الرئيسية / home slide / قراءة في “الشرق المتخيل في الخطاب الغربي” لجان جبور: التنوير المنقوص

قراءة في “الشرق المتخيل في الخطاب الغربي” لجان جبور: التنوير المنقوص

27-05-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

“الشرق المتخيل في الخطاب الغربي”.

خالد كموني

“شرق/غرب”؛ في عنوان كتاب #جان جبور “الشرق المتخيَّل في الخطاب الغربي” (جروس برس ناشرون)، يؤجِّجُ عند القارئ نار الوعي الحارِق لماضٍ كأنه فاجأنا الآن كيف حصل بهذه الفجاعة! هل يُعقَلُ أن يكون التنويرُ والتقدُّم والتطوُّر والارتقاء الذي حصلَ في أوروبا هو نفسُه السبَّبَ الذي حدا بأوروبا إلى استعمار الشرق واحتلاله، وخلْق “إسرائيل” في فترة لاحقة، والاستهانة بالمعطى الحضاري العربي؟ هل كان بناء الدول الأوروبية يحتاج إلى كل هذا العدوان الحضاري؟ هل صحيح أن هذا الغربي تصرَّف هكذا لأنه مسيحي؟ هل الإسلام دين إرهاب وقتل؟ هل تحتاج الإنسانية كل هذا “الخوف”، بعضها من بعض؟!

الكتاب الذي بين يدينا انقسم إلى أربعة أبواب، تناول في الباب الأول “الحروب الدينية وتشكل صورة الآخر”، حيث تظهر صورة الإسلام كدين أضاليل ومحمد كساحر ماجن كاذب والعرب كأمة متوحشة، كل ذلك تمهيدًا للحرب الصليبية على الشرق، التي فشلت واستمرت، ثم فتح الأتراك القسطنطينية، وصار الأتراك هم الكفرة، ثم المشاكل الداخلية الأوروبية بين الكاثوليك والبروتستانت، كل ذلك برز في الخطاب الأدبي والشعري والروائي، وبالمحصلة بالخطاب الديني والسياسي. نأخذ شذرةً من خطاب البابا أوربانوس الثاني للجماهير في مدينة كلارمون عام 1095، يقول: “أي خزي سيلحق بنا لو تمكن هذا الشعب الكافر الذي – وعن حق – لا يستحق سوى الاحتقار وقد تجرد من صفة الإنسان وتحوَّل عبدًا حقيرًا للشيطان، أي خزي لو تمكن من التغلب على الشعب الذي اختاره الله العلي القدير!” (ص 16)

ثم يعرض جبور “أنشودة رولان” ليُظهِرَ البناء التوهمي التخيُّلي التعبوي لصورة الآخر، وليبيِّن العقلية القروسطية التي كانت سائدة من القرن الثامن حتى القرن الحادي عشر الميلادي، والتي تقسم العالم إلى ثنائية ضدية: خير/شر، كفر/إيمان،… فهذه الملحمة الشعرية كل شخوصها وأربابها وأصنامها وآلهتها ليس لها علاقة بالإسلام ولا بمحمد، ولا بالمسيحية وشخص السيد المسيح حتى، إذ يمكننا عندما نقرأ الأبيات الشعرية وتدخُّل القوى الخارقة لمساعدة الإفرنج والكلام عن ثلاثة آلهة داخل الملحمة هم “محمد وأبولان وترفاغان” أن نرى أثر الوثنية الرومانية متجسدًا في فهم الدين بشكل عام. فمحمد إله؛ نعم، لأنهم يفهمون اللهَ صنمًا حاضرًا أمامهم كآلهة معبد دلفي، وأنصاف الآلهة وأنصاف البشر. ودفاعهم عن عقيدتهم هو انتصار إله على إله، وتشويهه وقتله وإظهار ضلاله وكفره وزيفه، فعندما يهزَم المسلمون: “وراح كثير من هذا الشعب الكافر ينتحبون ويصرخون معبرين عن ألمهم، منددين بآلهتهم ترافاغان ومحمد… ثم بارك الأساقفة الماء/واقتادوا الكفار إلى جرن المعمودية/ حيث تقبل العماد أكثر من مئة ألف…” (ص 30 و33).

