الرئيسية / home slide / «قصّة أسمهان»: عن بطولة لا تُختتم!

«قصّة أسمهان»: عن بطولة لا تُختتم!

 

حسن داوود
القدس العربي
18082022

أن يروي فؤاد الأطرش «قصّة أسمهان» فلا بدّ أن يحفل ذلك بإغفالات كثيرة. ذاك أنه أصرّ على الدوام أن يكون حارسها الأخلاقي، فيما هي لم تتوقّف عن محاولاتها الخروج عن تقاليد «الشجرة الأصيلة» التي تنتسب إليها، عائليا وطائفيا.
في الكتاب الذي أملاه على الصحافي والسياسي المصري فوميل لبيب، لا ذكر إطلاقا لعلاقتها بمحمد التابعي وقد جمعتها به علاقة حبّ شهيرة. كما أن الشقيق الراوي تغاضى عن تفاصيل غرامية وشخصية كثيرة كانت، لو جرى ذكر بعضها، لأضفت غنى روائيا على الكتاب. ذلك الصدام بين جموح أسمهان وسعي أخيها لإرجاعها إلى كنفها العائلي، محوران يدور حولهما الكتاب. فحينا توافقه على العودة إلى أول أزواجها (ابن عمها حسن الأطرش) وحينا تنفلت من عقالها، فتعود إلى حياة السهر في ملاهي القاهرة وفنادق القدس وسواها.
أثناء ذلك كانت أسمهان، حسب أخيها، سليمة الطوية ومكابِدة مما يستجرّه عليها جموحها.. حاولت الانتحار مرتين، ودائما كانت تسرّ لصديقتها ماري قلادة بأنها تفضّل الموت على الحياة، لكنها، وتبعا للمسار الذي اتّبعه الكتاب، ناضلت لنصرة عائلتها وقومها في حربهم ضدّ الفرنسيين. لم يتوقّف توزعها القلق بين الإحساس بالواجب والرغبة الجامحة بالخروج عن قوانينه. كتب فؤاد، ناقلا حوارا بينه وبين أحد أعمامه، أو أبناء عمومته، عبد الغفار باشا الأطرش: «أسمهان البطلة هي بعينها أسمهان الطائشة.. اجتمعت فيها المتناقضات حتى لا أستطيع أن أجد تسمية لما هي فيه إلا أنها مجنونة». ورغم هذا التخوّف الذي لم يستطع إلا الإقرار به كان الشقيق الأكبر، على الدوام، ممسكا العصا من الوسط. هذا ما ضيّق النظرة إلى عمق شخصية أسمهان المضطربة، أو «الحرّة» كما كانت لترغب هي في وصفها لنفسها.

لم يكن أيّ شيء مقنعا لها، لم تسع إلى الارتقاء بنجوميتها، كما أم كلثوم مثلا، ولم تجد أن هناك شيئا آخر يستحق أن يُضحّى له. فيما نعرفه عن النساء العربيات اللواتي حقّقن شهرة أو ريادة، ليس بينهن من يضاهيها باستحقاق البطولة الروائية، أي تحويل السيرة الحياتية إلى عمل روائي، بل أعمال روائية أو تصويرية.

ولكثرة ما باتت السيرة الحياتية لأسمهان معروفة، ومُساقة بفضول متزايد من قِبل متابعيها، يشعر القارئ بأن ما أخفاه الكتاب يفيض عما أظهره، من ذلك مثلا الأسرار التي بات معروفا بعضها بما يخص علاقة أسمهان بالضباط الإنكليز والفرنسيين التي نقرأ تفاصيل منها، ولو بالإلماح أحيانا، في كتاب شريفة زهور الذي هو في الأصل أطروحتها لنيل شهادة الدكتوراه من الولايات المتحدة. عن هذا الجانب اكتفى فؤاد بالإشارة إلى هؤلاء وقد تيّمهم التعلّق بأسمهان، مبقيا إياهم على مسافة منها، بمن فيهم الضابط البريطاني الذي لم يتوقف عن عشقه لها رغم الصدّ المتواصل الذي كان يلقاه منها.
الكتاب الذي أملاه الأمير فؤاد على كاتبه فوميل لبيب خفّف من تعقيد حياة أسمهان على الرغم مما أقرّ به لقريبه عبد الغفار باشا، ذاك أنه وضع حياتها بين مجالين: المنبت الأميري والهوى الفني، أو بتوصيف آخر، بين القاهرة وجبل الدروز. ولم يكن الخطّان يلتقيان، ولم يظلا متوازيين، إذ لطالما كانا متصادمين متنازعين، لكن هذا لم يكن كافيا لجعل الكتاب قريبا من عمل روائي، أو من سيرة مكتوبة بلغة روائية، حسب ما كان يطمح إليه الكاتب فوميل. الكتاب سيرة مروية بلسان الشقيق الأكبر، الحريص على سمعة أخته، وإن ظلّت هذه الأخيرة تسلك بما يضرب بتلك السمعة عرض الحائط. هما عالمان متصادمان، بين أسمهان وشقيقها فؤاد، كما بينها وبين نفسها. لكن ذلك ليس كافيا للإحاطة بتلك الحياة. ما عاشته أسمهان في عمرها القليل الذي لم يتجاوز السنوات الاثنتين والثلاثين هو أوسع من ذلك بكثير. أن نقيم الشبه بينها وبين مدام بوفاري يعني أن نقصر حياة أسمهان على جانب منها، فهنا نحن إزاء امرأة لم يكفها أيّ طموح، مهما علا. لم تحبسها نجوميتها ولا نسبها الأميري ولا قيادتها في العمل السياسي ولا المال الذي حظيت منه بالكثير الكثير.
لم يكن أيّ شيء مقنعا لها، لم تسع إلى الارتقاء بنجوميتها، كما أم كلثوم مثلا، ولم تجد أن هناك شيئا آخر يستحق أن يُضحّى له. فيما نعرفه عن النساء العربيات اللواتي حقّقن شهرة أو ريادة، ليس بينهن من يضاهيها باستحقاق البطولة الروائية، أي تحويل السيرة الحياتية إلى عمل روائي، بل أعمال روائية أو تصويرية. الأرجح أن كل ما تناولها من كتب وأبحاث ومقالات، وما صوّر عنها من أفلام، توقّف عند جانب من تلك الحياة، أو اكتفى بطرح وجهة نظر حولها. كأن ما قيل فيها لم يبلغها. وهي، إذ تحوّلت إلى موضوع يُستعاد مرة بعد مرة فإن سيرتها لن تُغلق لكونها قابلة للتجدّد الدائم.
في المقدمة التي وضعتها دار الجديد للطبعة الجديدة من الكتاب، بعد نحو ستين سنة من صدور طبعته الأولى، إشارة إلى ذلك: «أن ما يضاف إليها الحين تلو الآخر من إضافات مكتوبة أو مسموعة/ مرئية، يزيد من التباسها، وأحيانا من غموضها». إذن، «لا آخر لهذه القصة» كما في المقدمة أيضا.

من ضمن اهتمامها بإعادة طبع ما كان قد صدر في سنوات أو عقود سبقت، أصدرت الجديد كتاب «قصة أسمهان» الذي رواه فؤاد الأطرش وكتبه فوميل لبيب وصدر في 1962 الكتاب في 277 صفحة.

كاتب لبناني