قصة امرأة تُحكى: أم كلثوم التي تقاضت في صغرها طبق مهلبية أوّل أجر لها

غصّت شوارع القاهرة بجموع غفيرة في وداع الرئيس الراحل الزعيم جمال عبد النصر في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وفي وداع #أم_كلثوم في العام 1975، التي عم طيف صوتها من القاهرة الى بيروت وصولاً إلى المغرب، وحتى أبعد من ذلك.

صوت العربكوكب الشرق على المسرح.

لطالما اعتبر العرب أن أم كلثوم هي صوت العرب، وهي ما زالت، وفقاً لمقالات عدة في صحف فرنسية، كوكب الشرق إلى اليوم لأنها أدّت دوراً أساسياً في تعزيز الفكر الناصري بين أبناء وطنها وعلى امتداد الوطن العربي. وبقي أثرها في الأعماق إلى اليوم، لأنها مارست جهوداً جبارة في رفض الصورة النمطية التقليدية للمجتمع، مع حرصها الشديد على تفادي أي انجراف وراء القيم الأوروبية.

وذكر الموقع الإلكتروني التابع لـ “France Culture” أن “ذكاءها الحادّ ساهم في صقل مظهرها الخارجي، الذي شكل من خلال اقتنائها لوازم خاصة ارتبطت باسمها وطبعت طلتها الخارجية: فأم كلثوم هي سيدة ترتدي نظارات سوداء اللون، وتسريح شعر كعكة مرفوعة المعروف بالـ “Chignon” ومنديل الحرير الأبيض المرافق الأساسي في يومياتها، وحتى خلال غنائها على المسرح”.

عرفت أم كلثوم بضخامة صوت، خوّلها للغناء ساعات عدة، في حفلات كانت فيها عملاقة الغناء المنفرد، ما أهّلها لأن تتوج صوت الأمة العربية والحافز الأساسي لتعزيز هذا الفخر لديهم”.

ولادة الأسطورة

صورة من الصغر لها.

متى ولدت أم كلثوم؟ في الحقيقة، ليس هناك تاريخ واحد يمكن أن نعتمده لنؤرخ به ساعة ولادتها. فقد كتب البعض عنها أنها من مواليد عام 1909 او 1904، بينما حدد تاريخ ولادتها في جواز سفرها بأنه يعود إلى عام 1900، فيما نشرت “الموسوعة العربية الميسّرة” أنها أبصرت النور في 20 كانون الأول 1898، وربما هذا هو الأرجح.

اسمها الحقيقي فاطمة البلتاجي، وهي ولدت في طماي الزهايره، مركز السمبلاوين. والدها هو الشيخ ابرهيم، الذي كان إمام المسجد، وأمها فاطمة الباز، وقد ألقوا عليها اسم أم كلثوم تيمّناً بإحدى بنات النبي محمد، وهي الصغرى بين أحد عشر ولداً، بقي منهم على قيد الحياة أختها الكبرى وشقيقها. 

خبر زواجها الثاني من الدكتور حسن الحنفاوي.

أصرّت أن تبقى حياتها الخاصة وراء كواليس الشهرة. لكن المعلومات أشارت إلى زواج، في مطلع حياتها، عام 1948 من الملحن المشهور محود الشريف، تبعه ارتباط آخر في العام 1955 بالدكتور حسن الحنفاوي.

“الولد الصغير”

مع فنانين لامعين امثال عبد الحليم حافظ.

لعب والدها دوراً أساسياً في حياتها، وساعدها في اتقان التجويد “وترتيل المدائح النبوية، فكانت تصغي إليه جيداً، ثم تردد ما تسمعه” لم تجرؤ أم كلثوم على إسماع صوتها لأبيها، الذي صادف أن سمعه يوماً، وأصابه ذهول من صاحبة ذلك الصوت الرخيم، التي لم تكن إلا ابنته فاطمة”. (ص 8-10).

وصفت الأديبة #إملي_نصرالله بدايات صاحبة الصوت الرخيم بأن عادت بالذاكرة إلى “لجوء والدها إلى الحيلة، “فخلع على ابنته، التي لم تكن تتجاوز التاسعة من عمرها، رداء الفتيان، وألبسها الكوفية والعقال. وهكذا، رافقت شقيقها لإحياء الحفلات”. نقلت المطربة الكبيرة تفاصيل هذه المرحلة مشيرة إلى “أن أول أجر تقاضته كان طبق مهلبية. ثم تدرجت إلى الحصول على عشرة قروش لدعم بعض ما تحتاجه العائلة”.