ثم بعد ذلك يعرض الكاتب “أنشودة أنطاكية” التي “تكرر الأفكار السابقة التي شكلت صورة الخصم وهي تنم عن جهل بمعتقداته. لذا تسيطر المبالغة التي هي سمة الأعمال الأدبية في تلك الحقبة… أناشيد ملحمية تعظِّم الأنا الذي يمتلك الحقيقة وتحقِّر الآخر الذي يصوَّر بشكل مستمر على أنه مضلل وكافر وملعون وعبد للشيطان” (ص 60). إذًا لقد تميز أدب تلك المرحلة بشطحاته واستخدامه الأسطورة والمخيال الشعبي لوصف الحوادث، وبالنتيجة تطويع الأحداث لتخدم التصورات، “حيث يطلق الكاتب العنان لهلوساته وتخيلاته وكوابيسه، فيغيب الحدث وتتشوه الصور وتتغير الوجوه والأسماء. فصلاح الدين المدافع عن الإسلام وقاهر الصليبيين يتحول وبعملية احتوائية سحرية إلى سليل أسرة إفرنجية، ولا يلبث أن يطلب العماد ويعتنق المسيحية” (ص 76). ثم يعرض الكاتب في الفصل الأخير من هذا الباب لكتاب غليوم بوستيل “جمهورية الأتراك” الذي يتناول صفات الأتراك وأخلاقهم ومحاسنهم وتسامحهم وعاداتهم، وهذا كله ليس من باب المدح للإسلام وأهله كدين، بل من باب تحفيز المسيحيين الأوروبيين للنهوض ووقف الاقتتال الداخلي. فبوستيل يرى في القرآن كتابًا “يحتوي على الحماقات الأكثر غرابة…” (ص 87). وبوستيل يعد الإسلام “عقابًا للمجموعات البشرية” ويرى في المغاربة (السرزانيين بحسب التسمية الأوروبية للمسلمين) “إنهم الأكثر خيانة وضلالة وتوحشًا، وهذا ما يفسر كونهم الأكثر تمسكًا من بين البشر أجمعين بهذه البدعة اللعينة” (ص 88). وهنا يخلص جبور إلى أن “النظرة الإنسانية الشاملة التي كانت في أساس فكر النهضة لم تتوصل إلى تحرير الشرق في الذهنية الغربية من دائرة الجهل والعداء” (ص 90).

