الرئيسية / أضواء على / قصة عبدالقادر الحسيني في القسطل… مات ولكن إرثه حي

قصة عبدالقادر الحسيني في القسطل… مات ولكن إرثه حي

 

ناحوم برنياع
Nov 04, 2017
يديعوت 03112017

أمس الأول تسلقنا، داني روبنشتاين وأنا، القسطل، الجبل الذي يُشرف على الطريق إلى القدس. القسطل هو موقع وطني الآن، يافطات تصف بطولة المقاتلين الذين احتلوا الجبل وعادوا واحتلوه في نيسان 1948، نصبت على طول الدروب. في الطريق إلى بيت المختار في الأعلى. علم إسرائيل كبير يرفرف فوقه. وفي المنحدر يحمل أحد التلاميذ رفيقته على ظهره. «أنا غولاني»، يقول ويتنفس بصعوبة من جراء الجهد.
روبنشتاين («دافار»، «هآرتس»، واليوم «كلكليست») وأنا تسلقنا معًا هذه الجبال في السبعينيات. روبنشتاين كان مراسلا للشؤون الفلسطينية، وأنا كنت مراسلا لشؤون الاستيطان. في إحدى محاولات الاستيطان الليلية لنواة ألون موريه، قرب حوارة، سمح لنا المستوطنون بالانضمام إليهم فقط، بعد أن وافقنا على تأييد إقامة المستوطنة. حملنا معا عصا عليها سياج متلوٍ وبدونا كالرمز الشهير على سيارات مرشدي السياحة، بفارق واحد هو أن السياج حل محل عنقود العنب.
يقول روبنشتاين «في جيلي كان نهجان تربويان للموضوع العربي ـ أولئك الذين تعلموا عن العرب في إطار «إعرف عدوّك» وأولئك الذين تعلموا عنهم في إطار «إعرف جارك». مُعلّمي للعربية كان يوسف يوئيل ريفلين، أبو روبي ريفلين الرئيس. فقد آمن بالنهج الثاني».
هذا الأسبوع صدر عن «يديعوت احرونوت» كتاب روبنشتاين «إمّا نحن أو هم». نقطة انطلاق الكتاب هي ليلة المعركة على القسطل وسيرة حياة عبدالقادر الحسيني، القائد الكاريزماتي للفلسطينيين في القدس، الذي قُتل في تلك الليلة على الجبل، في سفوح بيت المختار. يراع القصة يتسع ويشمل ثلاثة حوادث وقعت في غضون 48 ساعة: احتلال القسطل، مذبحة دير ياسين والمعركة في حرس المرج. روبنشتاين مقتنع أن هذه الحوادث الثلاثة حسمت مصير الحرب ـ منحت النصر لإسرائيل التي لم تولد بعد، وحكمت على الفلسطينيين بمصيبتهم، النكبة.
بخلاف بعض زملائه، الذين جعلوا الخوف من كل عربي حياة مهنية، الخوف الذي يجلب مساحة النشر، فإن روبنشتاين ليس داعية: فهو يروي القصة. في كانون الأول سيبلغ الثمانين. خمسين سنة وهو يتجول بين الفلسطينيين، في أزقة القصبة في نابلس، في أسواق البلدية القديمة، في الدكاكين في مخيمات اللاجئين. يتجول ويسمع القصص ويدحرجها إلى الأمام. هو بطل روات القصص. في كل هذه السنين، سألته، ألم يكن هناك من هدد بإيذائك. لم يكن من أغلق في وجهك باب بيتك؟
قال «في حالات قليلة فقط. فإذا كنت تبعث على الثقة فإن الأبواب تفتح لك».

اعطني مثالا؟

«أصعد إلى سيارة أجرة عربية في القدس»، قال. «أول سؤال يسألني إياه السائق ماذا أريد العداد أم السعر. فأجيب بالعربية كل سعر تقوله. لا، يجيب السائق، كم أنت تقول. لا، أنا أقول، كم أنت تقول. ومن قولي إلى قوله، يقل الشك. الثقة في الحديث تملأ لدى الفلسطينيين دورا مركزيا».

