الرئيسية / home slide / قبل أن يفاوضوا عليكم ويتنازلوا عنكم

قبل أن يفاوضوا عليكم ويتنازلوا عنكم

المدن – لبنان|الأربعاء16/12/2020
Almodon.com

وضع النفوذ الإيراني الإقليمي والصواريخ على نار حامية جداً (Getty)

إذا لم يختتم ترامب ولايته، بضربة عسكرية لإيران، وهي مستبعدة على أي حال، يرجح أن تدخل المنطقة مرحلة التسويات، وربما “إعادة هيكلة” بعض الدول. وليكون الوقت قد حان لتدرك الطبقة السياسية المتحكمة بلبنان أن حفلة الدبكة على أنقاض الوطن، قد انتهت. وانتهت معها رهانات أي فريق سياسي على أن التطورات الإقليمية في ظل ولاية بايدن، ستكون لصالحه ليسجل النصر المبين على الفريق الآخر.

أما الخيارات أمام القوى الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها إيران وتركيا والسعودية، مع حلفائها وتابعيها،  فستكون واضحة وضيقة؛ وهي إما تسوية قوامها أن لا نفوذَ لأي دولة خارج أراضيها، إلا بالحد الأدنى الذي ترسمه أميركا بالتوافق مع روسيا وأوروبا، وإما الفوضى التي تقضي على هذا النفوذ نهائياً، وربما على الدولة ذاتها.

وبالتبعية، فإن الخيار أمام لبنان سيكون إما الاستدارة الكاملة نحو وقف النهب والفساد وتحقيق إصلاحات اقتصادية ومالية عميقة وسريعة، كشرط للحصول على الدعم الدولي، وكمقدمة لإعادة بناء الدولة التي يمكنها استيعاب سلاح حزب الله في الجيش. وإما فلتختار “الشعوب اللبنانية العظيمة” الشكل الملائم للانتحار بعد السقوط في هاوية الفقر والانفلات الأمني وتحلل البلد. بين إعلان لبنان دولة فاشلة رسمياً ووضعه تحت إدارة الأمم المتحدة، وبين الانزلاق إلى “حروب أهلية” تبدأ بين الطوائف والمذاهب وتنتهي كالعادة بين الأحزاب والعائلات والعشائر داخل الطائفة والمذهب. وليتحول لبنان إلى كيانات هجينة متصارعة ومتوحشة، يكون كل منها أشبه بـ”مزبلة يصيح فوقها ديك هزيل” كما قال أحد الوزراء السابقين. ولذلك فاوضوا بعضكم البعض وتنازلوا، قبل يفاوِضوا عليكم ويتنازلوا عنكم.

الفوضى الخلاقة حققت أهدافها
ذلك ليس تهويلاً، بل قراءة هادئة للمعطيات والتطورات، بعيداً عن التمنيات والانفعالات والحسابات الخاطئة، وأبرزها ما يلي:

1- السياسة الخارجية الأميركية لا تتغير بين إدارة وأخرى، وإدارة بايدن لن تكون نقيضة لإدارة ترامب، ولا ولاية ثالثة لأوباما، بل ستقوم باستكمال السياسات ذاتها التي اعتمدتها الإدارات السابقة، مع اختلاف المقاربات والأهداف المرحلية تبعاً لاختلاف التطورات، وكذلك تبعاً للنتائج التي حققتها إدارتي ترامب وأوباما. والمراهنة على تغيير في السياسة الأميركية هو خطأ في الحسابات وتمنيات.

2- هدف السياسة الأميركية في الشرق الأوسط ـ المعلن لمن يريد أن يقرأـ هو إدارته عن بعد، وليس الخروج منه للتفرغ لمواجهة الصين، كما يحلو للبعض أن يحلل. فهذه المنطقة تشكل ساحة رئيسية للصراع مع الصين، كما أنها ستبقى ملعباً أميركياً بامتياز حتى إشعار آخر. والإدارة عن بعد تتطلب -كشرط أساسي لنجاحها- عدم وجود قوى إقليمية كبرى تقارع أميركا إذا اتفقت وتؤرقها طلباً للحماية إذا اختلفت. ولنتذكر أن الهدف المرحلي لتلك السياسة، منذ الفشل المدوي لسياسة الإدارة المباشرة المتمثل بغزو العراق، كان إضعاف وتمزيق دول المنطقة من خلال حروب وفتن مذهبية وعرقية أو ما اصطلح على تسميته بـ”الفوضى الخلاقة”.

3- تطلّب تحقيق ذلك الهدف، تقوية إيران والشيعة في الدول العربية ليتمكنوا من خوض الصراع. ولنتذكر كيف تغاضت أميركا، لكي لا نقول سهلت، تغلغل النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد بلغ هذا التغاضي، ذروته خلال ولاية أوباما وتوقيع الاتفاق النووي “الغريب”، الذي سمح لإيران بالحصول على موارد مالية ضخمة لمواصلة تعزيز نفوذها الإقليمي، وهو البند الذي تم إهماله في الاتفاق إلى جانب بند الصواريخ البالستية.