في الباب الثاني “الكلاسيكية وعصر الأنوار: بين التغرب والتنوير” يعنينا منه ربط كلام التنوير بتبرير الاحتلال، ففيلسوف مثل لايبنتز “تقدم من الملك لويس الرابع عشر بمشروع “علمي” للسيطرة على الشرق انطلاقًا من مصر كونها “المفتاح الرئيسي وصلة الوصل…”” (ص 96)، وهذا العصر عصر فولتير ومونتسكيو وفولناي، وأمثالهم ممَّن لم يتمكنوا مفارقةَ التخيُّل لمحمد والإسلام وحياة العرب وقد نعتوا الشرق بالتعصب (كما فعل فولتير) والجهل والتوحش… أو مونتسكيو الذي روَّج لفكرة “الشرق-التسلط” واعتبار الشرق غير قادر على تقبُّل التنوير استنادًا إلى نظرية المناخات، فيقول: “يجب ألا نتعجب من أن خساسة الشعوب التي تعيش في مناخ حار جعلتها مستعبدة بصورة شبه دائمة، ومن أن شجاعة الشعوب التي تعيش في مناخ بارد قد جعلتها حرة…” (ص 98). بالخلاصة هذه النظرات المتطرفة أنتجت نابليون، والحملة على مصر، واعتبار فرنسا “الأمة العظمى” التي عليها نشر القيم الحضارية بقوة السيف. نلاحظ هنا التنوير والاحتلال كيف تمكنا من عقلية قادة تلك المرحلة؛ وهذا ما يصفه جان جبور بقوله: “تحالفًا كاريكاتوريًا بين السيف والقلم إلى درجة أن بونابرت ادعى أنه مرسلٌ من قبل العناية الإلهية لكي يخلص العرب من البرابرة ويصحح مسار الدين الإسلامي…” (ص 100). فمبدئية فولتير في اعتبار الدين مصدر أضاليل وشرور، لم تنجُ منه المسيحية الكاثوليكية كذلك، انسجامًا مع ذهنية الأنوار، ولكن ما يعنينا هو عدم قدرة العقلنة الأنوارية على مفارقة النزعات الاحتلالية للآخر. فولناي مثلًا، يصف إمكان قابلية المجتمع المصري للاحتلال، بعد أن أقام دراسة شاملة للمجتمع المصري شرح فيها مواضع الفساد بالكامل، ليبرر فكرة احتلال هذه البلاد!
أما الباب الثالث “عصر الرومنسية: بين أحلام الشعراء والأطماع الاستعمارية”، الذي يظهِرُ نواس القيم في العلاقة بين الشرق والغرب، ذلك أن فشل الحملة الفرنسية على مصر، والأطماع البريطانية، وترسيخ الدول الأوروبية سلطتها في المستعمرات، هو الذي حكم هواجس الشعراء والكتاب والمفكرين في دعمهم لحملت القادة السياسيين والعسكر. فتارةً نراهم يتحدثون عن انجذاب كبير كما مع فكتور هوغو، وتارة عن سراب كما مع لويس برتران. طبعًا، لقد انتشرت الرحلات في هذه الفترة وتبلورت مشاريع الاستعمار، وظهرت كتابات لشعراء فلاسفة كلامارتين في كتابه “رحلة إلى الشرق”، يضع فيه مخططًا يتم بموجبه توزيع البلدان الخاضة للسلطنة العثمانية، أو فلوبير الذي رأى في الشرق “بيت دعارة يقصده الغربي لإشباع غرائزه” (ص 199). وكذلك كان هناك ما سماه جبور “الاستشراق الفني” على يد دولاكروا وجيروم وفرومانتين وغيرهم. ولن نكرِّر هذه الأوصاف الاستعلائية والاحتقارية للمجتمع الشرقي، ما يهمنا فحسب هو كيف ترسَّخت ثنائية الحضور كونيًّا بين الأنا الغربي المنتصر والأنا الشرقي المنهزم، فصار الآخر هو “الغير”، أي العدو الذي يمكن تجاوزُه بلا اكتراث بقيم إنسانية عليا.

هنا نلج مع جبور إلى الباب الرابع والأخير من هذه الدراسة، وهو بعنوان “من الصراع الثقافي والحضاري إلى الإسلاموفوبيا”، إذ إن الحدث الأكبر هنا هو الحرب العالمية الأولى، وما تلاها من تكريس لاحتلال فرنسي للشرق في سوريا ولبنان واحتلال بريطاني لمصر والعراق، واحتلال باقي الدول العربية في أفريقيا، ثم تفاقم الصراعات بعد الاستقلال، بعد وعد بلفور وتأسيس الغرب لدولة “إسرائيل” على أرض فلسطين، كيانًا احتلاليًا اعترفت به الأمم المتحدة دولةً. وهذا يدلُّ على انفصام أخلاقي كبير في ما يدعيه الغرب من قيم التحرر والتنوير، وما أرساه من ممارسات احتلال وتدمير، إضافةً إلى تلك الأحداث توالت معارك الصراع العربي الصهيوني ثم جاءت المرحلة القومية العربية والثورة الإيرانية وبناء مفاعل تموز النووي العراقي وحرب الخليج وتوالت الأحداث حتى حادثة الحادي عشر من أيلول 2001 التي “أعادت إلى الأذهان مسألة الخطر الإسلامي وأدت إلى ولادة الإسلاموفوبيا” (ص 322)، ثم الاحتلال الأميركي للعراق في 2003 وما تلا هذا الاحتلال من خراب كبير في المجتمعات العربية وفي العلاقات الدولية القيمية. وتوالت الكتابات كمثل كتاب “الإسلاموفوبيا الجديدة” لفنسان جايسر، إضافةً إلى ما أسس له مفهوم صراع الحضارات على يد صموئيل هنتنغتون، ونهاية التاريخ على يد فرنسيس فوكوياما. كذلك إن ما جرى في أوروبا، وفي فرنسا بالذات، حيث التفجيرات الإرهابية التي استهدفت “شارلي إبدو” في 7 كانون الثاني 2015، وظهور الرهاب من هيمنة الإسلام، وما ترافق من دعوات تحذر من استبدال السكان الأصليين لأوروبا بآخرين مسلمين، كما في كتابات رينو كامو ورواية “الاستسلام” لميشال ولبيك التي تحكي تصورًا عن أسلمة المجتمع الفرنسي.