فضيحة في الاحتفال

من كان عبدالقادر الحسيني؟.. سألت.
فقال «كان هو جِدا استثنائيا. خلفيته العائلية، كابن لإحدى العائلات الارستقراطية، رشحته لأن يكون رجل أعمال كبير أو رجل مهنة حرة، طبيبا أو محاميا. وبدلا من ذلك فضل التراكض مع الشبان البدو، فتيان التلال. طردوه في صباه من ثلاث مدارس. الاحتفال النهائي له في الجامعة في القاهرة تحول إلى فضيحة حين مزق شهادته أمام المعلمين والتلاميذ جميعهم.
«في أحداث 1936 ـ 1939 اكتسب عالمه مقاتلًا. وعندما انتهت الثورة العربية واصل القتال ضد البريطانيين في العراق. وبسبب كراهيته للبريطانيين ارتبط بالنازيين. وبالطبع، كراهيته للحكام العرب. فقد رأى فيهم خونة للقضية الفلسطينية».
في كانون الثاني 1948 كان في صوريف، قرب غوش عصيون، قاد قاعدة التدريب لقوته، الجهاد المقدس. وحدة البلماخ التي انطلقت بمساعدة مستوطنات الغوش اصطدمت بمرؤوسي الحسيني، هزمت في المعركة وذبحت حتى آخر مقاتل فيها. وقد نكلوا بالجثث. هذه هي القصة المأساوية لتلك اللحظة. فوزي نركيس، قائد غوش عصيون في 1948، كان في عام 1967 قائد المنطقة الوسطى. وقد سعى إلى إغلاق الحساب وأمر مقاتلي الدورية المقدسية بتفجير منازل صوريف. داني روبنشتاين كان أحد مقاتلي الدورية. «وضعنا مواد متفجرة في مبنى كبير في مدخل القرية»، كتب يقول. «لحق بالمبنى ضرر. كان واضحا أنه كانت حاجة لكمية هائلة من المواد المتفجرة لتفجير المنازل كلها. بعد وقت قصير انصرفنا. وبهذا تلخصت عملية الرد ضد صوريف».

