قضاء المتن ، الحديقة الكبرى.

شربل نجار
هنا لبنان
05072019

نقلا عن كتاب بدر الحاج : الشوير وتلالها سجل مصوّر



يعود اختيارنا  لدراسة ماضي  بسكنتا  والشوير و بيت شباب والمتين و بكفيا الى أسباب عديدة أولها اننا من سكان المتن ومن المتين تحديدًا  وثانيها  أن تلك القرى إمتازت  بسعة أراضيها ووفرة  سكان كل منها  وعدد المدارس والأديرة  فيها أو في جوارها. وقد قدّمت هذه الوفرة نماذج تؤكّد مدى سعي الناس  لبناء ذواتهم في جبل لبنان  كما تؤكد على مدى إستيعابهم  لفكرة الدولة السيّدة وقد إندفعوا باتجاه تحقيقها.

يشكّل قضاء المتن الحديقة الخلفية لتلك المنازل الخمس  والمتن الذي لم يكن متنين كما هو حاله اليوم هو  إحدى حدائق جبل لبنان والأقرب جغرافيا  الى عاصمة لبنان الكبير، بيروت.

 
تلك القرى المنازل واسعة رحبة . تعيش في كل منها عائلات كثيرة، الحيط على الحيط والشباك قبالة الشبَاك والباب واحد والحقل واحد  والمعجن واحد  والخير للجميع . المدرسة مدارس والكنيسة كنائس والطريق الى الدير واحد. أما الطرقات  فطرق دواب لم يمسَسْها إنسان.


درب الكنيسة  دروب وصور قديسين وشموع وبخّور  ومذاهب و”مَذابح”!.  في كل منزل من تلك المنازل الخمس حياة زاخرة زاهية حزينة وفرحة “مشغولة البال” يسكنها هاجس الغدر بها على الدوام.

منزل يضيق فينتقل أهله الى منزل مجاور وبسكنتا هي الأعلم بنزوح فروع من آل الهراوي الى زحلة  والنجار الى زحلة والمتين أو فروع أخرى الى أمكنة أخرى. وبيت شباب تدري وتتذكّر  هي التي أُحرقت مرّتين  كيف فرّ أهلها ليعودوا فيبنوا ما دمره ابراهيم باشا المصري في طريق انسحابه من لبنان وما إقترفته أيدي عسكر المتصرفيّة زمن داود باشا حقدا على الشبابيين الذين استقبلوا يوسف بك كرم في ديارهم.

 منزل يتاجر كبكفيا ، عاصمة القائممقامية الشمالية  كانت ، ولم يخبُ عزّها .ومنزل آخر قيل أنه كان عاصمة لبيت لمعي مرادي  كبير إنها المتين. والمتين تزرع  ، يفيض إنتاجها خبزًا والبانًا وخمرًا ودبسًا وحريرًا . ورهبان موزعون بين صوامع وأديرة من بنابيل الى الشوير وبعبدات يفلحون الأرض  يشذّبون الغرس ويهذّبون الناس. منزل يُصنّع كبيت شباب وعمارة مدرسية هائلة في الشوير حيث يتبارى الجميع في تقديم أجود أنواع التعليم في غرف المنزل  الشويري الواحد.

منزل يغادره أولاده الى الأرجنتين حيث توجّهت غالبية متينية مهاجرة، ومنزل تجذب أبناءه إفريقيا كما أبناء بيت شباب أو تجذبهم  الولايات المتحدة كما أبناء  الشوير وبسكنتا .أما البرازيل فسعى اليها الجميع بأعداد متفاوتة كانت أغزرها أعداد الشويريين الذين لحقوا بآل يافت التبشراني أول الواصلين. بكفيا شذّت عن القاعدة فذهب أهلها عن إقتدار مادي وتضلّع ثقافي الى مصر البلد القريب حيث صاروا بكوات وباشوات وصيدلانيين وأطباء ومحامين  وأصحاب معامل وصحف ورأي.