من كل ذلك نخلُص إلى أن التوهُّم والتخيُّل المبنيين على افتراضٍ “غربي” بأن حياة الشرق هي موت الغرب، كان نتيجة عوامل دينية واجتماعية وسياسية وتاريخية، جعلت نظريات مثل نظريات المناخ أو العرق تسود في النظر إلى الآخر غير الأوروبي، أو نظريات في الدين تؤسس لحروب همجية كـ”الحروب الصليبية” وما تلاها من احتلالات وتدميرات وصولًا إلى احتلال العراق. فلو نظرنا إلى الأمور من باب التأويل الفينومينولوجي لظاهرة العداء، فإن الإشكال الأوروبي الحضاري هو عدم التعرف إلى كينونة المفاهيم في موضعها. فماذا يعني أن تجد شاعرًا أو فيلسوفًا بحجم فولتير أو لامارتين أو شاتوبريان أو برتران لويس لا يفهم الإسلام ولا محمد ولا حتى الديانات الإبراهيمية كلها في موضعها؟ فالمسيحية حتى أيضًا لم يفهموها في نشأتها الفلسطينية الأولى، فهي عندهم استكمال لدين روما وآلهة اليونان، لذا لم يقيموا اعتبارًا لفلسفة الدين في هذا المجال، بل لفلسفة سياسة الدين، أو لفلسفة تاريخ الدين. وهم نظروا إلى الإسلام ومحمد كأنه وثنٌ أو إله، وصوروه ماجنًا أو زير نساء، لأن ليس لديهم قدرة في تعرُّفِ قيمة الدين عربيًا، ليدركوا إمكانات التجريد والتعقُّل في فهم المعطى الديني نصًّا وعبارة.

ثم إن اللغات العربية الأولى والمتقدمة هي لغات الدين، أو لغات العلاقة بين الأرض والسماء، لذا إن الكلام في الدين لا يمكن من دون تعرُّف ذهنية من تكلم الآرامية الأولى والسريانية والأكادية والسومرية والآشورية والفينيقية والسبئية وغيرها. إن العربي كائنٌ مؤلَّفٌ من كل هذا التراث، لذا إن تنوير الآخر يكون منقوصًا إذا لم يكلِّف نفسَه إمكان التعرُّفِ بهذا العربي العريق. سيرتكب الإنسانُ الكونيُّ جرائِمَ كُبرى إذا لم يحترم قيم العرب. وهذا ليس تحيُّزًا قوميًا أو اعتزازًا بالنفس، بقدر ما هو إقرارٌ بواقعية التحضُّر وسيرورة التقدم الإنساني في فهم الكون.

إن أهمية كتاب جان جبور تكمن في أنه استعرض غشاوة التنوير، التي جعلتنا نعاني عصر التطرفات الراهن. فالتطرفات ليست سوى عنادٍ يبتر إمكان العقل التواصلي، أي إمكان احترام كينونة الآخر التي لا يمكن أن أكون من دونها. ولكسر التطرفات لا بد من الاعتراف بالتنوع اللغوي والثقافي والحضاري، وعدم طمس معالم الإنسان، بحجة فرض أنموذج واحد في العيش. إن العولمة تؤدي إلى احتلال الشعوب واستعمارها، وبالنتيجة تلغي كل إمكانات التواصل وتبقي الهيمنة، وهذا ما لا يدوم، لأن الإنسان حرٌّ بطبعه، لذا لن يقبل الاستعباد. فإلغاء الثنائيات الضدية هو المهمة الحضارية الكبرى التي على الإنسان السعي لإلغائها، واستبدالها بالتلاقح الحضاري المنتج؛ فكلنا هو الإنسان.