الرئيسية / home slide / قراءة في كتاب تحولات النخبة الفلسطينية

قراءة في كتاب تحولات النخبة الفلسطينية

18-11-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

غلاف كتاب تحولات النخبة الفلسطينية

فارس اشتي

يقدم صقر ابو فخر في كتابه الجديد تحولات النخبة ال#فلسطينية الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات على مواصلة هزّ توتة السائد من الأفكار بولوجه حقل النخبة الفلسطينية وتحولاتها معتمداً الاسلوب الشيق والمشوق في نقل الفكرة الى اوسع القراء دون التزام منهجية البحث الأكاديمي الجافة والمحدود الإنتشار، ويتعمد ذلك لهمه المقيم منذ بداية كتاباته بفلسطين والتقدم.

وقد استحسنت الكتاب لغناه، ككل كتابات صقر،بالمعلومات ولتناغمه مع مشروع أعده ” تشكل الأحزاب في البنى المجتمعية الهجينة، المجال العربي نموذجاً”ويمكن أن يدرج تحت عنوان تحولات الأحزاب السياسية في المجال العربي، والأحزاب في النهاية نخباً وصح توقع استحساني من حيث غنى المعلومات ومن حيث تقديمه نموذجا لتحول الأحزاب في فلسطين.

ويتضمن الكتاب اربعة عناوين، مع مقدمة: تحولات النخبة الفلسطينية من الأعيان والأغوات الى التبعثر وضمور الفاعلية، ظاهر العمر بطل أومتمرد، الرموز والهوية الفلسطينية من الجماعة الى المجتمع، السير والمذكرات الفلسطينية: المكان والهوية والمحو.

وتدرج الابحاث الاربعة في العنوان على تفاوت بينها، واكثرها اقتراباً مباشراً منه هو الأول والاكبر( 64 صفحة) ويليه في الكبر الاخير( 57 صفحة) الأغنى في المعلومات التي يمكن أن يبنى عليها تعمقاً اكثر في فهم النخبة الفلسطينية وتحولاتها، ويشكل الثالث( ظاهر العمر) نموذجا للنخبة في العهد العثماني كما يشكل الرابع نموذجا للتحول الذي لم يكتمل في فلسطين، وأضيف في كل #البلدان العربية، من الجماعة الى المجتمع.

ويمكن القول، تبعاً لمندرجات الكتاب خمس مراحل لتحول النخبة الفلسطينية هي:

1. مرحلة ماقبل تفكك #الإمبراطورية العثمانية، وكانت النخبة للأعيان وهي نخب محلية ترجرج أطارها الجامع بين المنطقة والعشيرة ولم يبلغ مستوى الأمبراطورية، وما تجاوز المنطقة والعشيرة، بالإلتزام أو بالتمرد، بلغ مستوى الولاية، ومثّله في الكتاب ظاهر العمر الزيداني.، واستمرت هذه النخب فاعلة بعد تفكك الامبراطورية وتشكل الأطر الدولتية إبان الإنتداب.

2. مرحلة تهجين النخب، وهذا التعبير لايستسيغه صقر، حين أسس الاعيان، وبكلام ادق بعضهم، أحزابا سياسية حديثه ومثلها الأبرز حزبان:حزب الأستقلال العربي المؤسس فرعه الفلسطيني في العام 1932 من أعيان فلسطينين شاركوا في جمعية العربية الفتاة التي تحولت مع الحكم العربي في العام 1919 الى حزب الأستقلال، والحزب العربي الفلسطيني الذي اسسه الحاج امين الحسيني وما يمثل من عصبية عائلية منتشرة وفاعلة في العام 1934، وكان الحزبان ممثلين لنخبتي الأعيان المتنافسين، وقد أرتدت لبوسا حديثا. وكان التطور اللافت في هذا التحول متعدد المستويات؛ أحدثه انبناء أطار دولتي حديث ، لاول مرة، اسمه فلسطين وضم ما سيعرف به لاحقاً، وعملت الدولة المنتدبة على فرض مظاهر الحداثة فيه، قانوناً واحزاباً وإنتظاماً واحداً، واقدمه تحول الأعيان من وجهاء مناطق وزعماء عشائر وعائلات وملتزمين الى اقطاعيين وملاك اراضٍ بعد صدور قانون الأراضي في العام 1858 وتلاعب النافذين بتطبيقه، والمتوسط بينهما نماء المدن الساحلية بفعل التوغل الرأسمالي في الأمبراطورية وقيام نخب وسيطة لهذا التوغل فيها، بين التجار والمالكين.

