الرئيسية / home slide / قصص الحب عملة لا تكسد أسواقها

قصص الحب عملة لا تكسد أسواقها

منذ القدم انتبهت البشرية إلى شيء اسمه “دبلوماسية الحب” فمارست هذا السلوك في ما يعرف بالمصاهرات السياسية ما كفى الشعوب شرّ القتال وعوّض المعارك بالزهور

حكيم مرزوقي
2021/02/13
صحيفة العرب

عطيل وديدمونة (لوحة للفنان الفرنسي تيودور شاسيريو)

المؤلف والمخرج وكاتب السيناريو والأغاني جان كلود كاريير الذي رحل قبل أيام قليلة ترك لنا وصيّة نحن أحوج ما نكون إليها. نصحنا كاريير بضرورة الحفاظ على هشاشتنا فهي كما يقول “التي تقربنا إلى بعضنا أمّا القوة فتباعد بيننا”. إنها نصيحة ينبغي التذكير بها ونحن نحيي غدا الأحد 14 فبراير “عيد الحب”، فلنتذكر إذن وجعا لذيذا وقصص حب لا تموت.

“الحب ليس رواية شرقية في ختامها يتزوج الأبطال لكنه الإبحار دون سفينة ويقيننا أنّ الوصول محال”.

يختصر هذان البيتان لنزار قباني الذي أجمع العرب المعاصرون، قاطبة، على تسميته بشاعر الحب، مفهوم الحب الذي حارت في تعريفه كتب وروايات وأغانٍ على مد العصور، ذلك أنه مثل الشعر، يعرّف نفسه بنفسه، ويتجلى من خلال تجارب ذاتية لا يدركها إلاّ من عايشها واكتوى بلظى هواها، فكأنما هو ـ وفي رأي علماء النفس ـ حالة مرضية لا يوجد لها تشخيص سريري موحّد، ولا دواء موحّد، ذلك أن المرضى يختلفون ويتعددون، وإن تشابهت العوارض بين “سقيم” وآخر.

لا وجود لثقافة شعب من الشعوب دون قصص حب بل إن كل حضارة تقدّم نفسها وتتباهى بأنها هي من كانت مسرح أحداث قصة حب عاشقين اثنين، وهب كل منهما اسمه للمواليد التي جاءت بعده، ونُقش اسماهما على الساحات والهدايا التذكارية، وحتى الطوابع البريدية كما هو الشأن بالنسبة إلى روميو وجولييت في فيرونا الإيطالية، وجيسون وميديا في اليونان القديمة، وممو وزين في كردستان العراق، وقيس وليلى في الجزيرة العربية.

الحب الذي سوف تبقى البشرية تنشده وتناشده كسبيل للخلاص من صراعاتها وعذاباتها، يجعل من المرء ودودا وألوفا وجانحا نحو السلم والسلام. فلا وجود لعاشق قاتل أو حاقد، ولكن هناك عشاق ينتقمون ويثأرون ويمارسون جنونهم ونرجسيتهم كما فعل نابليون بونابرت مع جوزيفين، أو حتى هتلر حين قال أثناء الاحتلال النازي لفرنسا “لولا عيون الجوكندا لأحرقت سماء باريس”.

نزار قباني: الحب إبحار دون سفينة ويقيننا أن الوصول محال
نزار قباني: الحب إبحار دون سفينة ويقيننا أن الوصول محال

انتبهت البشرية منذ القدم إلى شيء اسمه “دبلوماسية الحب” فمارست هذا السلوك دول وحكومات في ما يعرف بالمصاهرات السياسية، وعندئذ كفى الحب الشعوب شرّ القتال وعوّض المعارك بباقات الزهور.

وفي هذا الصدد يقول نزار قباني في قصيدة أخاذة كانت تبارك التقارب العراقي – السوري الذي لم يدم طويلا مطلع ثمانينات القرن الماضي “دجلة عاشق يزور دمشق وكريم أتى يزور كراما كف الرشيد في كف مروان، وماء الفرات صار مداما”.

إطلالة على قصص الحب لدى الشعوب كفيلة بأن تصغي القلوب، وتدفع نحو التسامح والتقارب، فمن يمتلك مثل تلك المشاعر الجيّاشة لا يمكن له أن يكره. وهي قاعدة ينبغي للعالم التذكير بها وهو يحيي عيد الحب أو “السانت فالنتاين”، في ظروف يحفّها الخوف والتبتل من أجل انقضاء هذه الجائحة على خير.

