الرئيسية / home slide / قرنان على “مغامرات شامبليون”: مَن فك رموز الهيروغليفية حقاً؟

قرنان على “مغامرات شامبليون”: مَن فك رموز الهيروغليفية حقاً؟

السبت 2022/05/28شادي لويس
Almodon.com

يكثف حجر رشيد الصراع الامبراطوري بين باريس ولندن

“إذن ألن يتوقف الدكتور يونغ المسكين؟ لماذا يثير المسألة القديمة المحنّطة بالفعل؟ الفضل لأراغو وتحمله الضربات ببسالة من أجل تكريم الأبجدية الفرنسية- الفرعونية. يمكن للبريطاني أن يفعل ما يشاء – هي (المصرية القديمة) يجب أن تكون ملكنا: وستتعلم كل إنكلترا العجوز من فرنسا الشابة تهجئة الهيروغليفية بطريقة مختلفة تمامًا”
(مقطع من رسالة كتبها شامبليون إلى شقيقه في أيار/مايو 1829)


من 12 أبريل/نيسان وحتى 24 يوليو/تموز، تحتفل المكتبة الوطنية الفرنسية بمرور مئتي عام على فك رموز الهيروغليفية، في معرض بعنوان “مغامرات شامبليون”. وفي سياق الاحتفالات الفرنسية بـ”عام شامبليون”، يقيم متحف اللوفر لاحقاً، معرضاً آخر مخصصاً للغرض نفسه، هذا بالإضافة إلى برنامج مزدحم بالفعاليات في مسقط رأسه في بلده فيجياك، وهي المدينة التي تحتضن متحفاً باسمه ونصباً ضخماً لحجر رشيد من تصميم الفنان الأميركي جوزيف كوسوث.

حتى وقت قريب، اعتبر شامبليون أحد أبطال التنوير، ففكه لشفره حجر رشيد لم يضع فقط الأساسات لعِلم المصريات، بل كان أيضاً واحداً من أكثر النماذج إدهاشاً لفتوحات عصر الأنوار وللكيفية التي استطاع بها المنهج العلمي، أن يفض مغاليق الماضي وأسراره. وكأن حجر رشيد نيشان آخر للثورة الفرنسية في تحريرها للماضي من ظلمة الجهل، بقدر وعود الجمهورية الوليدة بتحرير المستقبل البشري سياسياً.

إلا أن ولوج التأثيرات “الما بعد استعمارية” إلى حقل المصريات قد دفع إلى إعادة النظر في السردية التنويرية. فاكتشاف الحجر نفسه يعود إلى حملة نابليون على “الشرق”، أي نقطة الانطلاق للمرحلة الاستعمارية في المنطقة. ففي تموز/يوليو 1799، عثر الضابط الفرنسي بيير بوشار على الحجر إثناء أعمال حفر حول طابية مملوكية بالقرب من مدينة رشيد. ينسب للضابط المهندس بوشار إدراكه المبكر للقيمة العلمية للنص المكتوب بثلاثة نقوش مختلفة، إلا أن ملابسات اكتشاف الحجر كانت تتعلّق بأكثر من مجرد نباهة أحد الضباط الفرنسيين. فأعمال الحفر حول الطابية بغرض تحديثها وتحصينها، كانت قد توافقت مع تغيير اسمها إلى “حصن جوليان”، نسبة إلى الضابط توماس جوليان، أحد مساعدي نابليون المقرّبين، والذي قتل أثناء المعارك بالقرب من قرية “علقام” على ضفاف النيل. وحينها أمر نابليون بتدمير القرية بغرض الانتقام، ثم تمّ حرقها بالكامل. وهكذا توازى اكتشاف الحجر مع الاستيلاء على الماضي وإعادة تسميته فيما كانت قرية تُمحى من وجه الخريطة.

في العام 1800 سيسقط بوشار في أسر القوات البريطانية، كما سيغدو الحجر الذي اكتشفه غنيمة حرب للمرة الثانية. ففي العام التالي من وقوعه في الأسر، سيصر البريطانيون على الاستيلاء على الحجر قبل رحيل الفرنسيين عن مصر. وفي لحظة ما، أثناء المفاوضات، سيهدد القادة الفرنسيون بإحراق القطع الأثرية التي في حوزتهم، إلا أنهم يتراجعون في النهاية لحسن الحظ. ليستقر بعدها الحجر كدرّة لمقتنيات المتحف البريطاني، ويغدو مع الزمن أيقونته السياحية الأشهر إلى اليوم.