3. مرحلة الحداثة المحجوزة، وهي ما بعد ثورة 1936، التي أنتجت نخباً بفعل ما سبق وبفعل الثورة نفسها وما حملته من هم مواجهة الحركة الصهيونية هي:

أ‌. نخبة الأعيان، وقد تطعمت بحداثة مضافة بتعلم الجيل الجديد منه تعليما حديثا وإشتغال بعضهم في الأعمال والمهن والوظائف المستجدة، وتمثلت بثلاثة احزاب: الحزب العربي الفلسطيني للنخب الحسينية ومن انضوى في عصبيتهم وحزب الدفاع للنخب النشاشبية ومن لف لفهم، وهما حزبان ونخبتان مدينيتين مع أمتداد سلطوي بالملكيةوالتوسط التجاري في الريف ، وحزب الزراع الذي مثل اعيان الربف الخالصين في ريفيتهم والمناوئين لنخب الحزبين الآخرين لمدنيتهم ولنفوذهم المتفوق في الريف نفسه، ولم يتورعوا عن التعاون مع السلطة المنتدبة والمنظمات الصهيونية بفعل ذلك، وربما ، كما أورد صقر، استغل الطرفان هذا الكره لتشيجعهم على اقامة الحزب.

ب‌. النخبة الفلاحية المتوسطة في الملكية والدخل والمقيمة في القرى والمستشعرة خطر بيع الاراضي للصهيونيين والمنخرطة بالسياسة من هذا الموقع، وهي عماد ثورة 1936 التي حكم تشتتها وتقليديتها تعثر الثورة، رغم كل التضحيات التي قُدمت.

ت‌. النخبة المدينية وهي التي تكونت، بشكل أساسي، في المدن، سكناً قديماً ونزوحا حديثاً اليها، من ابناء موظفين ووسطاء تجاريين متوسطين وعمال، وتشكلت في أحزاب سياسية حديثة، وبخاصة الحزب الشيوعي الفلسطيني، وقد نحا نحو التعريب، والنقابات العمالية وما بني من تنظيمات على اشلاء حزب الأستقلال ومن الانخرط بثورة القسام.

4. مرحلة الحداثة المتشتتة، وهي مرحلة ما بعد النكبة حتى اتفاق اوسلو، التي فقدت النخبة فيها الأطار السياسي المؤسس، بالجغرافيا، مع الإنتداب، وتوزعت بالجغرافيا، ايضاً، الى ثلاث نخب مقيمة في فلسطين: الضفة وغزة والأراضي المحتلة والى نخب في بلدان اللجوء واهمها لبنان وسوريا والعراق ثم امارات الخليج ودول العالم باسره. وتبدلت طبيعة النخب بفعل فقدان الأطار الجامع، دولة فلسطين، وضياع الأرض ليحل محلها الهوية، لا الدولة، ورأس المال ومندرجاتها، لا الأرض، في الأنتاج واصبحت كالآتي:

أ‌. نخبة الاعيان ، وقد فقدت الارض في قسمها الفلسطيني المحتل وتحولت زراعتها في القسم الضفوي الى الزراعة التصديرية، فنحت النخب النشاشبية نحو الاردن، لجوء وتوجهاًر ،ونحت النخب الحسينية نحو لبنان وسوريا ومصر، واصبحت توجهها الأنتاجي تجاريا والسياسي ناصريا وبعثيا، ومن بقي في فلسطين حُجم والتحق بالدولة الناشئة، على تمايز محدود عنها، اتاحه قانون النسبية الأنتخابي، وحافظت كل منها على الولاء التقليدي.

ب‌. النخبة الفلاحية، لم تعد فلاحية، واصبح من نزح منها عاملا أو مستخدما في مخيمات النزوح وفي بلاد الإغتراب، وبقدر ما يفترض أن يضعف فقدان الأرض العصبية العائلية والعشائرية والمناطقية بقدر ما عززها التشتت وفقدان الضمانات وطلبا الحماية وتأمين الرزق، وكانت هذه النخبة في صلب تكوين المنظات الفدائية التي لم يمنع حداثتها ، كتنظيمات، ووطنيتها، كتطلب للتحرير، من استمرار البني الأولية في تركيبها، وكانت فتح المثل الأشد وضوحاً في ذلك.

ت‌. النخبة المدينية التي لم تعد مدينية، للنازحين منها، ومن بقي منهم في فلسطين تأقلموا بحدود ما يتطلب البقاء في الدول واتجهت بغالبيتها الى الحزب الشيوعي الذي يلبي الشرطين والى أطر قومية استحدثت، اما النازحون منها فقد انضم اليهم الصاعدون من الفئة الفلاحية بفعل الوظيفة والهجرة الى امارات الخليج والخارج واصابة بعضهم التحسن في الدخل من جهة والهابطون من الأعيان الذين شتت النزوح وتوزيع الارث والعمل الوظيفي والتجاري من تبدل نخبويتهم، وكانت هذه النخبة في صلب التنظيمات القومية بين الفلسطنيين، ثم في تكوين المنظمات الفدائية خارج فتح.