إصابتها بالرمد… والفونوغراف

ثلاثة حوادث غيّرت نمط حياتها: الحادثة الأولى كانت إصابتها بالرمد، ومعالجتها في القاهرة وإنقاذ بصرها. والثانية تعرّفها إلى الكّتاب بينما كانت تمر من أمام بيت العمدة، وفيه فونوغراف قديم، وسمعت من خلاله موسيقى، وتعلمت القراءة لتفهم كلمات الأغنيات. والحادثة الثالثة كانت مواجهة والدتها مع إحدى السيدات، التي دقّت وشماً على يد شقيقها، رافضة أن يُشوّه وجه ابنتها بأي وشم. (ص 10-12).

شاءت الصدف ان تلتقي عند “محطة السمبلاوين، الشيخ أبو العلا محمد، الذي تحدث مع والدها عن ابنته، ووضع ألحاناً لقصائدها الأولى. وغنّت له “وحقّك أنت المنى”، و”أفديه إن حفظ الهوى”، و”أماناً أيها القمر المطلّ”. وكان اللافت انتقالها إلى القاهرة الذي مر بمراحل عدة، بدءاً من العام 1920من خلال زكريا أحمد، متعهد صوتها في حينها. ثم غنائها للشاعر أحمد رامي “الصبُّ تفضحه عيونه”، من ألحان أبو العلا، تبعه في العام نفسه لقاء مع الدكتور أحمد النجريدي الذي لحن لها 13 قصيدة من نتاجه الشعري وشعر كل من أحمد رامي واللغوي علي الجارم.

تعلّمت العزف على العود على يد العبقري محمد القصبجي، وهو أستاذ محمد عبد الوهاب، وتملكت جرأة قوية لتغني في العام 1928 “إن كنت أسامح نفسي”. وكانت باكورة تسجيلاتها، فيما يرجّح البعض أن الأغنية المسجلة الأولى هي “مالي فُتنت بلحظك”.

على المسارح، كانت تطل أم كلثوم مع القصبجي على العود، وبرفقة محمد العقاد على القانون وسامي الشوا على الكمان. لم تتوانَ عن محاولة تلحين أغانيها، كما رددت في مقابلات عدة. بقي القصبجي معها حتى وفاته في العام 1966. وتوالت معارفها لترسو على الملحن رياض السنباطي وتؤدي أغنية “رائعة عيون حبيبي” عام 1936″. واكتمل مشوارها بالتمثيل السينمائي (ص 12-15)، فأدت أدواراً في فيلم “وداد”، و”نشيد الأمل”، و”دنانير”، و”عايدة”، و”سلّامة”، وفاطمة”.

كوكب الشرق

في لبنان مع السيدة فيروز.

كانت ملهمة بالشعر، واختارت قصائد لكبار الشعراء منهم حافظ ابرهيم، عمر الخيام، نزار قباني، جورج جرداق، صلاح جاهين وسواهم”. أحيت أولى حفلاتها في لبنان عام 1934 في “التياترو الكبير”، أتبعتها بحفلات أخرى في “الريفولي” و “بيسين عاليه” وصولاً الى مسرح الأوليمبيا في باريس.

في العودة إلى مصر، منعها قائد جناح مجلس الثورة وجيه أباظة من الغناء في بدء الثورة عام 1952. وانتصر لها الزعيم عبد الناصر وفتحت معه صفحة جديدة تكللت بلقاء فني بينها وبين محمد عبد الوهاب أثمر أداءها أغنية “إنت عمري” في العام 1963.

مع الفنانة الراحلة صباح والراحل حنكش ورفاق الدرب.

أم كلثوم، التي كانت تتلو آية الكرسي قبل صعودها الى المسرح، انقطعت عن الغناء عندما أُبلغت بوفاة الرئيس عبد الناصر، فقطعت زيارتها إلى الاتحاد السوفياتي لتعود الى مصر يملؤها الحزن، وأدت له بعد أشهر على وفاته أغنية “رسالة إلى القائد” لنزار قباني.

حظيت أم كلثوم بعلاقة تقدير واحترام من الزعيم عبد الناصر وصولاً الى الرئيس الراحل أنور السادات. توفيت عام 1975 تاركة ثروة فنية لامرأة لا تتكرر مرتين.أحد الحضور يتجاوب مع غنائها في إحدى حفلات ام كلثوم.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*