كل المنازل سمعت نداء البحر في وقت واحد ولسبب واحد ، إنّه ضيق الحال زمن المتصرفية  وكثرة الأهوال خلال الحرب الكبرى. ففي المتين والشوير وبسكنتا وبيت شباب وبكفيا  جاء نداء البحر  في اول سبعينيات القرن التاسع عشر ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم وغدًا شباب لبنان الذين بلّطوا البحر في ما مضى يزرع أحفادهم اليوم  الأجواء  ذهابًا وإيابًا فلا طائرة تطير ولا قطار يسير إلا وبين المسافرين لبناني ولو لبناني واحد.
 
كانت تلك المنازل الخمسة تمتهن بالإضافة الى الحِرَف المتشابهة التي تتقنها  صناعات  تتميّز بها . ولم تَغرس تلك المنازل  يوما  إلا شتولا متشابهة ومختلفة في آن معًا  وأشجارًا مثمرة  لا تشبه  الثمار بعضها في اللون والطعم  فلا التراب واحد  ولا المياه إيّاها ولا الإرتفاع  عن سطح البحر متشابه. إلا أن القرى الخمس هذه لم تنتج من الصناعات  يومها إلا أجودها  ومن الفاكهة إلا ألذّها ومن الخضار إلا أطيبها وعلى الطيبة والجودة التقت والتسقت وسعت كغيرها من القرى فذهبت  بالجبل الى رحاب أوسع.

في نهاية القرن التاسع عشر كانت الفتاة تدخل المدرسة كالفتى وإن بأعداد أقل. وتأهّبت  مدارس الراهبات  ففعلت فعلها في جمع وتدريس وتدريب  فتيات تلك المنازل – القرى  وإعدادِهِنّ  زوجات صالحات مجتهدات فجنّبتهنّ سوق العمل البيروتي القريب الذي  لم يوفّر للفتيات النازلات من فوق أكثر من الخدمة  في المنازل أو في  مواخير الدعارة.

في المتين تعلّم الفتيان  ما يكفي للعمل في الزرع  والرعي ومعاصر العنب وكراخين الحرير . في بكفيا صاروا محامين وأطباء  ومفكرين وشعراء ولفّيفة سجاير وسجّاد وفي بيت شباب صيدلانيين ومترجمين وصحافيين وصنّاع أجراس  وفخّارين وحائكين ، وفي بسكنتا  صاروا مزارعين وكتّابا وشعراء.  أما في الشوير فقد أمنت مدرسة عين القسيس البروتستانتية للبروتستنت والأورثوذكس معا طريقاً  عريضا باتجاه الجامعة الأميركية في بيروت ومنها الى الولايات المتحدة الأميركية فحيّدتهم عن مهنة هندسة  الحجر ورصفه أبنية شاهقة وأبوابًا عالية  وواجهات وشرفات ونوافذ . إنها المهنة الشويرية  التي   تخطت في فنّها قصور لبنان من بيت الدين الى دير القمر فوصلت مواصيلها الى القاهرة والشام وبغداد وفلسطين .

منازل جبلية تعلّم فتيانها ونصف فتياتها لغات مختلفة في صروح مختلفة  . مدارس أسسها  أفراد و جمعيّات و رهبان . لقد فتحت تلك المدارس  أبوابها على مصراعيها وعلّمت السريانية والعربية والفرنسية والإنجليزية والحساب حتى صار للناس رأي في السياسة والأدب والفن والموسيقى ثم مبادرات متعددة في شتى مجالات الإبداع.

هؤلاء الذين كانوا  يعتبرون وحتى القرن الثامن عشر  أن الأرض مسطحة ، وأن الطب مهنة القديسين وحيطان الكنائس وأجران العماد، صاروا وعلى مدى القرن التاسع عشر يتعرّفون شيئا فشيئا على مفاصل الجغرافيا والتاريخ فيجدّ بعضهم باتجاه “قصر العيني” في مصر و”دار الشفقة”  في اسطمبول ليتعلّموا النطاسية زمن بشير أو الطب عند الأميركيين واليسوعيين في بيروت  زمن المتصرفية وما تلاه من زمان.

