الرئيسية / أضواء على / قراءات كورونا: أديب وفيلسوف ورسّام وناشر يروّضون بالكتاب الضجر

قراءات كورونا: أديب وفيلسوف ورسّام وناشر يروّضون بالكتاب الضجر

ترويض الضجر (حسن جوني).

إنّها إشكالية ترويض الضجر في الحجر وفداحة السجن الإنساني. عذراً إن بدت الفكرة متّصلة بما مضى، لكنّ الوباء يفرض أشباحه. السؤال اليوم: ماذا يقرأون، وأي كتب تشكّل ولائمهم؟ الأديب سمير عطاالله، الفيلسوف مشير باسيل عون، الرسّام حسن جوني، والصحافي المتقاعد، الناشر رياض الريّس. لأي مزاج يخضع الكتاب في أوقات الملل؟ إن كان الريّس يرى الضجر عاملاً داخلياً، ويمكن المرء أن يضجر وهو جالس في مقهى أو في سهرة، فإنّ السؤال عن دور الأدب في إطفاء كآبة الجدران، مُلحّ اليوم ومُبرَّر.

كلما وجد سمير عطاالله نفسه في عزلة طويلة، عاد إلى قراءة أعمال يعتبرها “كلاسيكية”، منها السِّيَر الذاتية. ثلاثة أسابيع في الحجر، وصاحب “مقال الأربعاء” غارق في قراءة مذكرات أندريه مالرو، وروايات ألبر كامو ونيكوس كزانذاكيس، وخصوصاً أعمال جورج أورويل. “لا أدري كم مرة عدتُ إلى هذه المؤلفات منذ المرة الأولى”، يقول، وغالباً ما تتجاوز الهوامش التي يدوّنها على الصفحات، النصَّ نفسه، لذلك، اقتنى نسخاً عدة مع السنين من كتبٍ كـ”الإغواء الأخير للمسيح” و”السنديانات التي نقتلعها”، ومذكرات نيكيتا خروتشوف، أو غاندي، أو ديغول، أو بيار اليوت ترودو، أو نلسن مانديلا، وسائر العمالقة الذين أدّوا أعظم الأدوار خارج العنف والثأر والشماتة. يُكمِل بشغف طبّاخ يخفق قالب حلوى: “عندما يقرأ المرء في فكر ديغول، لا يعثر على استراتيجي عسكري، أو ضابط ماهر، أو سياسي ماكر، بل على عملاق يحافظ على قِيَمه في جميع مراحل الحياة، بهزائمها وانتصاراتها. هكذا، نرى في ترودو الذي أنقذ كندا من تفاهة الانفصال والحقد الصغير. وهكذا نرى كيف غيّر فلاح شيوعي بسيط تاريخ الاتحاد السوفياتي ومعه تاريخ العالم، وأزال في بلدان كثيرة فكرة التعايش مع التوحّش الستاليني العدمي”.

ماذا تمنحك العزلة أيضاً، أستاذي؟ “الفرصة لاستعادة مؤلفات سياسية لا تروق لي في الغالب، مثل (نقد العقل السياسي) لريجيس دوبري. إنّه من المبدعين الذين ذهبت حياتهم عبثاً خلال مرحلة الحرب الباردة، ولم يتمكنوا من الجمع بين المُثُل الفكرية ووقائع الدنيا”. وماذا عن القراءات العربية؟ “يؤسفني أنّها قليلة. من أهمها أخيراً مجموعة من شعر محمود درويش. واضح أنّ النشر العربي مأزوم كالعادة، غير أنّ ظروف كورونا نكّلت بكلّ صناعات الأرض. وما بقي من القراءات، فهو من هنا وهناك، وما يُطالعك على الرفوف، وكثير منها سأرسله إلى المستودع من أجل العيش مع فرقة جديدة من الكتّاب والكتب”.