ممّو وزين

قصة حب نبت في الأرض وأينع في السماء

إنها أجمل قصص الحب الكردية التي مازال يتناقلها الناس بالتواتر، توضع لها الألحان والرقصات بل وتدمع لها حتى قلوب الخاشعين والمتديّنين، مما جعل مفكرا وباحثا ذا منشأ صوفي مثل الراحل المغدور محمد سعيد رمضان البوطي، ينقلها إلى العربية في كتاب أثار دهشة واستغراب هذا الرجل الصوفي الجليل.

كتبت “ممو وزين” عام 1692 على يد الشاعر الكردي أحمد خاني (1651 – 1707)، وهي تتحدث عن قصة عشق بين الأميرة “زين” شقيقة حاكم بوتان وشاب يدعى “ممو”، وهو ابن أحد عُمّال الأمير. التقى ممو الشاب الفقير البسيط مع زين وهي شقيقة الملك في حفل عيد النيروز الذي يحييه الكرد كل عام في 21 مارس، وأحبا بعضهما من النظرة الأولى، وسرعان ما ذاع صيت حبهما، فقام الملك بطلب ممو العاشق إلى قصره ثم زج به في السجن وعاقبه عقابا شديدا.

تأثرت زين نتيجة ذلك وسقطت مريضة ومتألمة لحال حبيبها، وتحولا الاثنان إلى سجين ومريضة. حاول بعض أبناء المنطقة الاحتجاج من أجل فك أسر العاشق إلا أن احتجاجاتهم لم تحقق غايتها، ولكن تدهور حالة زين الصحية دفعت شقيقها إلى الإشفاق عليها ووعدها بالزواج من ممو، ولكن كيف؟

جان كلود كاريير: هشاشتنا تقربنا إلى بعضنا أما القوة فتباعد بيننا
جان كلود كاريير: هشاشتنا تقربنا إلى بعضنا أما القوة فتباعد بيننا

أخذ الحاكم شقيقته إلى السجن وهي ترتدي ثوب العروس، أي بتلك الألوان الزاهية التي يحتفي بها الأكراد ثم قال ساخرا ومنتقما لممو سأعمل على أن ترتبط زين بك وتبقى زوجة وحبيبة إلى الأبد، ردّ الشاب قائلا وهو بأسوأ حال: إن رباطها المقدس بيد السلطان الأعلى وليس بيدك، وهنا فارق الحياة من شدة القهر والجوع والعطش. ارتمت زين على جثته، وبعد لحظات فارقت الحياة، ودفنا الاثنان في قبر واحد. وهكذا حكم الدّهر ألا يجتمع ذاك الحبيبان إلا في ظلمات تلك الحفرة.

تحوّلت جنازة العاشقين إلى عرس حقيقي، فقد انتفض لها أصدقاء العاشق وكل صاحب ضمير ودين وأخلاق في المنطقة. لا يزال اسما ممو وزين على كل لسان، تنسج لقصتهما الملاحم والأشعار ويقع إحياؤها في كل مناسبة كردية. يسمعها ويستمتع بقصتها حتى الأطفال. ترجمت “ممو وزين” إلى عدة لغات أهمها الألمانية وهي تحوي المئات من الأبيات فيما يعتبرها الدارسون في الشرق والغرب من أجمل ما أنتجته القريحة الكردية واهتم بها الصوفيون، معتبرين أنها درس في الطهارة الإنسانية والحب الرباني الخالد القديم. ولا يزال قبرهما موجودا حتى الآن في جزيرة بوطان.

روميو وجولييت

قصة حب يعرفها حتى الأميون

الحقيقة أن من كان سببا في صناعة هذه القصة الآسرة، هو ذلك الحقد المتوارث بين عائلتي “كابوليت” و”مونتيغيو” النبيلتين. النبلاء يصنعون الروائع دائما، وحتى في حالات الثأر والانتقام.

لنمض بهذا التأويل نحو أقصاه، ونتخيل روميو وجولييت دون عوائق وحواجز وتضارب مصالح فئوية. هل كان بإمكان ماكر إنجليزي من أصول متوسطية كما قيل، أن يحشر أنفه بين شاب وفتاة يتلهيان بالحب والغرام مثل مئات الآلاف من بني وبنات جيلهما؟

شكسبير لم يترك مكيدة إلا وزجّ بها في رائعة روميو وجولييت. الصراعات العائلية على قوى المال والنفوذ، الحفلات التنكّرية التي تمحي الفوارق الجسدية من أجل إظهار الحقيقة، المنازلات القتالية التي لا تعلن بالضرورة الفائزين أخيارا والمهزومين أشرارا، الزيجات العرفية التي تباركها الكنيسة ويرفضها المجتمع، بالإضافة إلى رشّة من البهارات والمنكّهات على الطريقة الشكسبيرية.