عاشت تلك المنازل  حروبا  ومذابح وزخّ رصاص على مدى النصف الأول من القرن التاسع عشر ومع انطلاقة القرن العشرين.. العاميّات متلاحقة من  أنطلياس عام 1820 الى لحفد  عام 1821 و شغل بشير الشاغل. ثم عانى الناس من هول وصول ابراهيم باشا المصري الى لبنان ثم انسحابه  وانهيار حكم بشير الثاني عام 1840. في تلك السنة ِ إحترقت بيت شباب ، سلِمت بكفيا، فرض ابراهيم باشا على بسكنتا  في ذروة انسحابه  قوتًا لجنوده  فأطعمتهم  بسكنتا  كما  روتهم ينابيع جرود المتين . ثمّ وبعد سنتين على نفي بشير وخلال نظام القائممقاميّتين  عاثت الفتن  المذابح في حدائق الجبل  بين درزي ونصراني  وإقطاعي وعامي وقد بلغت أوجّها عام 1860-1859 حاصدة عشرات آلاف القتلى  ولم تنته  تلك المجازر  الا بعد تدخل فرنسي أوروبي  بجيش بلغ عداده 12 الف جندي نصفهم (1)من الفرنسيين.
توقف القتال عام 1860 بعد أن فرضت الدول الأوروبية على الجبل  نظاما جديدا خاصا كان للمتين حصة كبيرة في مجلس إدارته تقاسمها لمعيون وعقليون سَعَوا لنهضة الجبل وغرقوا في تطاعنهم و عانوا من بطش   المتصرفين بهم.

عادت بعد مذابح 1860 دواليب الحرير الى الدوران . عاشت المتين عزّ القز قبل غيرها وكان إنتاجها وفيرا. شُقّت طريق إنطلياس بكفيا وطريق بكفيا ضهور الشوير ولاقى شق الطريق معارضة شعبية  تصرّ على طرقات الدّواب الضيّقة الوعرة بقصد ابقاء الجبل حصينا عصيا على الإجتياحات. غير أن  الوقوف في وجه الإنماء زمن الثورة الصناعية في أوروبا كان ضربا من المحال في زمن الوصاية الأوروبية غير المباشرة  على متصرّفيّة جبل لبنان. فكما شيدت المدارس والجامعات ،أنشئت شبكة سكك الحديد  وشقّت طرقات ،  كان  طريق الشام الذي بوشر شقُه  عام 1863 من بيروت الى دمشق ،أهمها في تنشيط التواصل بين تينك المدينتين بيروت مركز الحركة التجارية والعمرانية الآخذة في الإزدهار ودمشق العاصمة التاريخية ومركز القرار السياسي في ولاية الشام العثمانية. سمح هذا الطريق بتفريع آخر بين قبيع والمتين مرورا بحمانا وقرنايل وبزبدين استفادت  منه قرى ومزارع مجاورة للمتين والشوير عبر “مرحاتا” التي صار اسمها  ضهور الشوير”. أطلّ القرن العشرون بحرب شاركت فيها معظم دول العالم فسمّيت “الحرب الكبرى” وكانت نتائجها وبالا على اللبنانيين ساحلا وجبلا. تصدّعت المنازل الخمس . ضربتها الأمراض وقسى عليها الجوع نتيجة اجتياح الجراد والحصار البري الذي فرضه  العثمانيون والحصار البحري الذي نصبه الحلفاء على شواطئ المتوسط الشرقية  فاختنق الجبل.


مات كثيرون وتشتت  كثيرون ومرض كثيرون وصمد آخرون.

