قطاف الثقافة العراقية في عام 2018: جوائز ومهرجانات وسَط تغييب وترهيب

 

مروان ياسين الدليمي
القدس العربي
27122018

اختلف المثقفون العراقيون في إجاباتهم عندما طرحنا عليهم سؤالنا حول أبرز الأحداث الثقافية العراقية خلال عام 2018، منهم من عبرعن عدم تفاؤله، وآخر كان متفائلاً، وبعضهم كانت لديه ملاحظات نقدية قاسية، تصل حد السخط.
في كل الأحوال الاختلاف هنا تعود أسبابه إلى الأحداث العامة التي تعصف بالبلاد منذ عام 2003 بعد أن ألقت ظلالها الثقيلة على مواقف وقناعات المثقفين، وإذا ما تأملنا التفاصيل التي شخصت الحدث الثقافي في حدود إطاره الثقافي، أي بمعزل عن قتامة المشهد العام، فإننا سنصل في المجمل إلى ما يُعلي من شأن الكثير مما تم إنتاجه خلال عام كامل. والملاحظة المهمة التي اتفق عليها جميع الذين استطلعنا آراءهم تلخصت في أن لا أهمية لوجود وزارة للثقافة، طالما اضطلعت بمسؤولية إقامة معظم الأنشطة الثقافية منظمات واتحادات غير رسمية، وهذا يعني أن سلطة الثقافة باتت تفرض وجودها بعيدا عن هيمنة المؤسسات الرسمية، إضافة إلى تزحزح مركزية العاصمة بغداد، مقابل ارتفاع رصيد عدد من المحافظات العراقية مثل، النجف والبصرة والعمارة وكربلاء، إضافة إلى مدينة الموصل، التي مَا أن نفضت عنها غبار معركتها ضد سلطة «داعش» عام 2017 حتى بدأت تستعد يوميا لاستقبال أنشطة ثقافية، رغم ما تخبئه من خوف وتشنج تحت جلدها بسبب هشاشة وضعها الأمني.

ثقافة الخرافة

الروائية لطفية الدليمي لم تجد أي حدث ثقافي مهم، فالخراب يعم كل شيء باستثناء جهود فردية للمثقفين، وحسب رأيها هذا لا يمكن احتسابه لأنه يقع ضمن محاولات الخلاص الفردي، وسط بحر من الظلمات يعج بثقافة الخرافة وتكفير المختلف. وتضيف الدليمي أن السلطة العراقية تحتفي رياءً بمن ينال جائزة من خارج العراق، في الوقت ذاته هي عاجزة عن تكريم أحدٍ من غير حسابات عرقية وطائفية، وفي حقيقتها تحتقر الثقافة والفن، وتختتم حديثها بتساؤل:أين هو الحدث الثقافي الذي يؤسس لثقافة وطنية تقف في وجه الموجة العارمة للتشدد الديني؟

فردية الإنجاز

يضيف الروائي عواد علي مؤكدا على أن الأحداث الثقافية كانت فردية، وهي كثيرة، ويلفت النظر إلى ثلاثة منها، اولها فوز الكاتب العراقى ضياء جبيلي بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» في دورة إسماعيل فهد إسماعيل لهذا العام. ثانيا صدور رواية «الساخر العظيم» لأمجد توفيق. ثالثا عرض مسرحية «تقاسيم على الحياة» لمؤلفها ومخرجها جواد الأسدي.

المزيد مِن التراجع والنكوص والاحتدامِ العقائدي والسياسي في مشاغل الثقافة، فضلاً عن هدر الأموال في تهيئة فنادق فارهةٍ وأطعمةٍ، وكل الفعاليات والأنشطة والمحافل، تُقامُ مِن أجل أن تُقام وحسب، لا قيمةَ فيها للفِكرة، ولا علاقةَ لها بالفن والثقافة والمعرفة.

