الرئيسية / مقالات / قدس محمود درويش الشامية

قدس محمود درويش الشامية

 صبحي حديدي
القدس العربي
10052021

في كتابه الموسوعي الفريد «معجم الموتيفات المركزية في شعر محمود درويش» يرصد الناقد والأكاديمي الفلسطيني حسين حمزة تكرار مفردة القدس، بوصفها موضوعاً أيضاً، في مجموعات درويش منذ «أحبك أو لا أحبك» 1972 وحتى «لا تعتذر عما فعلت» 2004.
ولا أختلف مع الصديق حمزة في هذا التشخيص المبدئي، وأضيف بأنّ مجموعات درويش وأعماله بعد «لا تعتذر عما فعلت» أتت على ذكر القدس مراراً، وضمن تنويعات أوسع من تلك التي يرصدها حمزة (أشير، بصفة خاصة، إلى قصيدة «طباق» المهداة إلى إدوارد سعيد، وفيها يقول درويش على لسان ابن بلده الراحل: «لي لغة إنكليزية للكتابة/ طيّعة المفردات/ ولي لغة من حوار السماء مع/ القدس، فضيّة النَبْر، لكنها/ لا تُطيع مخيّلتي»). أساجل، في المقابل، بأنّ القدس (وربما بسبب من محور طريق دمشق/ باب العمود الذي يربط فلسطين بالشام) تجاوزت أبعادها الفلسطينية عند درويش، واتخذت شخصية تاريخية وجغرافية وحضارية متعددة وتعددية، في مستويات التعبير والمجاز والواقع.
على سبيل المثال الأوّل، مجموعة درويش «محاولة رقم 7»1973 هي المؤشر الأبكر على إصراره، أو عناده النبيل الذي أكسب العربية شاعراً كونياً حداثياً أبعد في المشروع والجماليات ومن حدود/ وقيود، «شاعر المقاومة»؛ كانت قد احتوت على قصيدة بعنوان «طريق دمشق»، لاح أنها تُكمل قصائد أخرى في المجموعة ذاتها تتناول فلسطين من زوايا متغايرة لا تبتعد مع ذلك عن سمت أساسٍ هو الخروج منها جغرافياً، والبقاء فيها أو العودة إليها على سبيل القصيدة والمسلك والانتماء (قصائد «النزول من الكرمل»، الخروج من ساحل المتوسط» «طوبى لشيء لم يصل»، «عودة الأسير»…). كذلك وردت موضوعة القدس في إشارات مباشرة يرصدها حمزة في كتابه آنف الذكر.

قدس درويش الشامية تظلّ فلسطينية المرجعيات بالطبع، خاصة لجهة رموزها التوراتية والإنجيلية والقرآنية، ومدلولاتها السياسية والحضارية والتاريخية، لكنها تمدّ باب العمود/ طريق دمشق إلى خارج أسوار المدينة العتيقة، وإلى الدروب التي سار عليها شاول الطرسوسي