المتين وبسكنتا القريبتان من زحلة حاولتا الوصول الى قمح تلك المدينة  وزيتها وصابونها عبر ما تبقى من بشر يستطيعون السير على اقدامهم  ومن بغال لم تصادرها السلطنة لدواعي الحرب.  سلكت المتين درب حوران ولم يكن الدرب حكرا على الدروز بل سلكه مسيحيون استفادوا من خيرات ذلك المعجن العظيم. وعلى طريق الذهاب والإياب من والى زحلة ومن والى السويداء نجا قليلون ومات كثيرون. الشويريون استجاروا بزحلة وبيروت وحوران أيضًا ولجأ الكثيرون الى تلك الشبكة البروتستنتية التي قاومت الموت عبر مستشفى برمانا ومدرسة عين القسيس في الشوير والقليل من ودائع نقديّة  كانت قد جمّعتها في البنك  العثماني في بيروت  .  (2). واستمرّ الإخوة الأصدقاء “الفريندز”  في كفاح يومي  لتوفير  القوت لهم ولعيالهم ولطوائف جاورتهم طيلة محنة الحرب الكبرى في جبل لبنان.

لم تخرج بكفيا وبيت شباب عن السياق عينه ورواية الرغيف لتوفيق يوسف عواد خير دليل (3). إلا ان المساعدات الكبرى  الى تينك القريتين فوصلت عن طريق البطريركية المارونية . كان مصدرها مصر  حيث الإغتراب البكفاوي  وإفريقيا  حيث الإغتراب البيت شبابي  و مال فرنسا  الذي استدانته البطريركية المارونية  لإطعام ذلك المجتمع الجبلي اللبناني الجائع. كل تلك المساعدات كانت تصب في أرواد وتسلّم الى أصحابها من خلال البطريركية المارونيّة  بالرغم من إقفال طريق البحر.

ويوم هلَّت بشائر انتصار الحلفاء سنة 1918 كان البطريرك  الياس الحويك يعرف والحلفاء يعرفون أن  أوان  دولة لبنان الكبير قد آن وأن أهل الجبل جاهزون لخوض غمار بناء وطن لهم ولغيرهم  رغم  هول المُصاب جرّاء  مجاعة قضت على ثلث سكان الجبل إبان الحرب العالمية الأولى.

لبنان الكبير لم يسقط على جبل لبنان وعلى أهله نعمة  ولا نقمة ولا هدية فرضتها المصالح الكبرى  للدول الكبرى ولا كان لبنان خطأ تاريخيًا كما يحاول البعض تصوير حدث إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول عام 1920  بل  كان أهل الجبل مستعدّين فكريًا وماديا وانتشارا و كانوا يعملون منذ ما قبل مذابح الستين وما بعدها في الداخل وفي المهاجر وفي عقر دار الدّول المحاربة سيدة القرار كي يكون لهم وطن كسائر الأوطان . وبعدها علّمهم الإنتداب  ما لم يعلمهم إياه  أحد في الشرق الأوسط علّمهم فنّ الحكم  فقفزوا أو أن الإنتداب قفز بهم الى مصافي الدول القادرة على الإمساك بمصيرها ومصالحها.

أن قيام دولة لبنان الكبير ليس صدفة من صدف التاريخ بل مسارًا استمر طوال القرن التاسع عشر تهيّأ له الجبليون اللبنانيون ليصل بهم  الى ما وصلوا إليه في الأول من أيلول عام  1920 يوم إعلان دولة لبنان الكبير.


رمزي الحافظ : الحلم اللبناني ، منشورات إنفوبرو، ط، 1 بيروت 2015 ص .33 (1)
لبنان في الحرب العالمية الأولى ، ج1، منشورات الجامعة اللبنانية ، قسم الدراسات التاريخية ، بيروت 2011،(2) ط1، دراسة للدكتور  عبد اللطيف الحارس: الأوضاع الإقتصادية والمالية في الدولة العثمانيّة والمقاطعات اللبنانية (1914-1918) ، ص 158 )
توفيق يوسف عواد : الرغيف، منشورات  مكتبة لبنان، ط 25 ، بيروت 2000(3)

شربل نجار
جولة في الذكريات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*