أما وقد حققت تلك السياسة أهدافها بتشظية الدول العربية ذات الأغلبية السنية (العراق، سوريا، اليمن، ليبيا) أو إضعافها (السعودية ودول الخليج) أو تحييدها (مصر، المغرب العربي). إضافة بالطبع إلى استنزاف إيران وإضعافها.. فيكون المسرح قد بات جاهزاً للفصل الأخير قبل إعلان الشرق الأوسط الجديد. وهذا الفصل عنوانه تقليص النفوذ الإيراني إلى “الحد الأدنى المقبول”.

… وجاء دور الشرق الأوسط الجديد
4- يتوقع أن يقوم بايدن بإسلوبه “الأنيق والدمث”، ووزير خارجيته بإسلوبه الأكثر “أناقة ودماثة”، بتشديد الخناق على إيران، لدفعها إلى القبول “بالحد الأدنى المقبول”. ويرجح أن يبادر إلى إحياء الاتفاق النووي معها، ما يضمن تأييد أوروبا وتحييد روسيا والصين. ولكن مع وضع البندين المهملين في الاتفاق، أي النفوذ الإقليمي والصواريخ على نار حامية جداً. كما يرجح المراقبون أن يستكمل بايدن هذه المبادرة بتهيئة المسرح للاحتفال، فيتم إنهاء الخلاف الخليجي وتحقيق مصالحة السعودية والإمارات مع قطر، وكذلك ترسيخ الاتفاق غير المعلن مع روسيا بشأن سوريا، مع تشديد الضغط على تركيا لضمان التزامها، إضافة إلى وضع الملف اليمني على سكة الحل إذا تجاوبت إيران، والطلب إلى الدول الخليجية “التجاوب السريع” مع أي ميل إيراني للتهدئة، سواء في اليمن أو لبنان، حتى لو كانت الحلول على حسابها أو لا تتناسب مع طموحاتها، لأنه سيتم التعويض عليها من خلال “غنائم التطبيع” مع إسرائيل.

لبنان: فترة سماح.. ودعم المبادرة الفرنسية
نختم بالعودة إلى لبنان. ويمكن القول انه سيتم مع تولي بايدن الرئاسة منح الطبقة السياسية فترة سماح قصيرة، خصوصاً مع إزاحة رموز إدارة ترامب، التي كانت تدفع بضغط من إسرائيل نحو اعتماد مواقف متشددة وعدم التمييز بين لبنان وحزب الله، واعتبارهما كياناً واحداً، بل الدفع باتجاه زعزعة الاستقرار فيه وصولاً إلى حرب أهلية، لأنها الوسيلة الوحيدة للقضاء على حزب الله. كما أن بايدن سيكون مشغولاً في الأشهر الأولى بترتيب الوضع الداخلي في أميركا، ما يرجح إعطاء الفرصة للأوروبيين، وتحديداً الفرنسيين، للتوصل إلى حلول ولو جزئية تمنع انهيار لبنان بانتظار التسوية الكبرى.

ولكي لا نغرق بالتوقعات، تجدر مراقبة أمرين لمعرفة اتجاهات الريح: الأول هو تواصل المبادرة الفرنسية بل تعزيزها بدعم أوروبي أكبر، ما يعني إن الإدارة الأميركية ستوفر الغطاء اللازم للمبادرة، في حين يعني توقفها ان ما كتب قد كتب.. وتخبزوا بالأفراح.

لمراقبة أي انفتاح سعودي على الحريري
الأمر الثاني وربما الأكثر أهمية هو مراقبة أي انفتاح سعودي على سعد الحريري، لأن ذلك يعني أن السعودية تلقت الطلب الأميركي بالتهدئة مع إيران، وأنها ستجد في سعد الحريري الذي راهن على مهادنة حزب لله، الحصان الرابح لإعادة تعزيز موقعها كراعية للطائفة السنّية، ليس بمواجهة إيران وحسب بل بمواجهة تركيا. وقد يكون على التيار الوطني الحر تحديداً، مراقبة مثل هذا التطور، لأن أي انفراج في العلاقات السنية ـ الشيعية يسمح بالوصول إلى تسوية واتفاق، سيكون أكثر أهمية بالنسبة لحزب الله من تسوية واتفاق مع زعيم مسيحي فرضت عليه عقوبات أميركية، خصوصاً إذا حظي الاتفاق مع الحريري بغطاء مسيحي من قبل القوات اللبنانية وبتشجيع من السعودية طبعاً.

تلك كانت حسابات الحقل في أميركا، وطبعا قد يكون لإيران حسابات حقل مختلفة باعتماد المواجهة المفتوحة. أما في لبنان فالأمر متوقف على قدرة الطبقة السياسية في أن تستغل فترة السماح لإصلاح بيادر الوطن، وإعادة بناء صوامع قمحه التي دمرتها بفسادها.

تنازلوا لبعضكم البعض وللوطن قبل أن يتنازلوا عنكم.