في قصيدة «طريق دمشق» يأتي درويش على ذكر القدس مرّة واحدة، حين يقول: «وأنسى الخلافة في السفر العربي الطويل/ إلى القمح والقدس والمستحيل» ضمن مقطع تستكمله استعادة نهر بردى: «يؤرّخني كاتبان:/ العدوّ/ وعَوْرةُ طفل صغير تسمونه/ بردى/ وسمّيته مبتدا/ وأخبرته أنني قاتل أو قتيل». لكنّ القصيدة (وهي في عداد قصائد درويش الأولى الطوال، إذْ تقع في أكثر من 170 سطراً طبقاً لترتيب كلّ طبعة) تعتمد في الحديث عن دمشق والشام خطاباً مركباً بالغ الثراء والتبدّل، تمتزج فيه نبرة المناشدة والتهدج والشكوى والتقرّب والعتبى والمحبة والتودّد، ويحضر فيه التاريخ وتُستنفر معه عناصر الحضارة ويتناوب المكان؛ وليس أقلّ أهمية أنّ القصيدة تترابط، في هذا البُعد الذي يجهد لالتماس التساوق بين فلسطين والشام على نحو خاصّ، مع قصيدة «النزول من الكرمل» في المجموعة ذاتها؛ حيث يقول درويش: «صارت فلسطين أقرب/ فاختلف اللاجئون على موسم القمح والبرتقال/ أوقفتني فتاة معبأة بالدوالي/ وكانت تغنّي على طريق الشام:/ يا ليت دالية واحدة/ لم تسافر معي… فأعود إليها».
لم يكن اللوذ بمجازات الشام ودمشق، أو إكساء فلسطين والقدس أردية سورية ومتوسطية، تاريخية وحضارية ورمزية، بمثابة انسلاخ عن الاصول التي ابنثقت منها وحولها شعريات درويش قبل خروجه من الأرض المحتلة إلى القاهرة ثمّ بيروت؛ بل كانت، في يقين شخصي هنا أيضاً، تدويراً تعبيرياً أقرب إلى المجازفة، بين أقصَيَن في واقع الأمر: مغادرة فلسطين جسدياً إلى العالم العربي، وإبقاء فلسطين شعرياً في هذه أو تلك من حواضر العالم العربي (القاهرة والنيل، دمشق وبردى، بغداد ودجلة الخير…). وفي قلب هذه السيرورة الخلاقة، توازى لدى الشاعر طرازان من العناد: رفض إلقاء قصيدة «سجّل أنا عربي» وما يماثلها كلما طالبت بها جماهير الشاعر، خلال أمسياته الحاشدة؛ والإصرار، في المقابل، على قراءة الجديد المتطوّر الذي لم يكن يتلاقى سريعاً مع ذائقة قارئ درويش القياسي، أو يصل إليه بيسر. ولعلّ السمات التسجيلية في قصيدة «طريق دمشق» كانت أكثر مشقة وأصعب إيصالاً من قصائد تسجيلية سابقة مثل «سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا»، أو أخرى لاحقة مثل «مديح الظلّ العالي»؛ لاعتبار جوهري هو أنّ فضاء القصيدتين المذكورتين ليس حمّال إحالات إلى فلسطين والقدس مثل دمشق.
صحيح أنّ درويش سوف يكتب الكثير من القصائد عن دمشق، والشام وحلب وطريق الساحل المتوسطي، وبالمعاني الحضارية والتاريخية المعقدة للمكان السوري في ذاته، أو في ارتباطه بالنظير الفلسطيني عموماً؛ إلا أنّ تلك القصيدة كانت، في يقين شخصي، فاتحة كبرى في نزوعِ درويشي مدهش إلى إقامة مستويات شتى من التماهي بين القدس ودمشق، أو الشام على استواء أوسع، بحيث تكوّنت تباعاً في قصائده قدسٌ شامية إذا جاز التعبير؛ تظلّ فلسطينية المرجعيات بالطبع، خاصة لجهة رموزها التوراتية والإنجيلية والقرآنية، ومدلولاتها السياسية والحضارية والتاريخية، لكنها تمدّ باب العمود/ طريق دمشق إلى خارج أسوار المدينة العتيقة، وإلى الدروب التي سار عليها شاول الطرسوسي قبل أن تتكفل الرؤيا باختطاف بصره وإنارة قلبه وتحويله إلى بولس الرسول…
في كلّ حال، كلما ارتقت، أعلى وأسمى وأعمق، أشكال المقاومة الفلسطينية المقدسية؛ صحّت استعادة قصيدة محمود درويش «في القدس» 2003 خاصة تلك الخاتمة الفريدة: «ماذا بعد؟ صاحت فجأة جنديّةٌ:/ هو أنت ثانية؟ أَلم أقتلك؟/ قلتُ: قتلتني… ونسيتُ، مثلك، أن أَموت».

صبحي حديدي