من يحل محلكم

عبدالقادر كان في آخر أسبوع من حياته في دمشق. طلب السلاح، مدافع، رشاشات وبنادق حديثة، ذخيرة ومال لتمويل الحرب في القدس. أمّا ممثلو الدول العربية فقد تعاطوا معه باحتقار. رأوا فيه شخصًا بلا تأهيل عسكري، ورجاله أنفارًا. وفي النهاية تلقى شاحنة واحدة. عاد إلى القدس غاضبًا محبطًا، حاول اللحاق بقوته في القسطل وقُتِل مع الفجر. جندي في كتيبة الهاغناة، يدعى مئير كرميون، رأى ظلالًا. ظنه يهوديًا. وهتف يقول «مرحبًا يا جماعة». اعتقد الحسيني أنه أحد الفارين البريطانيين ممن انضموا إلى الفلسطينيين. فأجاب: «هلو بويز. ففهم كرميون أن أمامه يقف جندي عربي، صاح وأطلق النار عليه فقتله. بعد بضع ساعات قُتل هو نفسه. اليهود لم يعرفوا أنهم قتلوا الحسيني. العرب لم يعرفوا أن الحسيني قُتل. والهجوم الكبير على الجبل لم يُنظم إلا بعد أن فهموا أن بطلهم فُقد. في المعركة القاسية إياها ولد القول التأسيسي لقائد البلماخ شمعون الباسي: «الأنفار ينسحبون؛ القادة يغطّون». 39 مقاتلًا قتلوا في المعركة، بينهم الباسي وقائد السرية ناحوم ارئيلي. واحتل الجبل من العرب، وهجر. عندما التقى أنور نسيبة، أمين عام اللجنة الوطنية العربية في القدس، الناس في جنازة عبد القادر سأل إذا كان حل محلهم أحد على الجبل فأجابه أحدهم «نعم». فسأله من حل محلهم فاجابه «اليهود». كان الحسيني ابن 38 سنة عند وفاته. ترامبلدور فلسطيني. في الوعي الفلسطيني تثبت كـ «الميت الحي»، فقد مات ولكن إرثه حي. وأحبط مرؤوسوه تعيين قائد مجرب بدلا منه. «مات الحسيني، يحل محله الحسيني»، قالوا. لقد كان القسطل المعركة الأخيرة التي خاضها الفلسطينيون. في 15 أيار اجتاحت البلاد وحدات نظامية من الدول العربية، تغيرت وجه الحرب. سألت روينشتاين كيف جمعت المعلومات للكتاب.
فقال: «كان هذا أبسط من النبش في الكتب في الأدبيات. أثار اهتمام الناس الذين عاشوا في القرى هنا. إلى أين اختفوا. عرفت أنهم بشكل عام يواصلون السكن معا، في الحي ذاته، في مخيم اللاجئين ذاته. فقد درج على تسميتهم باسم المكان الذي جاءوا منه. وبعضهم جعل اسم القرية اسم عائلته.
«التجنيد لدى الفلسطينيين كان كله محليًا، قبيليًا، عشائريًا. حول عبدالقادر كان 20 شخصًا، رجال الجهاد المقدس. وقد نشرت أسماؤهم بكل مناسبة. فأنت تقرأ مثلا أن أحدهم، كامل عريقات، جلب معه إلى العمل رجال أبو ديس. تسافر إلى حي أبو ديس فترى اسم عريقات على دكان. تدخل الدكان وتسأل فيجيبوك على الفور كامل كان ابن عم جدّي، حفيده اليوم هو محامٍ في القدس. هو سيروي لك عنه». وهكذا دواليك. لقد تبين التسلق للشجرة العائلية كرهان آمن. وفي الكتاب يروي عن فلسطيني ما في الخليل صور صفحة من كتاب عن مذبحة يهود الخليل في عام 1929. وسجلت في الصفحة أسماء عرب في الخليل ممن أنقذوا اليهود. اسم عائلة أحدهم كان كاسم عائلة الرجل. سأله روبنشتاين لِمَ تحتفظ بالصفحة. فأجاب قائلًا: أريها للجنود في الحواجز. من كان منهم لك، سأل روبنشتاين. إذا لتعرف، قال الخليلي. نحن حامولة من آلاف الاشخاص. ولكن هذا يساعد في الحواجز. «مهما كان الأمر غريبا، فقد خرج الفلسطينيون بخير من النكبة. فقد أقام البريطانيون في البلاد بنية لدولة حديثة ـ شبكة مدارس، لم يستخدمها معظم اليهود ولكنها خدمت العرب جيدا، ميناء في حيفا، مطارات، محطات لتكرير الوقود، أنبوب نفط، بريد ومركزية هاتف. وقد عمل الفلسطينيون في هذه الأماكن. وكانوا أصحاب مهن. بعد 1948، عندما تطورت صناعة النفط، نشأ طلب على العاملين المختصين في دول الخليج وكان مال للدفع لهم. ياسر عرفات عمل مهندسا في الكويت، أبو مازن كان معلما في قطر. وقد ازدهر الفلسطينيون في الوساطة، بين أمراء النفط والعمال السود، بين الأغنياء والفقراء. وهذا ما يسمى دهاء التاريخ».