“في المحنة أجتهدُ لأقرأ في تقوى المساءلة، وهدأة الاضطراب، وسكينة الاستشراف”، يقول مشير باسيل عون. يميل إلى “مصنّفات تاريخية تترصّد أحوال البشرية لتستخرج منها خيوطها الناظمة ونواميسها الحاكمة”، فيعيد قراءة فصول من كتبٍ أثّرت فيه، منها “التاريخ” للمؤرّخ اليونانيّ هيرودوتس؛ و”مقدّمة” ابن خلدون؛ و”أُطوبيا” المؤرّخ الإنكليزي توماس مور؛ و”مبادئ علم الطبيعة الجديد” للمؤرّخ الإيطالي جيانباتيستا فيكو؛ و”ملاحظات على التاريخ” لفولتير؛ و”أفكارٌ من أجل فلسفة تاريخ البشريّة” للأديب الألماني هِردِر الآخذ على كانط تفاؤله وثقته بوحدة الحضارة الإنسانيّة. تتيح العزلة أيضاً إعادة قراءة كتاب هيغل “دروس في فلسفة التاريخ”، وقراءة أوغست كونت، الجزء الأوّل “سقوط الغرب” من موسوعة فيلسوف التاريخ الألمانيّ أوسفالد شبِنغلِر الذي ينظر نظرة رومانسيّة تشاؤميّة إلى الوضعيّة الإنسانيّة، وقراءة كتاب المفكّر السياسيّ الألمانيّ ليو شتروس “الحقّ الطبيعيّ والتاريخ” الذي يعتبر أنّ الغرب محكومٌ بالسقوط. يوجد المزيد: “كتابات أرنولد توينبي الذي أعلى من شأن العامل الثقافي في تكوين الأمم، والفيلسوف الفرنسي جاك إلُّلْ الذي انتقد اصرار بعضهم على التبنّؤ بزمن ما بعد الحداثة، وفي يقينه أنّ هذا الزمن تنويعٌ أدبيّ لا مضمون له على الإطلاق. وأستنجدُ أيضاً بكتاب عالم الاجتماع الألماني أُرليخ بِك (مجتمع المجازفة) الذي يترصّد جسامة المخاطر المُحدقة بالإنسان. ولا يفوتني النظر في كتاب اللاهوتيّ الفرنسيّ تيّار دُشاردَن (مستقبل الإنسان) الذي يضع المرء أمام مسؤوليّته في نحت وجوده”. محظوظٌ على المزاج، أستاذ.

ماذا عن حسن جوني، القارئ النهم؟ الوقت اليوم للشعر والفلسفة والتاريخ، وهي ميادين اختارها منذ زمن، حتى إذا حلّت عزلة كورونا، كثَّف علاقته بمطالعة طروح فكرية ونقدية، معوّضاً ما فاته أيام الانشغال بالرسم والحضور الكلّي في المحترف. “المطالعة مدّدت متعتي بقراءة نصوص لفلاسفة ومفكرين لم أكن على تواصل مع نتاجهم العظيم، ولطالما عثرت في كتاباتهم على ما أضاء لي أنفاقاً حسبتُ أنّ ظلماتها لانهائية. الآن أتأمّل الكون من خلال حقائق العلم وكشوفاته، كما الفكر والفلسفة والشعر، وتجلياتها في زمن كورونا الذي منحني وقتاً كافياً للجلوس مع كتبي”.

يمتلك رياض الريس، في كونه صحافياً متقاعداً يعمل في النشر، فرصة قراءة مجموعة من المخطوطات قبل نشرها. لم يعد يقرأ الشعر منذ رحيل صديقه محمود درويش، ولا القصة منذ أن ذوى صديقه زكريا تامر، ولا الرواية منذ أن هاجر الروائي فواز حداد بعدما كتب “السوريون الأعداء”. إذاً ماذا تقرأ؟ “التاريخ. أمتع ما أقرأه حالياً، (تاريخ التمدّن الإسلامي) لجرجي زيدان، إلى سِيَر مهنية لزملاء صحافيين وثّقوها في كتب، كجهاد الزين وسركيس نعوم. في الماضي كنت أقرأ كتاباً بكامله، واليوم أقرأ نتفاً من كتب لأزيل الضجر. في الماضي كانت القراءة متعة، فأصبحت اليوم فرضاً”. يعتب: “حتى الآن لم يصدر كتاب يحمل سيرة ثلاثة صحافيين في الجمهورية اللبنانية الحديثة: سعيد فريحة، كامل مروّة وغسان تويني”، ويختم: “القراءة يجب أن تكون متعة ومعرفة، ولا تتحوّل وسيلة لملء الوقت. قراءة المتعة تحتاج إلى مزاج مريح وخيال سخيّ وراحة نفسية وجسدية. أما عندما تجبر نفسك على القراءة لتملأ فراغاً، فهذه قراءة عدائية. قراءة المتعة لا تُضاهَى”.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

اضف رد