت سابع أرض… هذا أقلّ ما يتوقّعه الناس من السياسيّ، من المسؤول، من الحاكم، وخصوصًا إذا كان صاحب سلطة وقرار ونفوذ ومال وسلاح… في بعض الدول، عندما ينفلت زمام الأمور، ولا يعود في مقدور صاحب السلطان أنْ يمنع الأذى عن بلاده وشعبه، يخاطب الناس ويواجههم بالوقائع والمعطيات، بعد أنْ يعترف بعجزه أو فشله أو ارتكاباته وأخطائه، طالبًا من القضاء – السيّد الحرّ المستقلّ – أنْ يضع يده على القضيّة، وأنْ ينظر فيها، وأنْ يميط اللثام عن الحقيقة، وأنْ يحكم بالعدل، وأنْ يُحاكَم إذا دعت الضرورات إلى ذلك. في بعض الدول، وفي بعض الحالات تحديدًا – من مثل تفجير مرفأ بيروت باعتباره جريمةً جماعيّةً ضدّ الإنسانيّة – يرفع الحاكم الحصانة عن نفسه. يستقيل طوعًا من منصبه، لئلّا يتأثّر القضاء، أو يشعر بالإحراج.  في بعض الدول، وفي بعض الحالات تحديدًا، ينتحر الحاكم بسبب ما يشعر به من تعذيب وتبكيت ضمير، معتبرًا أنّ المسألة مسألة ضمير، وأنها على وجه التحديد والتعيين وفقط، مسألة معياريّة وقِيميّة وأخلاقيّة. أيجب في أحوال كهذه، أنْ تنكشف “الحقيقة”؟ بالنسبة إليَّ، أنا المواطن العاديّ (المواطن حصرًا)، جوابي: لا. قطعًا. 

‏ المسؤول حارسٌ للدستور، ساهرٌ على القانون، وحافظٌ للبلاد وناسها. عندما يحصل شيءٌ مأسويٌّ وكارثيٌّ فوق العادة، فوق الاحتمال، بحيث تُنتَهَك سلامة البلاد انتهاكًا جهنّميًّا، وتتعرّض حياة الناس للإبادة الجماعيّة، ماذا يُفترض بالسياسيّ، بالمسؤول، بالحاكم، أنْ يفعل – أخلاقيًّا – لا قانونيًّا ولا سياسيًّا فحسب؟ أخلاقيًّا، ماذا يجب أنْ يفعل؟ قبل أيّامٍ قليلة، تعرّض أستاذٌ جامعيٌّ مرموق (ابن قاضٍ سابق مرموق) هو الدكتور #مكرم رباح؛ كاتبٌ وصحافيٌّ وناشطٌ مدنيٌّ علمانيٌّ مرموق، وصاحبُ رأيٍ عالٍ وموقفٍ حرّ، تعرّض للإهانة والإذلال (غير القانونيّين وغير الأخلاقيّين) في #مطار بيروت. أيجب أنْ تمرّ مسألةٌ “صغيرةٌ” كهذه مرور الكرام في عين السياسيّ، المسؤول، الحاكم؟! بيروت شبه مدمّرة. المرفأ المنارة أشبه ما يكون بمشهدٍ قياميٍّ في فيلمٍ افتراضيّ. أكثر من نصف اللبنانيّات واللبنانيّين، يعيشون تحت خطّ الفقر. المستشفيات تدقّ جرس الإنذار الأخير. الليرة الوطنيّة تنوء تحت الخراب. الجوع يفتك بالفقراء و”متوسّطي” الحال. ممنوعٌ إقرارُ “الدولار الطالبيّ”. الكرامات الشخصيّة والوطنيّة تحت الأحذية.  هل يجب أنْ أسأل أين الحكومة، أين حكومة الاختصاصيّين المستقلّين؟ وبعد، ماذا تريد – بعد – أيّها السياسيّ، المسؤول، الحاكم؟ ماذا تريد بعد؟! قلتُ في البداية، إنّها ليست مسألةً سياسيّة. إنّها فقط مسألةٌ أخلاقيّة. والسلام.