تعاظم دور المثقف

الناقد ياسين النصير بدوره يؤكد على أنه لم يشهد حدثا ثقافيا كبيرا، باستثناء فوز الروائي عبد الخالق الركابي، بجائزة العويس الثقافية، ويعتبره حافزا للآخرين لاعتماد المسؤولية في الكتابة الروائية، ويلتفت النصير إلى ظاهرة جديدة عبرت عن حضورها خلال هذا العام، تتعلق بانتشار دور النشر وبشكل كبير، وحسبما يرى سيكون لها تأثير مهم إن اعتمد أصحابها المسؤولية الثقافية والأخلاقية مع المؤلف العراقي، لأن بعضها حسب قوله، يعتاش على تعب المثقفين وأموالهم، وإذا ما احترموا نتاج المثقف العراقي سيجدون نوافذ أوسع لانتشاره، إلا أن النصير يستطرد فيقول، ما يستحق التوقف عنده يتمثل بتعاظم دور المثقفين في الحياة السياسية والاجتماعية، ويتضح ذلك في مؤشرات فتح شوارع للثقافة في عموم المحافظات، وجود مهرجانات للقراءة، ونشاطهم المدني ضد السياسة الطائفية التي تكبل مشاريعهم، وهذا يعني أن المثقف يمثل كيانا مستقلا وصوتا جماعيا لمعنى ودور الثقافة. وأضاف النصير، ثمة أحداث ثانوية أخرى منها، ظهور مترجمين متميزين وهذا يشير إلى ارتفاع دور المثاقفة مع العالم، ومع تيارات الحداثة والفلسفة، وهناك أيضا أحداث مؤلمة مثل رحيل عدد من مثقفينا عن عالمنا الدنيوي.

حضور نشيط وغياب مُحزِن

الروائي محمد علوان يجد نفسه في فئة المثقفين المفعمين بالتفاؤل بما شهده العراق من فعاليات ثقافية خلال عام 2018، حيث أشاد بمؤتمر الرواية الثاني ومهرجان المربد الشعري، اللذين أقيما في البصرة، ومهرجان الكميت الشعري السادس الذي عقد في مدينة العمارة، فضلا عن مؤتمر السرد الثالث الذي عقد في العاصمة بغداد، وأضاف علوان نستطيع أن نذكر أيضا انطلاق معرض بغداد الدولي ومعرض أربيل للكتاب، كما استذكر في حديثه رحيل قامات أدبية عن الحياة في مقدمتهم الروائي سعد محمد رحيم، وعريان السيد خلف وجمعة الحلفي وطه سالم وأخير طارق حسون فريد.

صعود السرد النسوي

توقف الروائي حميد الربيعي أمام متغير جديد شهدته الثقافة العراقية عام 2018، وذلك بدخول منظمات المجتمع المدني، ورفع أصواتها المطالبة ليس بحقوق أعضائها المهنية، بل المساهمة في رسم مستقبل الثقافة، وأبرز مثال على ذلك الموقف الصلب لاتحاد الأدباء ونقابة الفنانين، حول نوعية اختيار الوزير المناسب لشغل وزارة الثقافة، ثم تطرق إلى أهمية عودة النشاط الثقافي إلى مدينة الموصل، بعد تحررها من الإرهابيين، وإصرار مثقفيها على إعادة رسم الثقافة من جديد فيها، وعلى الرغم من محدودية الأنشطة، لكن الربيعي يجدها أوسع وأنشط من بقية القطاعات التي ترمي إلى إعادة الموصل إلى وضعها الطبيعي. وأضاف الربيعي أما إذا تناولنا النتاج السردي فأجدها تتجــلى في ثلاثة مجالات، أولا تراجع الإنتاج الكمي للرواية، ما يعني أننا على مر الأيام سنرى إنتاجا نوعيا.
ثانيا بروز خمسة أسماء نسوية شابة في مجال كتابة الرواية وكأن عاصفة مقبلة، رغم أن الإنتاج لم يكن في المستوى المميز.