5. مرحلة العولمة التي تلت قيام السلطة ، لا الدولة، الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1992 التي توافق قيامها مع تحول كبير في الرأسمالية العالمية(سيطرة الشركات العابرة للدول) والنظام العالمي( تفكك الكتلة السوفياتية والغلبة الأميركية فيه) ووسائل الاتصال والاعلام والاتصال، وبروز نمط جديد من الاحزاب في البلدان الاوروبية ( احزاب الشبكة)، وقد شهدت المرحلة التباسات طالت النخبة الفلسطنية، بعضها يتماثل مع النخب في البلدان العربية وربما العالمية وبعضها محصوربها؛ واهمها إثنان: التباس في اطارها السياسي والتباس في أحزابها السياسية.

ففي الإطار السياسي، لم تسقط الهوية كإطار سياسي ولم تبن الدولة لاسباب فلسطنية معروفة ولاسباب في سياسات الشركات العابرة المضعفة للدولة ، فكان التشتت بين الإثنين.

وفي الاطار الحزبي، خفّ حضور الأحزاب الجماهيرية، وهي هنا المنظمات الفدائية الفلسطنية، وبرز نوعان من “الاحزاب” المنظمات المدنية والتنظمات الإسلامية العابرة للحدود. وكل منهما عبر عن تخلل في بنى النخب بين مشدودة للانتماءت الاولية و مشدودة للحداثة ومشدودة لما بعد الحداثة. ويمكن رصفها بثلاث:

أ‌. نخبة الأعيان تغيرت بفعل تغير البنية والاطار وبفعل الزمن لتحل محلها نخبة الرأسماليين ووجهاء النضال، وبقدر ما أثرت ودخل بعضها سوق الرأسمالية العالمي بفعل وسائل الإتصال والإعلام بقدر ما بقيت مشدودة لاطار الهوية وللبنى الأولية.

ب‌. النخبة الفلاحية التي اصبحت نخبة اللاجئين بعد النكبة اصبحت نخبة المهمشين في مجتمعات اللجوء والهجرة لاسباب في هذه المجتمعات ولاسباب في النظام الأقتصادي الدولي وكانت ركيزة الاحزاب الاسلامية العابرة للحدود، واستمرت على الانشداد للانتماءات الاولية التى طغى عليها الانتماء الديني

ت‌. النخبة المدينية بقيت مدينية دون مدن فلسطينية وفي كل المدن وعبرت المنظمات المدنية عن حضورها السياسي مع استمرار تمثيل المنظمات الفدائية لها، دون الفعالية السابقة.

ويخترق تحولات النخبة التي عرضها الباحث ومرحلتها بطريقتي قضيتين شغلتاه، بحثياً ونضالياً، الأولى: التحول الفلسطيني من جماعة/ جماعات الى مجتمع او حسب التعبير التي استعلمه منسوبا الى ياسين الحافظ من الإنتماء الاقوامي الى الإنتماء القومي ، والثانية الحداثة.

وأرى التحول الى مجتمع يتطلب وجود دولة واحدة تحكم انتظام الجماعات/ الاقوام ضمنها وتتحقق ذلك بحدود إبان الانتداب دون أن يكتمل لوجود الأنتداب نفسه وللهجرة الصهيونية ومواجهتها ولقصر مدته، وتعذر تحقيقه بعد النكبة ثم بعد النكسة ولم تتيحه السلطة ، بعد اوسلو، لجزئية حضورها، جغرافيا وبشريا، ولا يبدو في الأفق حلاً لدولة فلسطينية على كامل ترابها، والمطروح بحده الأقضى دولة مدنية للعرب واليهود وبحده الأدنى والممكن دولة على الضفة والقطاع الأمر الذي يعني إستحالة دولة فلسطينية لكل الفلسطنيين على كامل ترابه.

أما الحداثة على النموذج الغربي في فلسطين وفي كل البلدان العربية فمستحيلة لتعذر العمليتين اللتين انتجتها في اوربا خلال قرنين: التصنيع وبناء الدولة الحديثة، وبعض هذا التعذر بل اغلبه إختراق التوسع الرأسمالي حين اكمل بناء الدولة وارساء السوق الوطنية للبنى المجتمعية المستعمرة، ولا يعني هذا تعذر حداثة عربية ما وارى شرطه الاول قيام دولة القانون.