فقلت مع ذلك ليس فيهم حبا كبيرا لإخوانهم العرب. فروى يقول: «التقيت أصدقاء من رام الله. وقالوا إن وضعنا رهيب. العلاقات بين إسرائيل ومصر أوثق من أي وقت مضى. إسرائيل تساعد السيسي في السيطرة على سيناء. والعلاقات مع الأردن وثيقة جدا: إسرائيل تحمي حدود المملكة مع سورية ومع العراق. لديكم جبهة مشتركة مع السعودية ضد إيران وعلاقات ممتازة مع عدة دول في الخليج. أما نحن، فأين؟ لم يسبق أن كنا بهذا القدر في الأسفل.
«العرب خانونا في حينه ويخوننا الآن»، قالوا الجُمل ذاتها التي قالها الحسيني في 1948؛ الجمل نفسها كررها عرفات وقال لي في لقاءات أجريتها معه على مدى السنين.
«ينهض فلسطيني في الصباح، يفتح جهاز التلفزة ويشاهد عشرات القنوات العربية. يعرف أن حوله يعيش 350 مليون عربي. فيظن ألا يستطيع 350 مليون عربي طرد بضعة ملايين يهود من هنا؟». فقلت، هم لا يستطيعون ونحن لا نستطيع. إلى أين يتجه هذا برأيك؟ «نحن نتدحرج إلى دولة واحدة بين النَهَر والبحر»، قال. «هذا لا يعني أني أعتقد أنه جيد ـ هذا رهيب وفظيع ـ ولكن هذا ما يحصل. هنا صغير جدا، مكتظ جدا. إذا أريد أن تتجسد اليوم خطة الفصل لكلينتون، فالحدود حول القدس وحدها ستتلوى على طول 800 كيلو متر.
«الفجوة الاقتصادية ستسقط كل جدار حدود. منذ اليوم جزء من صناعة التكنولوجيا الدنيا في البلاد توجد هناك، عبر مقاولين فرعيين ووسطاء. أدخل إلى مصنع الفرشات للحرباوي في الخليل وستجد العلامات التجارية كلها للشركات الإسرائيلية. هناك مئات عديدة من المصانع في المناطق الصناعية في المستوطنات. يعمل فيها عرب. بعضهم يعملون أمناء مخازن ـ البضاعة تنتج في المدن الفلسطينية. الفلسطيني يزرع التوابل في طوباس، ويبيعها إلى إسرائيل من خلال مزارع يهودي في الغور، وكل ما يفعله هو إلصاق البطاقة الصحيحة».
من قمة القسطل يرى المرء كيف يمتلئ رواق القدس بالبيوت، كما يقول الشاعر، على التلة تجلس مدينة ـ وللدقة، مجمع تجاري، والآن مجمعان. في سفح الطريق رقم 1 الجديد، قرب المكان الذي يتفرع منه طريق الوصول إلى بيت زايت، يوجد البيت الذي نال اسم «كيلو ـ سابان»، الكيلو متر السابع.
ويروي روبنشتاين يقول: «كان هذا بيت المدام منيرة. منيرة كانت حسناء تزوجت من ابن عائلة عربية مرموقة. زوجها كان معظم الوقت سكرانا ومخدرا وكان يضربها.
وبعد أن ولد لهما طفل، تركت زوجها وفتحت في بيتها نُزلا للجنود الإنكليز. وتحول البيت إلى مكان للقاء. وكانت كلمتا «بيرة ومنيرة مترادفتان.
وما حصل بينهما كان شائعا من يافا حتى القدس. وعندما كبر الولد ترك البلاد وصعد عاليا في مراتب الجيش السوري.
«إذا أخذتني إلى هناك سأروي لك القصة كلها»، قال ليس ذات مرة زكي نسيبة، صديقي الطيب. وعدته بأن آخذه. «في هذه الأثناء مرض بالسرطان. وحتى عندما كان ينازع الموت، عاد وطلب أن آخذه إلى هناك، إلى كيلو سابان، ولكنه لم يكن قادرا على الحراك. وقد توفي قبل سنة».
يفهم من القصة أن للعرب أيضا أحلامًا وليست كلها تعنى بقتل اليهود. أحد أصدقاء روبنشتاين أبلغه أنه يعتزم أن يكتب للوزيرة ميري ريغف يبلغها أن كتابه يساري، خائن، مناهض للصهيونية. وإذا ما دعت إلى مقاطعة الكتاب فلعله يحظى بما حظي به «جدار حي» رواية دوريت روبنيان: الناس سيركضون لشرائه.

يديعوت ـ 3/11/2017

اضف رد