هذا بالإضافة إلى “أخطاء طبّية فادحة” يرتكبها وليم، في تخيل سموم غير قاتلة وعقاقير تنيّم الشخصيات في التوابيت لساعات طويلة، ومصادفات ومفاجآت أخرى، تظهر في الثواني الأخيرة كما لو أنه واحد من عتاة سينما الأكشن الأميركية في العصر الحالي.

أجمل قصص الحب الكردية التي مازال يتناقلها الناس بالتواتر
أجمل قصص الحب الكردية التي مازال يتناقلها الناس بالتواتر

ماذا يمكن للمرء أن يتخيل أو يضيف على هذه الحبكة الموغلة في التشويق انتصارا للحب ولا شيء سوى الحب. يَصل خَبر إلى روميو بأن جولييت ماتت، ويَستَعدون لمراسم دفنها، يُجَن جنون روميو بهذا الخبر فيرجع إلى المدينة ليذهب إلى المقبرة، ليجد جولييت قد وضعت في التابوت ولكنها ما زالت جميلة وتزداد جمالا. يأتي “باريس” الرجل النبيل الذي أراد الزواج بجولييت لإلقاء تحية الوداع عليها فيجد روميو هناك، فينزلان للقتال فيقتل روميو “باريس”، ويُقَبّل جولييت قبلت الوداع ويأخذ جُرعه من السُم قَد أعدها مُسبقا ويموت فورا، فتستيقظ جولييت من نومها الطويل فترى أن روميو قد مات فتأخذ خنجره لتضعه في قلبها وتموت.

تتصالح العائلتان بعد هذه الحادثة المأساوية ويخبرهما القِس بالقصة الكاملة والحُب العظيم الذي كان. ويسدل الستار عن موعظة شكسبيرية “ملعونة”، ولكنها محمودة، إذ تنتصر للحب وتحطيم أسوار الجليد، والتقارب الطبقي فكأنما الذي بينك وبينه عداوة ولي حميد.

اشتغلت شخصيا مع مخرج فرنسي اسمه أندريه سيري في قصر العظم بدمشق مطلع تسعينات القرن الماضي، على مسرحية “روميو وجولييت”. وكان لا همّ له إلا هذه المسرحية التي يعيد إخراجها بكل اللغات وفي كل البلدان التي يحل فيها برؤى مختلفة.

ديك الجن الحمصي

قصة عاشق يتفوق على “عطيل”

يكفي أن تعلم بأن الشاعر العباسي عبدالسلام بن رغبان بن عبدالسلام بن حبيب، والذي وُلِدَ وماتَ بين عامي 778 و850 في مدينة حمص، واختلفت الروايات حول تلقيبه بـ”ديك الجن” بسبب رثائه ديكَ أبي عمرو بن جعفر، وإما لكونه مجنونا يُقلِّدُ صوتَ الديك، حتى تكتشف أنه رجل من طينة خاصة، وغريب الأطوار، خصوصا وأن هيامه بمعشوقته وزوجته النصرانية “ورد” قد فاق كل وصف، وذلك رغم حياة المجون التي عاشها الشاعر الذي اتفق الجميع على موهبته.

كان ديك الجن شديد التوجّس من مكر النساء وألاعيبهن عملا بنصائح جدته، إلى أن وقع في مكيدة دبرها له ذكور وفق ألعوبة محكمة التلفيق تتمثل في زجاجة عطر كان قد اشتم منها رائحة الخيانة حين توزعت بين حبيبته وأشخاص آخرين كان لا يشك في إخلاصهم له.

النبلاء يصنعون الروائع دائما
النبلاء يصنعون الروائع دائما

هي، وكما تقول الكاتبة هبة خميس “مكيدة حاكها ابن العمّ وأحد الأصحاب تدفع صاحبنا لقتل زوجته ومحبوبته الأولى والأخيرة وغلامه الأقرب إلى قلبه”.

ويكتشف ديك الجن المكيدة بعد أن تقع الواقعة، فيمضي في البلاد طولا وعرضا ينشدُ شعره في رثاء محبوبته. محبوبة قتلها بيده فكان بقتلها كمن انتحر:

أيها السائل عني لست بي أخبر مني

أنا إنسان يراني الله في صورة جني

بل أنا الأسمج في العين فدع عنك التظني

أنا لا أسلم من نفسي فمن يسلم مني

دراما نفسية هائلة طبعت حياة ديك الجن، في ثورة الشك التي انتابته إزاء حبيبته “ورد”، تعززها وقائع وأحداث أبدع الرواة في سردها مما يجعلها تفوق خيال شكسبير في مسرحية عطيل وقصة انتقامه من حبيبته ديدمونة بفعل المتآمرين والوشاة على رأسهم شخصية “ياغو”.