يكثف الحجر الصراع الامبراطوري بين باريس ولندن، وكما يظهر من النص المقتبس من رسالة شامبليون في مقدمة المقال، فتلك المنافسة تمتد إلى امتلاك الأبجدية المصرية القديمة نفسها، تلك الموصوفة بـ”الفرنسية- الفرعونية”. يشير شامبليون في خطابه إلى العالم البريطاني، توماس يونغ، إلى مطالبته المتكررة بالاعتراف بفضله في فك رموز حجر رشيد واللغة المصرية القديمة. عرف يونغ، بلقب طويل “آخر الرجال الذين يعرفون كل شيء”، فبالإضافة إلى كونه طبيباً وأستاذاً جامعياً في فلسفة العلم، وضع أيضاً أسس النظرية الموجية للضوء، و”نظرية الألوان”، بالإضافة إلى مساهمته في علم التشريح ونظرية “ديناميكا الدم”، وعلم اللغات المقارن، وكذا ينسب له نحت مصطلح “اللغات الهندو-أوروبية”. كان يونغ الذي طرق دراسة المصريات كنشاط جانبي، هو أول من أنكب على دراسة حجر رشيد ووضع أبجدية للمصرية القديمة. تعاون شامبليون مع يونغ أحياناً، وسادت القطيعة بينهما أحياناً أكثر، إلا أن الأكيد هو أن شامبليون اطّلع على نتائج دراسات يونغ وبنى عليها. كان الأخير قد توصّل إلى تحديد عشر أصوات من الأبجدية المصرية القديمة بشكل صحيح فعلاً، إلا أن الوقت لم يسعفه لفك شفرة قواعدها النحوية، كما أن فرضيته بأن النصوص الثلاثة على الحجر هي ترجمة حرفية وليست ترجمة تقريبية هو ما أعجزه عن التوسع في اكتشافاته.

والحق أن شامبليون، الذي تفوق على يونغ بفضل معرفته المتعمّقة باللغة القبطية، يظل صاحب الفضل في الكشف النهائي عن أسرار اللغة المصرية القديمة. إلا أن سردية العبقرية الفردية لا تتفق مع الوقائع التاريخية، فرحلة البحث التي تمّت في سياق تنافس إمبريالي بين فرنسا الشابة وبريطانيا العجوز، كانت عملية تراكمية ساهم فيها عدد من العلماء، كان بينهم بعض من معاصري شامبليون البريطانيين وبعض أساتذته الفرنسيين.

في العام 2000، أصدرت جامعة أوكسفورد كتاباً للدكتور عكاشة الدالي، بعنوان “الألفية المفقودة: مصر القديمة في الكتابات العربية في العصور الوسطى”. أثار الكتاب حينها الكثير من الحماس داخل الدوائر الأكاديمية، فمقولة “الألفية المفقودة” التي تنسب إلى شامبليون إعادة فتح باب المعرفة في مصر الفرعونية بعد قرون من التجاهل منذ الفتح الإسلامي، فككت تماماً وتمّ التدليل على خطئها بشكل حاسم. فعبر استعراض مئات المخطوطات والنصوص العربية، يكشف الدالي عن اهتمام حثيث ومعرفة راكمها الكتّاب والرحالة واللغويون العرب في مصر القديمة، وتضمّن انتاجهم خرائط ورسوماً ومخططات للأثآر الفرعونية ومواقعها وجداول للكنوز والوصفات الطبية وشروحاً لعمليات التحنيط ومحاولات لتأريخ حقب مصر القديمة وممالكها وفهم دياناتها وطقوسها وأساطيرها وتصنيفات آلهتها، وكذلك لوائح الأبجدية الفرعونية وأصواتها ومعاجم بمعاني كلماتها، وأحياناً ترجمات لبعض النصوص الفرعونية إلى العربية.

وصل الحماس الذي أثاره الكتاب إلى وسائل الإعلام الغربية، فأعلنت صحيفة “الغارديان”، ولاحقاً وكالة “رويترز”، أن أول من فك رموز الأبجدية الفرعونية هو الكيميائي المسلم، أحمد ابن وحشية، في كتابه “شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام” والذي صدر في القرن الثالث الهجري وترجم إلى الإنكليزية في العام 1806. بالفعل يذهب الدالي إلى أن ثلاثة من العلماء المسلمين، على رأسهم وحشية، قد اكتشفوا في ما بينهم، عشرة من أصوات الأبجدية المصرية القديمة.

إلا أن فحصاً سريعاً لمبالغة الدالي المتعلقة بفك شفرة الفرعونية، والمدفوعة على الأغلب بنوايا حسنة معادية للمركزية الغربية، تكشف افتقادها للدليل التاريخي. فوحشية لم يكن عالماً بالمعنى المفهوم، فكتاباته تقترب من أعمال السحر والطلاسم أكثر منها للغويات والكيمياء، والأصوات التي توصّل إلى بعضها بشكل صحيح يمكن نسبتها إلى الصدفة، على خلفية افتقاده لأي منهجية نظامية.

يحتفظ شامبليون بمكانته كأب لعلم المصريات، ويبقى عمله قفزة هائلة في المعرفة البشرية، وكذا تظل تلك البطولية متموضعة في سياق من العنف العسكري والنهب المادي والاستيلاء الأدبي على خلفية من التنافس الاستعماري. نعرف أيضاً أكثر من أي وقت مضى، أن ألف عام سبقت شامبليون لم تكن منسيّة أو مظلمة، بل كانت مفعمة بالفضول والتوق للمعرفة ومحاولات تحصيلها وفك ألغازها ومراكمة كشوفها.