الرئيسية / home slide / قطع أثرية معروضة في قصور سياسيين وحدائق زوجاتهم… وغطاء أهل السلطة لسماسرة بشعار “مطوّرين عقاريين”

قطع أثرية معروضة في قصور سياسيين وحدائق زوجاتهم… وغطاء أهل السلطة لسماسرة بشعار “مطوّرين عقاريين”

حادثتان حصلتا أخيراً. الأكثر حداثة بينهما تحرّك مافيات مطوّري العقارات للافادة، أو بالأحرى لاستغلال الفقر والعوز والاحباط وفقدان الأمل، لدى أهالي الجميزة ومار مخايل والأشرفية، الذين خرّب انفجار مرفأ بيروت منازلهم ومحالهم، وخصوصاً حياتهم وهناء عيشهم.

أصحاب الأموال، المشبوهة غالباً، الذين يتغطّون بأهل السلطة وزوجاتهم وأصهرتهم تحت عنوان “المطوّرين العقاريين”، تهافتوا على المواطنين عارضين شراء المنازل الأثرية في الأحياء التراثية، ينزعون عنها خصوصيتها، وروحها. ليس حباً بالتراث، بل لهدم تلك التحف، ورفع ناطحات سحاب محلها، تبدّل وجه المدينة على كل الصعد، الديموغرافي، والتراثي، والحياتي، وتحقق لهم ارباحا تعتبر غير مشروعة اذا نتجت من بؤس الناس المتضررين والذين تحكم الحاجة تصرفاتهم.

من حق هؤلاء أن يمارسوا التجارة والتطوير العقاري، لكنهم يستفيدون غالباً من ضعف الدولة وترهّل مؤسساتها، بل أيضاً من تواطؤ القيّمين عليها، إذ إن وزراء الثقافة الذين تعاقبوا على المسؤولية، بل لنقل أكثرهم لأن التعميم ظالم، ساهموا في تشجيع هؤلاء، إما نزولاً عند رغبة النافذين من الممسكين بقرار البلد، وإما لأنهم حققوا فوائد شخصية من خلال تغيير التصنيفات العقارية، واعتبار الأبنية القديمة غير تراثية بما يسمح بهدمها وتحقيق أرباح خيالية يوزعون منها على المحيطين، ويموّلون نشاطات السياسيين، ولوائحهم الانتخابية، ومهرجاناتهم الحزبية.

الحادثة الثانية، هي الحملة التي استهدفت السيد جواد عدرا وزوجته نائبة رئيس الوزراء في الحكومة المستقيلة زينة عدرا، اللذين يملكان “متحف نابو” في الهري بشمال لبنان، واتهامهما بسرقة الآثار بدل شكرهما على المبادرة الحضارية الثقافية التراثية في آن واحد.

والحملة غير المحقة، تفتح الملف الشائك أيضاً من دون المضي به الى نهايته السعيدة، إذ إن ملف الآثار معقّد في لبنان، وهو بعناصر متشابكة. فمتحف اللوفر مثلاً يحوي قطعاً من آثار صيدا وصور، ومتاحف كثيرة في العالم تحوي آثاراً رومانية وفرعونية قديمة. وتُجرى أحياناً مفاوضات لاسترجاعها. لكنَّ اقتناءها وعرضها تحت سقف القانون لا يفتح جدالات عقيمة إلا في البلدان المتخلفة التي لا تحكمها القوانين، لان القوانين الواضحة كفيلة بشطب كل الإشكالات.

وهذا الملف الشائك لا يجرؤ أحد على المضي به لأن زوجات السياسيين أيضاً وضعن اليد على القصور والقلاع لاقامة مهرجانات الصيف على حساب الدولة والمصارف والشركات، وأفدن من السلطة لتخريب تلك الآثار، ونقل بعضها الى القصور والحدائق الخاصة.

واذا كان “متحف نابو” قد دوّن كل مقتنياته في سجل لدى المديرية العامة للآثار، إلا أن معظم الآثار في تلك القصور غير مؤرشفة وموثقة، بل الأسوأ أن سيدات القصور يأخذن معهن لدى مغادرتهن مواقع السلطة ما يشأن من تلك الآثار الى المنازل الخاصة.

هكذا يبدو التفريط بالآثار ودَوس التراث ميزة لبنانية تتحقق برعاية الدولة العلية، والقيّمين عليها ممن لا يفقهون شيئاً في علوم الآثار والتراث.

أما بيع الآثار والاشياء التراثية أو إهداؤها عبر الحدود، فقضية أخرى، وأذكر أن بعضاً من الكتب الكنسية التراثية القديمة التي سُرقت من أديار هُجّرت زمن الحرب اللبنانية، وُجدت لاحقاً في “مكتبة الأسد” في دمشق. لكن مدير المكتبة أفاد السائلين بأنها هدايا من سياسيين لبنانيين عدّد أسماءهم. وابدى استعداده لردّها وفق آلية معينة تُجرى بالتفاوض بين البلدين. وهو ما لم يحصل بالطبع. ولم يحاسَب الذين قدموا هدايا لا يملكونها، بل يستمرون بالمزايدة علينا في عشقهم للتراث واهتمامهم بالآثار.

أما التراث المعنوي فحدّث ولا حرج. واعلم جيدا ان الجامعة الاميركية قررت حفظ تراث الفنان زكي ناصيف، ولولاه لما كان ممكنا المحافظة على ارشيفه في غياب اي امكانات لدى الدولة، وفي غياب القرار ايضا. وحال زكي ناصيف هي نفسها التي تواجه كل الفنانين والمبدعين في لبنان.

ان ضعف الدولة، وسيطرة السياسيين والميليشيويين عليها، يجعلان كل شيء مستباحاً ومباحاً. وفي غياب أي سلطة محاسبة ومحاكمة، تصبح الاستباحة أمراً مألوفاً. وفي غياب الرأي العام، تصبح الاشادة بتجاوزات اهل السلطة هي الغالبة.

هل من الممكن بعد إنقاذ بعضٍ مما تبقّى؟

الأمر ليس محسوماً، لان السلطة التي تستبيح أرواح الناس وتخزّن المواد المتفجرة داخل المرفأ، والسلطة التي تقتل الناس بالمواد السامّة، وبالتلوث في المياه والهواء والانهر والبحار، لا يمكن الركون إليها في المحافظة على الآثار والتراث. أما الورش والبعثات الكثيرة التي تبحث في الآثار فهي غالباً مرتبطة بمشاريع مموّلة من الخارج، وغالباً ما تواجه صعوبات جمة وتحديات واغراءات لإخفاء معالم تراثية غنية.

إنقاذ الآثار ممكن. إنقاذ البيئة ممكن. إنقاذ المدارس والجامعات ممكن… يسبق كل هذا إنقاذ الدولة ومؤسساتها… وعندها لكل حادث حديث.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb

Twitter: @ghassanhajjar