أطفال يلاحقونه في الحي ويتصايحون “عامل داره خمّارة، وفاتحها للدعارة، عنده زوجة خوّانة، ومولى عاف الأمانة”، جماعة من رجال تبادلوا الغمز حين مرّ بهم وأومَأوا إلى جهته برؤوسهم، فأحسّ ديك الجن أن هذا السائل الأحمر الكثيف الذي ينصبّ في عروقه قد تحوَّل إلى سعير.

أقدم ديك الجن على قتل الحبيبة التي أحبها كما لم يحب أبدا، نفذ العملية بكل غضب رغم صراخ الجارية التي أفادته بالحقيقة ولكن بعد فوات الأوان. ولكي تكتمل الدراما، نخره الندم في ما بعد، فأنشد يقول:

قتلتها سفَها وجهلًا

وتبْكيها بكاءً ليس يُجْدي

كصَّـيادِ الطُّيورِ له انتحابٌ

عليها وهو يذبحُها بحدِّ

الحب

الحب في 14 فبراير 2021

كل الذكور الذين اشتعلت رؤوسهم الآن شيبا يتذكّرون حسناء

الصفّ الغنوج العنود في التعليم الثانوي وهم يتنافسون لعرض خدماتهم عليها في كتابة الوظائف المدرسية ويسعى كل مغفّل منهم إلى تقزيم غريمه برعونة واضحة مثل فارس فاشل، واهما أنّه سيفوز بقلبها المطبق على حب مجهول.

كل الرجال الذين يمرّون اليوم شاردي الذهن ملبّدي الإحساس أمام المنزل الذي كانت تسكنه ابنة الجيران المتأفّفة المتأنّقة في سنّ المراهقة، يسألون أنفسهم ذات السؤال: هل حقّا كنت أحبها.. كم كانت سذاجتي ممتعة في تلك الأيام.

تصغي زوجة اليوم إلى شريكها في البيت ورعاية الأطفال وأعباء الحياة وهو يتحدّث عن تلك الحماقات بمتعة هائلة فلا تزورها الغيرة ولا يرتدّ لها جفن (إلاّ فيما يشبه تودّد المجاملة والرفع من المعنويات) ذلك أنها تعرف جيّدا بأنّ رجلا آخر وفي مكان آخر يتحدّث الآن عن قصّة حبه الفاشل لزوجته هروبا من مشاغل الحياة وهمومها.

إطلالة على قصص الحب لدى الشعوب كفيلة بأن تصغي القلوب وتدفع نحو التسامح والتقارب

عفوا، وبالإذن من الكاتبة أحلام مستغانمي، ليس في الأمر “فوضى حواس” و”لا عابر سرير” ولا “نسيان دوت كوم”، إنما نظام في غاية الدقّة والحجّة والإقناع، لأنّ أبواب الاختيار تتّسع وتتعدّد مع الزمن عند كل نضوج، حتى وإن عزم الواحد وتوكّلّ في ذهابه لحلّ المشكلة مثل ذاك الذي تعلّق قلبه بإحدى المدعوات ليلة زفافه.

هذا إذا اعتبرنا الزواج – أو الحب – مشكلة ينبغي حلّها.

قس على ذلك في عالم السياسة والسياسيين لدى كل شعوب الأرض، إذا اعتبرنا البلاد حبّنا الأوّل ونظرنا إلى خصومنا كمنافسين نزيهين من أصحاب البرامج الانتخابيّة المقنعة. والزواج هو القيادة الشرعية التي قد تفشل أو تصيب، أمّا الحنين إلى ما قبل هذا الزواج أو الندم عليه أو السخرية منه فشأن عاديّ يحدث في أعتى الديمقراطيات كما يحدث في كل العائلات، وفق التعبير الدارج. ومقارباتنا الأولى التي قد يرفضها الكثير ويستهجنها، حجّته في ذلك أنّ الأوطان ليست شأنا شخصيا وعاطفيّا بل مسؤولية أكبر من هذا التسطيح.. هذا رأيه على كلّ حال، والسياسة سوق تتّسع للمئات من الدكاكين.

ألا يشبه الأمر ذاك الشاب الذي قصد محلا لبيع الهدايا في سان فالنتاين، وطلب من البائع 14 دبدوبا وقد كتب على كل واحد منها “أنت حبي الوحيد”.

دراما نفسية هائلة طبعت حياة ديك الجن
دراما نفسية هائلة طبعت حياة ديك الجن

حكيم مرزوقي

كاتب تونسي