تراجع الشعرعن التتويج

لم يعلق القاص والأكاديمي قيس عمر على حـــدث تكلـــيف أحد المثقفين لتولي وزارة الثقافـــة ووجـــده لا يستحق التأمل، بينما استرعى اهتمامه تصـــاعد وتيرة الفـــوز العراقي في مجال السرد عامة وتراجع جوائز الشعر عراقيا، وتشكيل صالونات ثقافية بشكل غريب لكنه صحي، خاصة في الموصل وبغداد، وربما أبرز حدث تجلى في إقامة مهرجان لمسرح الشارع في الموصل.

بين الإعادةِ والتدوير

لم يخف الشاعر الشاب محمود جمعة نبرة سخطه العالية على عام 2018 بعد أن مر على مضضٍ في العراق، واتفق مع الأصوات التي عبرت عن غياب أي فعاليةٍ ثقافية تُذكرُ، وأضاف لمْ نرَ إلا مزيداً مِن التراجع والنكوص والاحتدامِ العقائدي والسياسي في مشاغل الثقافة، فضلاً عن هدر الأموال في تهيئة فنادق فارهةٍ وأطعمةٍ، وكل الفعاليات والأنشطة والمحافل، تُقامُ مِن أجل أن تُقام وحسب، لا قيمةَ فيها للفِكرة، ولا علاقةَ لها بالفن والثقافة والمعرفة، ولكنني بوصفي شاعراً، وطالباً في الدراسات العليا، أرتادُ المؤسسات الحكوميةَ ونقيضَها، أرى الأمرَ معقداً تعقيداً مركباً، ممتداً إلى أعماق بعيدةٍ في تاريخ الثقافة العربية؛ لذا يُمكن أن أدون ملاحظتين باختصار، توضحان ما عليه المشهدُ الثقافي العراقي، الأولى: على الرغم مِن أن العراقَ كان مستورداً جيداً للمناهجِ النقدية الحديثة، ومتفاعلاً إلى حد ما مع الحداثةِ الأدبية ومعطياتِها، إلا أنه واجه السلطةَ بدون نية له في المواجهة، ولكن الأنظمةَ العربية بشكلٍ عام، ترى في كل (عقلٍ مُتحركٍ) خطراً على وجودِها، لذا تضطرُ إلى تسفيهه ومحاكمتِه محاكمةً دينية؛ محاولةً مِنها في كسب رضا الوعي الجمعي (الثابت الخاضع) دينياً أيضاً، عبر ربط القناعات والأفكار وبعض الأشكال الشعرية بالمُقدس، إذن: إنها السلطةُ مرةً دائمةً. الملاحظة الثانية: لقد شهدت الحياة العراقية بعد 2003 تحولاً كبيراً، وعلى مستويات كثيرة، وكان هذا طبيعياً بالنسبة لصراع إثبات الوجود بين الشعوب، وكان لزاماً أن تُدمر كل المؤسسات الثقافية والتعليمية والصناعية، وهذا لا يُحققُ إلا بثلة مِن لصوصٍ وقطاع طرقٍ أوكلوا إليهم الحُكْمَ، صنعوا خطاباً سياسياً تدميرياً، فاسداً ومخنثاً، وبالتالي فقد انعكسَ هذا المشهدُ على الحياة بأكملها. في نهاية حديثه يصل محمود جمعة إلى خلاصة لا تحمل شيئا من التفاؤل إذ يقول لن يكون أي تغييرٍ في ظل سلطةٍ تقتلُ المُثقف والمُتنور، وليس الحلاجُ عنا ببعيدٍ، إنها السلطةُ أيضاً، أماكنُ مشغولةٌ مِن أناسٍ لا يربطُهم بالثقافة والتعليم سوى الشهادة الجامعية.

٭ كاتب عراقي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*